• 2026-10-23
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

252-أصول الثبات من عشر آيات

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمَن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله سيِّد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سَمِعَتْ أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

مقدمة:
أيُّها الإخوة الكرام: لا يخفى عليكم أنَّ أُمة الإسلام تعصِف بها الفِتَن، وأنَّ القاسي والداني يتآمرون على إفسادها وإضلالها، بل وعلى إبادتها، وليس عنكم ببعيدٍ ما يقوم به العدو الغاشم من تدخلاتٍ في أراضينا، في فلسطين وفي سورية، وليس بخافٍ عنكم، جريمته النكراء الأخيرة في قتل أحد أبناء درعا، أسأل الله أن يتقبَّله في الشهداء.
أيُّها الإخوة الكرام:
قلت سابقاً وأقول من جديد: إنني لا أعجَبُ من حجم هذه الهجمة الشرسة، التي تستهدف وطننا، بل تستهدف أُمتنا، بل تستهدف عقيدتنا وديننا، فهذه طبيعة المعركة بين الحقِّ والباطل، وهذا سببٌ من أسباب تقصير المُسلمين وتخاذلهم، على مدار عشرات سنواتٍ مَضَت، من بُعدِهم عن دينهم، وخنوعِهم أمام عدوهم، فلا أستغرِب هذه الهجمة الشرِسة، وقد عرَّفنا الله تعالى طبيعة أعدائنا، وبيَّن لنا مكرهم، وبيَّن لنا كيدهم.

وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)
(سورة إبراهيم)

فنحن نعرف طبيعة الطريق، ونعرف أننا في معركةٍ مُستمرةٍ بين الحقِّ والباطل، وهذه سُنَّةٌ من سُنَن الله تعالى، لكن الذي يُذهلني وأستغربه، رغم كل ما سخَّروه لخدمة معركتهم، ورغم كل ما قصَّرنا فيه لخدمة معركتنا، أنهم لم يستطيعوا القضاء علينا ولا على ديننا، لأنه دين الله تعالى، الذي تكفَّلَ بحفظه وبقائه.

تذكيرٌ لما قد سلف في الخُطبة الماضية:
أيُّها الإخوة الكرام: في الخُطبة السابقة تحدَّثت أنَّ هناك شِقَّين للنجاة من الفِتَن، شِقَّاً عملياً وقد بيَّنته من خلال حديث المُصطفى صلى الله عليه وسلم:

{ عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أَملِكْ عليك لسانَك، وَلْيَسَعْك بيتُك، وابْكِ على خطيئتِك }

(أخرجه الترمذي والطبراني والبيهقي)

وقلت إنَّ هناك شِقَّاً ثانياً فكرياً أو عقدياً، أو قُل هو الثوابت التي ينبغي أن نزيد من تمسُّكنا بها، ونحن في زمن المُتغيِّرات والفِتَن، ثم انقضى الوقت ولمّا نتحدَّث عن هذا الشِقّ، فأتحدَّث عنه في هذه الخُطبة، فأقول وبالله المُستعان.

الثوابت التي ينبغي أن نزيد من تمسُّكنا بها في زمن المُتغيِّرات والفِتَن:
أيُّها الإخوة الكرام: في صحيح مُسلم حديثان يلفِتان النظَر.
الحديث الأول:

{ مَن حَفِظَ عَشرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سورةِ الكَهفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ }

(صحيح مسلم)

عَشرُ آياتٍ مِن أوَّلِ سورةِ الكهف فيها العِصمةُ من الدجَّال، وفي خُطبةٍ سابقةٍ تحدَّثنا عن الأعوَر الدجَّال، وعن أنَّ هناك عُوراً كُثُرا، وأنَّ هناك دجاجلةً أكثر، وأنَّ فِتنة الدجَّال هي أعظم فِتنةٍ، ولكن الظاهرة المُنتشرة اليوم، هي ظاهرة الأعوَر الدجَّال، فهذه الآيات العشر من أوائل سورة الكهف، فيها العِصمةُ من الدجَّال.
والحديث الثاني في صحيح مُسلم:

{ مَن قرأ العَشْرَ الأواخِرَ من سورةِ الكَهْفِ عُصِمَ من فتنةِ الدَّجَّالِ }

(أخرجه مسلم والنسائي وأحمد)


مَن قرأ العشر الأوائل والعشر الأواخِر من الكهف أخذ بأصول الثبات والنجاة من الفِتَن:
مرةً من الأوائل ومرةً من الأواخِر، فتحتُ المُصحفَ لأتدبَّر، لماذا مرةً من الأوائل ومرةً من الأواخِر؟ فكان أن وجدت، أنَّ ما ظهر من المعاني في العشر الأوائل من سورة الكهف، هي نفسها المعاني التي في العشر الأواخِر من سورة الكهف، فمَن قرأ العشر الأواخِر، قرأها، حفِظها، فهِمها، تدبَّرها، عَمِلَ بمُقتضاها، هذا هو المطلوب بلا خلاف، فلو أنه قرأ هذه الآيات العشر الأوائل من الكهف أو الأواخِر، عَمِلَ بالأولى أو بالأخيرة، فإنه في مُحصِّلة الأمر قد أخذ بأصول الثبات والنجاة من الفِتَن، بطريقةٍ فكريةٍ إيمانيةٍ عميقة، فما هي أصول الثبات من عشر آياتٍ؟

ما هي أصول الثبات من عشر آياتٍ؟
أولاً التمسُّك بالوحي في زمن الفِتَن:
أولاً في هذه العشر، أولاً التمسُّك بالوحي في زمن الفِتَن.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ(1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا(2)
(سورة الكهف)

أولاً: التمسُّك بالوحي، فكلما زادَ تمسُّككَ بالوحي، كنت في مأمنٍ من الفِتَن، وفي ثباتٍ أمام المُتغيِّرات، وصفه الله تعالى بثلاث صفات:
أولاً إنه مُنزَّل من عند الله، وشرَف المُنزَّل من شرَف المُنزِّل جلَّ جلاله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ).
والصفة الثانية: (لَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا) هو مستقيم، مستقيمٌ في مناهجه، مستقيمٌ في موازينه، مستقيمٌ في تثقيف الفكر والسلوك، مستقيمٌ في ضوابطه التي تضبِط أقوالنا وأفعالنا، بل تضبِط مشاعرنا.
الصفة الثانية أنه مستقيم (لَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا) كل مناهج الأرض فيها عِوَج، قد تضبِط شيئاً وتترُك شيئاً، قد تُعطي حقَّاً وتأخُذ آخَر، إلا الوحي:

لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(42)
(سورة فصلت)

الصفة الثالثة: (قَيِّمًا)، الأولى مُنزَّلٌ من عند الله، الثانية تستقيم به حياتنا، الثالثة (قَيِّمًا) ما معنى قيّماً؟ أي له القِوامة على ما سواه من الكتُب، وله القِوامة على الحياة والمُجتمع.
هل أخذنا الوحي وتمسَّكنا به لهذه المعاني الثلاثة؟ هذا هو السؤال، أم أخذناه بدافع التبرُّك؟ القرآن بركة لا شكَّ في ذلك، شفاء لا شكَّ في ذلك، فيه من اللغة العربية ما فيه لا شكَّ في ذلك، فيه من الآيات التي تُفسَّر علمياً لا شكَّ في ذلك، لكن هل أخذنا الوحي وتمسَّكنا به على أنه تستقيم به حياتنا، وله الهيمنةُ عليها، فهو المرجِع في كل شؤون حياتنا؟ هذا هو السؤال، والتمسُّك بالوحي يقتضي أيضاً معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الموحى إليه، لذلك قال: (عَلَىٰ عَبْدِهِ) وبعد آياتٍ قال:

فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا(6)
(سورة الكهف)

(بَاخِعٌ نَّفْسَكَ) أي مُهلكها.
يُعرِّفك برحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا، فبتضحياته وبخوفه على أُمته، ومعه صحابته الكِرام، وصل الإسلام إلينا.

ثانياً الإيمان باليوم الآخِر:
إذاً في العشر الأوائل من الكهف، أولاً التمسُّك بالوحي، ثانياً الإيمان باليوم الآخِر، قال تعالى في مطلَع سورة الكهف:

لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا(2) مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا(3)
(سورة الكهف)

إذاً الثانية الإيمان باليوم الآخِر، لا يمكن أن نثبُت ولا أن نُعصَم من الفِتَن التي تَعصِفُ بنا، إن لم نؤمن باليوم الآخِر، إيماناً حقيقياً قبل كل فعلٍ، وقبل كل حركةٍ، وقبل أن أقول كلمةً، وقبل أن أفعل فعلاً، وقبل أن أظلم مخلوقاً، تذكَّر أنَّ هناك يوماً تقف فيه بين يدي الله، الإيمان باليوم الآخِر.

ثالثاً التوحيد ونبذ الشِرك:
الثالثة التوحيد ونبذ الشِرك.
قال:

وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا(4) مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا(5)
(سورة الكهف)

أن تعلم أن الله واحدٌ لا شريك له، أن تعلم أنَّ الأمر كله بيد الله، أن تعلم أنه لا مانع ولا مُعطي، ولا خافِض ولا رافع، ولا مُعِز ولا مُذِل إلا الله، هل وصلنا إلى التوحيد الحقيقي؟ هذا ما يعصِمُنا في زمن الفِتَن، أن نُدرِك أنَّ الأمور كلها بيد الله تعالى.

رابعاً ربط الإيمان بالعمل الصالح:
البند الرابع من أصول الثبات من عشر آياتٍ، ربط الإيمان بالعمل الصالح (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) المؤمنين الذين يعملون الصالحات، لن تنجو من الفِتَن بإيمانٍ سكوني، إيمانٍ تقليدي، إيمانٍ فكري، لن تنجو من الفِتَن، ولن تنجو من الفِتَن بعملٍ تظنه صالحاً، تقول: أنا إيماني في قلبي، وأنا أُساعد الناس، لن تنجو من الفِتَن، لن تثبُت أمام المُتغيِّرات، إلا إذا قرنت إيماناً بعملٍ، إيمانٌ يقينيٌ توحيدي بالله تعالى وباليوم الآخِر، ثم عملٌ صالح في عمارة الكون، في خدمة الناس، في فعل الخيرات، في ترك المُنكرات، أيُّ عملٍ يصلُح للعرض على الله فهو عملٌ صالح، ربط الإيمان بالعمل الصالح، هو البند الرابع في الآيات العشر الأُوَل من سورة الكهف.

خامساً إدراك حقيقة الحياة الدنيا:
النقطة الخامسة: إدراك حقيقة الحياة الدنيا، لن نثبُت أمام الفِتَن، لن نصمُد أمام المُتغيِّرات التي تعصِف بنا، لن نستعد استعداداً حقيقياً لحربٍ قادمةٍ لا نُريدها، لكنها ستُفرَض علينا، لن نصمُد إلا إذا أدركنا حقيقة الحياة الدنيا، إدراكاً عملياً واقعياً لا نظرياً فكرياً فحسب، قال تعالى في مُفتَتح الكهف:

إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا(7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا(8)
(سورة الكهف)

يفنى ويبيد ولا يبقى شيءٌ بعد ذلك (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا) وليس لك، أنا فهمتُ أنها زينةٌ لي، فتزيّنتُ بها وخرجتُ على الناس، فكان مَن كان من أتباع قارون والعياذ بالله.

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)
(سورة القصص)


ما على الأرض زينةٌ للأرض وليس لمَن يعمُر الأرض:
ما على الأرض زينةٌ للأرض وليس لمَن يعمُر الأرض، إيّاك أن تفهم أنَّ ما على الأرض هو لتتزيَّن به أنت، أنت زينتك العمل الصالح، وهذا لا يعني أن تترُك زينة الدنيا بالحلال، لا أعني ذلك أبداً، فكلنا يأخُذ من زينة الدنيا، لكن لا أن تعتبر أنها زينةٌ لك فتطغى بها على عباد الله، هذه هي المُصيبة (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ) أنت مُختَبرٌ، أنت مُمتَحنٌ، ما على الأرض لامتحانك أنت لا لتتزيَّن به أنت، هو زينة الأرض، فهل نجحت في الاختبار؟ (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) وإيّاك أن يخطُر في بالك الرسوب، أنت في الدنيا لتنجح، لكن يُريد الله أن يُرتِّبنا، أيُّنا أحسنُ عملاً وأيُّنا أقلُّ عملاً، لا تتصور أن ترسُب، ينبغي أن يكون طموحك الفردوس الأعلى من الجنَّة، المؤمن طموح (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).
ثم قال: (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) عندما تنتهي مُهمتها لن يبقى فيها شيء، فإيّاك أن تغتر بها، إذاً أن نُدرِك حقيقة الحياة الدنيا، بمعنى أن نعمل فيها لا أن نعمل لها، أن تنقاد لنا الدنيا لا أن ننقاد لها، أن نملِكها بأيدينا لا أن نملِكها بقلوبنا، ولا أن تملِكنا هي، هذا معنى فَهمْ الحياة الدنيا، لا نتركها فيأخذها أعداؤنا فيتحكَّمون بنا من خلالها، ولا نتشبَّث بها تشبُّثاً مَرَضيَّاً فنترُك الجهاد في سبيل الله، ونترُك العمل الصالح، ونترُك الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر من أجل الدنيا الزائلة.

{ قَلَّما كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقومُ من مجلِسٍ حتى يدعُوَ بهؤلاءِ الدَّعَواتِ لِأَصحابِهِ اللهمَّ اقسِمْ لنا مِنْ خشيَتِكَ ما تحولُ بِهِ بينَنَا وبينَ معاصيكَ، ومِنْ طاعَتِكَ ما تُبَلِّغُنَا بِهِ جنتَكَ، ومِنَ اليقينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ علَيْنَا مصائِبَ الدُّنيا، اللهمَّ متِّعْنَا بأسماعِنا، وأبصارِنا، وقوَّتِنا ما أحْيَيْتَنا، واجعلْهُ الوارِثَ مِنَّا، واجعَلْ ثَأْرَنا عَلَى مَنْ ظلَمَنا، وانصرْنا عَلَى مَنْ عادَانا، ولا تَجْعَلِ مُصِيبَتَنا في دينِنِا، ولَا تَجْعَلْ الدنيا أكبرَ هَمِّنَا، ولَا مَبْلَغَ عِلْمِنا، ولَا تُسَلِّطْ عَلَيْنا مَنْ لَا يرْحَمُنا }

(أخرجه الترمذي والنسائي والطبراني)

هي هَمٌّ ولكنها ليست أكبر هَمٍّ، وعِلمٌ لكن ليست مبلَغ العِلم، أكبر همِّنا الآخرة ومبلَغُ عِلمنا الدين والآخرة.
أيُّها الإخوة الكرام: إذا انتقلنا إلى العشر الأواخِر من سورة الكهف، مَن قرأ العشر الأوائل عُصِمَ من الفِتَتن، ومَن قرأ العشر الأواخِر عُصِمَ من الفِتَن، ماذا في العشر الأواخِر؟ فيها هذه الأمور الخمسةُ تماماً، وإليكم الدليل:

الدليل على الأمور الخمسة التي اجتمعت في العشر الأوائل والأواخر من الكهف:
أولاً التمسُّك بالوحي: قال تعالى في الختام:

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)
(سورة الكهف)

قال تعالى:

قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا(109)
(سورة الكهف)

في المبدأ حدَّثك عن وحيٍّ مُنزَّلٍ من عند الله على رسوله، وفي الختام قال: (يُوحَىٰ إِلَيَّ).
في المبدأ حدَّثك عن وحيٍّ تستقيم به حياتنا، وله القِوامة على حياتنا، وفي الختام حدَّثك عن شمول هذا الوحي: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) فتمسَّك بالوحي أولاً.
ثانياً الإيمان باليوم الآخِر: قال تعالى في ختام الكهف:

أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاءَ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا(102)
(سورة الكهف)

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(105)
(سورة الكهف)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا(107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا(108)
(سورة الكهف)

فحدَّثك في المُقدِّمة عن الآخِرة وفي الختام عن الآخِرة، حدَّثك في المُقدِّمة عن عبده الذي أوحى إليه، وعن رحمته بكَ وبأُمته (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ) وحدَّثك في الختام عن رسوله: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ).
البند الثالث التوحيد: حدَّثك في المُقدِّمة عن التوحيد، وفي الختام: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاءَ)، (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) لا صَنماً، ولا حجراً، ولا طاغيةً، ولا قوياً، ولا مالاً، ولا شريكاً، (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).
البند الرابع: في المبدأ ربط الإيمان بالعمل، وفي الختام ربط الإيمان بالعمل: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)، (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) إدراك حقيقة الحياة الدنيا.
البند الخامس: في المبدأ حدَّثك عن حقيقة الحياة الدنيا (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا) وفي الختام:

قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)
(سورة الكهف)

ضلَّ سعيه، ظنَّ أنَّ الدنيا هي كل شيءٍ، ثم رآها في خريف العُمر شيئاً، ثم رآها عند الموت لا شيء، ضلَّ سعيه حين عمل لأجلها وترَك العمل للآخِرة، ضلَّ سعيه حين تركها فأخذها أعداءهُ وتحكَّموا به من خلالها (ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا).
إذاً أيُّها الكرام: هذا من إعجاز القرآن الكريم، ومن مناسبات المبدأ والختام، فخمسةُ بنودٍ للنجاة ذكرها المولى جلَّ جلاله في المبدأ، وذكرها في الختام بأسلوبٍ بلاغيٍ ليس بعده أسلوب.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الدعاء:
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك.
اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسررنا وما أعلنّا، وما أنت أعلم به منّا، أنت المُقدِّم وأنت المؤخِّر وأنت على كل شيءٍ قدير.
اللهم يا أكرم الأكرمين كُن لبلدنا هذا عوناً ومُعيناً.
اللهم ابسُط عليه أمنك وأمانك، اللهم رُدَّ عنه كيد الكائدين، وحِقد الحاقدين، وحسَد الحاسدين، ومكر الماكرين.
اللهم عليك بالصهاينة فإنهم لا يُعجزونك، اللهم إنهم قد طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصُبَّ عليهم من عندك سوطَ عذاب، إنك لهم لبالمرصاد.
اللهم انصُرنا على أنفسنا وعلى شهواتنا حتى ننتصر لك فنستحق أن تنصُرنا على عدوّنا يا أكرم الأكرمين.
اللهم أهلنا في غزَّة، أهلنا في السودان، كُن لهم عوناً ومُعيناً وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عُريانهم، وارحَم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في كل ذلك عملاً مُتقبَّلاً، واغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا.
اللهم وفِّق القائمين على بلادنا لما فيه مرضاتك، وللعمل بكتابك وبسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربِّ العالمين.