252-أصول الثبات من عشر آيات

  • 2026-10-23
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

252-أصول الثبات من عشر آيات

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمَن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله سيِّد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سَمِعَتْ أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

مقدمة:
أيُّها الإخوة الكرام: لا يخفى عليكم أنَّ أُمة الإسلام تعصِف بها الفِتَن، وأنَّ القاسي والداني يتآمرون على إفسادها وإضلالها، بل وعلى إبادتها، وليس عنكم ببعيدٍ ما يقوم به العدو الغاشم من تدخلاتٍ في أراضينا، في فلسطين وفي سورية، وليس بخافٍ عنكم، جريمته النكراء الأخيرة في قتل أحد أبناء درعا، أسأل الله أن يتقبَّله في الشهداء.
أيُّها الإخوة الكرام:
قلت سابقاً وأقول من جديد: إنني لا أعجَبُ من حجم هذه الهجمة الشرسة، التي تستهدف وطننا، بل تستهدف أُمتنا، بل تستهدف عقيدتنا وديننا، فهذه طبيعة المعركة بين الحقِّ والباطل، وهذا سببٌ من أسباب تقصير المُسلمين وتخاذلهم، على مدار عشرات سنواتٍ مَضَت، من بُعدِهم عن دينهم، وخنوعِهم أمام عدوهم، فلا أستغرِب هذه الهجمة الشرِسة، وقد عرَّفنا الله تعالى طبيعة أعدائنا، وبيَّن لنا مكرهم، وبيَّن لنا كيدهم.

وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)
(سورة إبراهيم)

فنحن نعرف طبيعة الطريق، ونعرف أننا في معركةٍ مُستمرةٍ بين الحقِّ والباطل، وهذه سُنَّةٌ من سُنَن الله تعالى، لكن الذي يُذهلني وأستغربه، رغم كل ما سخَّروه لخدمة معركتهم، ورغم كل ما قصَّرنا فيه لخدمة معركتنا، أنهم لم يستطيعوا القضاء علينا ولا على ديننا، لأنه دين الله تعالى، الذي تكفَّلَ بحفظه وبقائه.

تذكيرٌ لما قد سلف في الخُطبة الماضية:
أيُّها الإخوة الكرام: في الخُطبة السابقة تحدَّثت أنَّ هناك شِقَّين للنجاة من الفِتَن، شِقَّاً عملياً وقد بيَّنته من خلال حديث المُصطفى صلى الله عليه وسلم:

{ عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أَملِكْ عليك لسانَك، وَلْيَسَعْك بيتُك، وابْكِ على خطيئتِك }

(أخرجه الترمذي والطبراني والبيهقي)

وقلت إنَّ هناك شِقَّاً ثانياً فكرياً أو عقدياً، أو قُل هو الثوابت التي ينبغي أن نزيد من تمسُّكنا بها، ونحن في زمن المُتغيِّرات والفِتَن، ثم انقضى الوقت ولمّا نتحدَّث عن هذا الشِقّ، فأتحدَّث عنه في هذه الخُطبة، فأقول وبالله المُستعان.

الثوابت التي ينبغي أن نزيد من تمسُّكنا بها في زمن المُتغيِّرات والفِتَن:
أيُّها الإخوة الكرام: في صحيح مُسلم حديثان يلفِتان النظَر.
الحديث الأول:

{ مَن حَفِظَ عَشرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سورةِ الكَهفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ }

(صحيح مسلم)

عَشرُ آياتٍ مِن أوَّلِ سورةِ الكهف فيها العِصمةُ من الدجَّال، وفي خُطبةٍ سابقةٍ تحدَّثنا عن الأعوَر الدجَّال، وعن أنَّ هناك عُوراً كُثُرا، وأنَّ هناك دجاجلةً أكثر، وأنَّ فِتنة الدجَّال هي أعظم فِتنةٍ، ولكن الظاهرة المُنتشرة اليوم، هي ظاهرة الأعوَر الدجَّال، فهذه الآيات العشر من أوائل سورة الكهف، فيها العِصمةُ من الدجَّال.
والحديث الثاني في صحيح مُسلم:

{ مَن قرأ العَشْرَ الأواخِرَ من سورةِ الكَهْفِ عُصِمَ من فتنةِ الدَّجَّالِ }

(أخرجه مسلم والنسائي وأحمد)


مَن قرأ العشر الأوائل والعشر الأواخِر من الكهف أخذ بأصول الثبات والنجاة من الفِتَن:
مرةً من الأوائل ومرةً من الأواخِر، فتحتُ المُصحفَ لأتدبَّر، لماذا مرةً من الأوائل ومرةً من الأواخِر؟ فكان أن وجدت، أنَّ ما ظهر من المعاني في العشر الأوائل من سورة الكهف، هي نفسها المعاني التي في العشر الأواخِر من سورة الكهف، فمَن قرأ العشر الأواخِر، قرأها، حفِظها، فهِمها، تدبَّرها، عَمِلَ بمُقتضاها، هذا هو المطلوب بلا خلاف، فلو أنه قرأ هذه الآيات العشر الأوائل من الكهف أو الأواخِر، عَمِلَ بالأولى أو بالأخيرة، فإنه في مُحصِّلة الأمر قد أخذ بأصول الثبات والنجاة من الفِتَن، بطريقةٍ فكريةٍ إيمانيةٍ عميقة، فما هي أصول الثبات من عشر آياتٍ؟

ما هي أصول الثبات من عشر آياتٍ؟
أولاً التمسُّك بالوحي في زمن الفِتَن:
أولاً في هذه العشر، أولاً التمسُّك بالوحي في زمن الفِتَن.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ(1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا(2)
(سورة الكهف)

أولاً: التمسُّك بالوحي، فكلما زادَ تمسُّككَ بالوحي، كنت في مأمنٍ من الفِتَن، وفي ثباتٍ أمام المُتغيِّرات، وصفه الله تعالى بثلاث صفات:
أولاً إنه مُنزَّل من عند الله، وشرَف المُنزَّل من شرَف المُنزِّل جلَّ جلاله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ).
والصفة الثانية: (لَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا) هو مستقيم، مستقيمٌ في مناهجه، مستقيمٌ في موازينه، مستقيمٌ في تثقيف الفكر والسلوك، مستقيمٌ في ضوابطه التي تضبِط أقوالنا وأفعالنا، بل تضبِط مشاعرنا.