006-مهارة ورِفق النبي بصناعة الأصدقاء
006-مهارة ورِفق النبي بصناعة الأصدقاء
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. |
| الحمد لله الذي خضع كل شيءٍ لهيبته، واستسلم كل شيءٍ لقُدرته، وتصاغر كل شيءٍ لكبريائه، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غِناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أُمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً. |
قصة إسلام ثُمامةُ بنُ أُثالٍ كما وردت في الحديث الشريف:
| وبعد فيا أيُّها الإخوة الكرام: حديثٌ شريفٌ مَرويٌ في الصحيحين: |
{ بَعَثَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَيلًا قِبَلَ نَجدٍ - سريةٌ أرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيادة محمد بن مسلمة في مُهمةٍ جهادية - فجاءَت برَجُلٍ مِن بَني حَنيفةَ يُقالُ له: ثُمامةُ بنُ أُثالٍ، سَيِّدُ أهلِ اليَمامةِ، فرَبَطوه بساريةٍ مِن سَواري المَسجِدِ - وهُم لا يعرفونه، فثُمامة سيدٌ من سادات العرب، وشريفٌ من أشرافهم، فلمّا دخل إليه النبي صلى الله عليه وسلم عرفه، فقال: ألا تعرفون مَن هذا؟ إنه ثُمامة سيِّد أهل اليمامة، ثم قال لأصحابه أحسنوا إليه، أمرَهم أن يُحسنوا إلى هذا الأسير - فخَرَجَ إليه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ماذا عِندَكَ يا ثُمامةُ؟ فقال: عِندي يا مُحَمَّدُ خَيرٌ، إن تَقتُلْ تَقتُلْ ذا دَمٍ، وإن تُنعِمْ تُنعِمْ على شاكِرٍ، وإن كُنتَ تُريدُ المالَ فسَلْ تُعطَ منه ما شِئتَ - عندي خياراتٌ ثلاثة، الأول إن أردت أن تقتلني فأنا ذو دم، أي هناك مَن يطلب ثأري وإن تُنعِمْ تُنعِمْ على شاكِرٍ فإن أطلقتني دون شيءٍ فأنا شاكرٌ لك، وإن أردت فداءً مالاً، فسَلْ تُعطَ منه ما شِئتَ - فتَرَكَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى كان بَعدَ الغَدِ، فقال: ما عِندَكَ يا ثُمامةُ؟ قال: ما قُلتُ لَكَ، إن تُنعِمْ تُنعِمْ على شاكِرٍ، وإن تَقتُلْ تَقتُلْ ذا دَمٍ، وإن كُنتَ تُريدُ المالَ فسَل تُعطَ منه ما شِئتَ، فتَرَكَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى كان مِنَ الغَدِ، فقال: ماذا عِندَكَ يا ثُمامةُ؟ فقال: عِندي ما قُلتُ لَكَ، إن تُنعِمْ تُنعِمْ على شاكِرٍ، وإن تَقتُلْ تَقتُلْ ذا دَمٍ، وإن كُنتَ تُريدُ المالَ فسَلْ تُعطَ منه ما شِئتَ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أطلِقوا ثُمامةَ - فكّوا قيده وأطلقوه - فانطَلَقَ إلى نَخلٍ قَريبٍ مِنَ المَسجِدِ - إلى بستان - فاغتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ المَسجِدَ، فقال: أشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، يا مُحَمَّدُ، واللهِ ما كان على الأرضِ وجهٌ أبغَضَ إليَّ مِن وجهِكَ، فقد أصبَحَ وجهُكَ أحَبَّ الوُجوهِ كُلِّها إليَّ، واللهِ ما كان مِن دينٍ أبغَضَ إليَّ مِن دينِكَ، فأصبَحَ دينُكَ أحَبَّ الدِّينِ كُلِّه إليَّ، واللهِ ما كان مِن بَلَدٍ أبغَضَ إليَّ مِن بَلَدِكَ، فأصبَحَ بَلَدُكَ أحَبَّ البِلادِ كُلِّها إليَّ، وإنَّ خَيلَكَ أخَذَتني وأنا أُريدُ العُمرةَ - كان يريد عُمرةً إلى مكَّة لكن على الشِرك - فماذا تَرى؟ فبَشَّرَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأمَرَه أن يَعتَمِرَ - عُمرةً على التوحيد - فلَمَّا قدِمَ مَكَّةَ - دخل مكَّة وجَهَرَ بالتلبية فيها، وكان أول مَن جَهَرَ بالتلبية في مكَّة بعد الإسلام - فقال له قائِلٌ: أصَبَوتَ؟ - فارقتَ دين آبائك وأجدادك؟ - فقال: لا، ولَكِنِّي أسلَمتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فأرادوا أن يضربوه فقامَ أحدهم فقال: ألا تعرفون مَن هذا؟ إنه ثُمامة سيِّد أهل اليمامة، فإن فعلتم فوالله لا تأتيكم من اليمامةِ حبة حِنطةٍ، فتركوه، فالتفتَ إليهم وقال: واللهِ، لا يَأتيكُم مِنَ اليَمامةِ حَبَّةُ حِنطةٍ حتَّى يَأذَنَ فيها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم }
(أخرجه البخاري وأبو داود وأحمد)
| وفي روايةٍ أُخرى، أنهم حاصرهم الجوع حينما توقفت الحِنطة عنهم، فاستجاروا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، فأمَرَ ثُمامة أن يُعطيهم الحنطة. |
العِبر المستوحاة من قصة ثُمامةُ بنُ أُثال:
| أيُّها الإخوة الكرام: هذه قصةٌ واردةٌ في الصحيح، وفيها من العِبَر ما فيها. |
أولاً: إذا ساق الله لنا شِدَّةً فلنعلم أنَّ الله أراد بنا خيراً
| أولاً: ثُمامة كان يُريد عُمرةً على الشِرك، لكن الله تعالى أراد به خيراً، ظاهر الأمر لو نظرنا إليه، لقال أهل عصرنا: هذا إنسانٌ ذهب إلى العُمرة فحاصرته الخيل وأخذته، مسكينٌ هذا الرجُل ماذا حصل معه، لكن في حقيقة الأمر، أنَّ الله تعالى ساقه إلى الخير، ما يجري مع عباد الله تعالى في الأعم الأغلب هو من هذا القبيل، من مصائبٍ، من مِحَنٍ، من ابتلاءات، كلها من هذا القبيل، حينما روى لنا القرآن الكريم قصة أصحاب الجنة: |
إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ(18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(20)(سورة القلم)
| ظاهر الأمر أنه كان عندهم جنَّةٌ، بستانٌ عظيمٌ، فيه غِلالٌ وفيرة، وظِلالٌ وارفة، فاستيقظوا صباحاً وذهبوا ليحرثوا حقلهم، فإذا بهم يجدوا هذا الحقل قد أصبح مُحترقاً بشكلٍ كامل، حتى إنهم لم يعرفوه، ظاهر الأمر سيِّئ، لكن في الحقيقة أنهم آبوا إلى الله ورجعوا إليه بسبب هذه المِحنة. |
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21)(سورة السجدة)
| فهُم عندما وجدوا بُستانهم على هذه الصورة السيِّئة، قالوا: |
عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ(32)(سورة القلم)
| قال تعالى: |
كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(33)(سورة القلم)
ليس هناك عذابٌ من أجل العذاب من الله لكنه ابتلاءٌ وامتحانٌ وتطهير:
| أي كل أنواع العذاب التي أسوقها لعبادي، إنما هي من هذا الصنف، من أجل خيرهم، من أجل دينهم، من أجل أن يعودا إلى الله ويصطلحوا معه، فيسعدوا في دينهم ودنياهم وآخرتهم (كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ) هذا هو العذاب، ليس هناك عذابٌ من أجل العذاب من الله، لكنه ابتلاءٌ وامتحانٌ وتطهيرٌ، ورفع درجةٍ عند الله، فهذا الرجُل ثُمامة، أُسِر وهو في طريقه إلى العُمرة، ظاهر الأمر سوء، لكن حقيقته أنَّ الله أراد بهذا الرجُل خيراً، فساقه إلى الخير، فالنتائج كانت باهرةً، قال تعالى: |
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)(سورة البقرة)
| قال: يعلم مُطلَقاً وأنتم لا تعلمون مُطلَقاً، ليس هناك مفعولٌ به في الآية، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) أي يعلم كل شيء (وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) أي لا تعلمون شيئاً، فما عِلم الإنسان أمام عِلم الواحد الديَّان جلَّ جلاله؟! |
| الموقف العملي من هذه العِبرة، أننا نسأل الله دائماً العافية، ولكن لو ساق الله لنا شِدَّةً، أو مرضاً، أو مُصيبةً، فلنعلم عِلم اليقين أنَّ الله تعالى أراد بنا خيراً، إمّا رفعاً للدرجة، أو تكفيراً لسيِّئةٍ، إلى آخر ما هنالك من الحِكَم الجليلة، وراء كل مُصيبةٍ يسوقها الله تعالى لعباده. |
ثانياً: رسول الله بالرِفق يُحوِّل البُغض المُتأصِّل في القلوب إلى حُبٍّ فيَّاض
| الأمر الثاني أيُها الأحباب: يلفِت نظري أنَّ ثُمامة رُبِطَ في المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل، وجدَ رجُلاً مُشرِكاً في المسجد، ما أمرَ أصحابه أن يُخرجوه، أرداه أن يبقى داخل المسجد، وقال: أحسنوا إليه، ماذا رأى ثُمامة في المسجد حتى عاد بعد ثلاثة أيامٍ مُسلماً؟ رأى محبَّة الصحابة لبعضهم، رأى رِجالاً رُهباناً في الليل فُرساناً في النهار، رأى هؤلاء الرجال الذين أسروه، كيف يقفون بين يَدَي الله ليلاً، يخشعون ويتبتلون لربِّهم، رأى اِلتفاف صحابة رسول الله حوله صلى الله عليه وسلم، رأى تواضعه، فكان الرجُل إذا دخل إلى المسجد يقول: أيُّكُم محمد؟ فلا يعرف رسول الله من بين أصحابه لشِدّة تواضعه صلى الله عليه وسلم، رأى محبَّةً، رأى تواضعاً، رأى تفانياً، رأى حقّاً، هذا هو المسجد، وهذا هو مجتمع المؤمنين، لذلك عاد بعد ثلاثة أيامٍ مُسلماً، لِما رآه من إحسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
| لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماهراً بصناعة الأصدقاء، فبالرِفق يُحوِّل البُغض المُتأصِّل في القلوب إلى حُبٍّ فيَّاض، يقول له: (واللهِ ما كان على الأرضِ وجهٌ أبغَضَ إليَّ مِن وجهِكَ، فقد أصبَحَ وجهُكَ أحَبَّ الوُجوهِ كُلِّها إليَّ) بعد أن أطلقه عشر دقائق، تغيَّر الحال، أصبحت المدينة أحبَّ البلاد إليه، وأصبح الدين أحبَّ الأديان إليه، وأصبح محمدٌ صلى الله عليه وسلم أحبَّ الرجال إليه، لِما رآه من تعامُل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صحابته. |
أمثلة من السيرة عن رفق النبي الكريم:
| من ذلك مثلاً، أنَّ مُعاوية بن الحَكَم السَلمي يقول: |
{ بينَما أَنا معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في صلاةٍ إذ عَطسَ رجلٌ - في الصلاة عَطسَ رجُلٌ من القوم - فقُلتُ: يَرحمُكَ اللَّهُ - وهو يُصلّي، مَن يفعلها اليوم؟! يُشمِّت عاطساً وهو يُصلّي، إلى هُنا مقبول قال: يرحمك الله - فحدَّقَني القَومُ بأبصارِهِم - أصبحوا يلتفتون إليه، ما به؟ ما الذي حصل؟ يُشمِّت عاطساً وهو يُصلّي! - فَقلتُ: - وهُنا المُصيبة الأكبر - واثُكْلَ أمَّاهُ - وهو في الصلاة - ما لَكُم تنظُرونَ إليَّ - ماذا فعلت؟ قلت: يرحمك الله - قالَ: فضَربَ القومُ بأيديهم على أفخاذِهِم - أي يُصمِّتونني، يُشيرون إليه أن اسكُت - فلمَّا رأيتُهُم يُسَكِّتونَني لكنِّي سَكَتُّ فلمَّا انصَرفَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ من صلاتِهِ دعاني، فبِأبي هو وأمِّي - أي أفديه بأبي وأُمي - ما رأيتُ معلِّمًا قبلَهُ ولا بعدَهُ، أحسَنَ تعليمًا منهُ، واللَّهِ ما ضَربَني ولا كَهَرَني - أي ما نهرني - ولا سبَّني، ولَكِن قالَ: إنَّ صلاتَنا هذِهِ لا يصلحُ فيها شيءٌ من كلامِ النَّاسِ إنَّما هيَ التَّكبيرُ والتَّسبيحُ، وتلاوةُ القرآنِ }
(أخرجه مسلم وأبو داود)
| هذا هو الرِفق. |
{ ما كان الرِّفقُ في شَيءٍ إلَّا زانَه، ولا نُزِعَ مِن شَيءٍ إلَّا شانَه }
(أخرجه أحمد)
| أيُّها الإخوة: ورجُلٌ دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبالَ في المسجد، وقف في داخل المسجد وتبوَّل داخل المسجد، طبعاً لم يكن في المسجد كما هو الحال اليوم، سجادٌ وغير ذلك، كان مفروشاً بالحصى، فهو دخل إلى المسجد وبالَ في زاويةٍ من زوايا المسجد، فهبَّ إليه الصحابة ماذا يفعل؟! هذا يبول في مسجدٍ في أطهر مكانٍ في الأرض! فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: |
{ بينَما نَحنُ في المَسجِدِ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ جاءَ أعرابيٌّ فقامَ يَبولُ في المَسجِدِ، فقال أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَه مَه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تُزرِموه دَعوه، فتَرَكوه حتَّى بالَ، ثُمَّ إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَعاه، فقال له: إنَّ هذه المَساجِدَ لا تَصلُحُ لشيءٍ مِن هذا البَولِ ولا القَذَرِ، إنَّما هي لذِكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والصَّلاةِ وقِراءةِ القُرآنِ، أو كما قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فأمَرَ رَجُلًا مِنَ القَومِ فجاءَ بدَلوٍ مِن ماءٍ فشَنَّه عليه }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| أي إن هببتُم إليه سيتوقف عن البول، وهذا يعرفه الأطباء، فينحبِس البول في داخله بسبب رُعبه من الوضع، وهذا يؤذيه في صحته، لا تمنعوه دعوه، فلمّا انقضى وهو يبول في المسجد، يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ هذه المَساجِدَ لا تَصلُحُ لشيءٍ مِن هذا البَولِ ولا القَذَرِ، إنَّما هي لذِكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والصَّلاةِ وقِراءةِ القُرآنِ) فيقول الرجُل: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ثم يقول: |
{ دخلَ أعرابِيٌّ المسجِدَ، والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جالِسٌ، فصلَّى، فلما فرغَ قال: اللهمَّ ارحمني ومحمدًا ولَا ترحمْ معنا أحدًا، فالتفَتَ إليهِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: لقدْ تَحَجَّرْتَ واسعًا، فلم يلبثْ أنْ بالَ فِي المسجدِ، فأسرعَ إليه الناسُ، فقال النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أهْريقوا عليْهِ سَجْلًا مِنْ ماءٍ، أوْ دلْوًا مِنْ ماءٍ، ثُمَّ قال: إِنَّما بُعِثْتُم مُيَسِّرينَ ولَمْ تُبْعَثوا مُعَسِّريْنَ }
(أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي)
| هذا الأعرابي من شِدّة ما رأى من رِفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهمَّ ارحمني ومحمدًا ولَا ترحمْ معنا أحدًا) لأنهم أرادوا أن يُعاقبوه، والنبي صلى الله عليه وسلم أرادَ أن يتلطَّف معه، فيضحك النبي ويبتسم صلى الله عليه وسلم ويقول: (لقدْ تَحَجَّرْتَ واسعًا) لا تُحجِّر رحمة الله. |
| بهذا اللطف وبذاك اللين، كان النبي صلى الله عليه وسلم يكسب الاصدقاء، وكثيرون من الناس اليوم ماهرون بصناعة الأعداء، الابتسامة الطيِّبة، الخُلُق القويم، المُعاملة الراقية تُحوِّل العدو إلى صديق، والتجهُّم في الوجه، وسوء المُعاملة، والنَهرُ، والضربُ، والشتمُ، هذه كلها تُحوِّل الأصدقاء إلى أعداء. |
| أيُّها الإخوة الكرام: هذا ثُمامة تعلَّم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير، رأى الرِفق، ورأى اللين، ورأى الحُب، فدخل في دين الله تعالى. |
ثالثاً: الدين حركةٌ وفعلٌ وليس مُجرَّد انتماءٍ شكلي
| الأمر الثالث أيُّها الأحباب في هذه القصة: قصة ثُمامة، أنَّ الله لمّا شرح صدره للإسلام، أرادَ فوراً أن يقوم بعملٍ لخدمة دين الله، هو سيِّد قومه، ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منه، فاختار أن يدخُل مكَّة مُلبّياً ليُعلي كلمة الله، ثم أرادَ أن يُحاصر قريش حصاراً اقتصادياً، ليُرغمهم على ترك إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوراً بمُجرَّد أن أسلَم، قال له: مُرني يا رسول الله، لأنَّ الإسلام حركة، الإسلام ليس مُجرَّد انتماء، أن ننتمي إلى الدين انتماءً شكلياً، نحن مسلمون لله الحمد، نحن أُمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ولله الحمد، لكن ماذا فعلنا لخدمة الإسلام ولخدمة أُمة الإسلام؟ هذا هو المطلوب، أن أقوم بعملٍ، لذلك ثُمامة فوراً، منذ أن قال: أشهد أنَّ لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمداً رسول الله، لم يبقَ في المدينة، وهو قد أحبَّ رسول الله حُبَّاً جمَّاً، لكنه أرادَ أن يقوم بعملٍ، قال: مُرني، قال: اذهب فاعتمِر، وأرِهم الإسلام الحقيقي، ادعُ قومك إلى الإسلام. |
| لذلك أيُّها الاحباب، الدين حركة، والدين فعلٌ وترك، وليس مُجرَّد انتماءٌ شكلي. |
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
الخطبة الثانية:
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الإسراء والمِعراج تعويضاً عن جفوة الأرض بحفاوة السماء للنبي الكريم:
| أيُّها الإخوة الأحباب: أكثر المؤرِّخين وكُتَّاب السيرة، على أنَّ ليلة السابع والعشرين من رجب، هي ليلة الإسراء والمِعراج، وهذه ذكرى من سِيَر الإسلام العطِرة، وليس فيها شيءٌ مخصوصٌ من عبادةٍ أو تقرُّبٍ إلى الله، ليس هناك في السُنَّة شيءٌ مخصوصٌ لهذه الليلة، ولكنها مُجرَّد ذكرى يستذكر فيها الإنسان هذه الرحلة المُباركة، التي كانت تعويضاً عن جفوة الأرض بحفاوة السماء، فالنبي صلى الله عليه وسلم في عامٍ سُمّيَ في السيرة بعام الحزن، ذهب إلى الطائف ليدعو أهلها إلى الإسلام، فقابله أهلها بالنُكران والجحود، حتى إنهم قد أغروا صبيانهم به، فضربوه حتى سالَ الدم من قدميه، ولجأ إلى حائطٍ من بساتينٍ قريبةٍ من الطائف، وناجا ربَّه هناك كما هو معروف: |
{ أنَّها قالتْ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: هل أتَى عليكَ يومٌ كانَ أشدَّ مِن يومِ أحدٍ؟ فقالَ: لقد لقيتُ مِن قومِكِ، وَكانَ أشدَّ ما لقيتُ منهُم يومَ العقبةِ إذ عرضتُ نفسي على ابنِ عبدِ ياليلَ بنِ عبدِ كلالٍ، فلَم يجبْني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأَنا مَهْمومٌ علَى وجهي، فلَم أستفِقْ إلَّا وأَنا بقرنِ الثَّعالبِ، فرفعتُ رأسي، فإذا بسحابةٍ قد أظلَّتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ عليهِ السَّلامُ، فَناداني فقالَ: يا محمَّدُ، إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ، قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ، وما ردُّوا عليكَ، وقد بعثَ اللَّهُ ملَكَ الجبالِ لتأمرَهُ بما شئتَ فيهِم قالَ: فَناداني ملَكُ الجبالِ: فسلَّمَ عليَّ، ثمَّ قالَ: يا محمَّدُ: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ، وأَنا ملَكُ الجبالِ، وقد بعثَني ربُّكَ إليكَ لتأمرَني أمرَكَ، وبما شئتَ، إن شئتَ أن أُطْبِقَ عليهِمُ الأخشبَينِ فعلتُ - الأخشبان جبلان في الطائف، وتنتهي الطائف كلها إلى يوم القيامة - فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: بل أرجو أن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ، لا يشرِكُ بِهِ شيئًا }
(أخرجه البخاري ومسلم)
{ شهِدتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ حينَ كُسرت رباعيتُه، وجُرحَ وجهُه، وَهُشِّمتِ البَيضةُ علَى رأسَه، وإنِّي لأعرفُ مَن يغسلُ الدَّمَ عن وجهِه، ومَن ينقلُ علَيهِ الماءَ، وماذا جعلَ علَى جُرحِه حتَّى رقأَ الدَّمُ، كانت فاطمةُ بنتُ محمَّدٍ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ تغسلُ الدَّمَ عن وجهِه، وعليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ ينقلُ الماءَ إليها في مَجنَّةٍ، فلمَّا غسلتِ الدَّمَ عن وجهِ أبيها أحرقَت حصيرًا، حتَّى إذا صارت رمادًا أخذت منَ ذلِك الرَّمادِ فوضعتهُ علَى وجهِه حتَّى رقأَ الدَّمُ، ثمَّ قال: يومئذٍ اشتدَّ غضبُ اللهِ علَى قومٍ كَلَمُوا وجهَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم، ثمَّ مَكثَ ساعةً، ثمَّ قال: اللَّهمَّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمونَ }
(أخرجه الطبراني ومسلم والترمذي وابن ماجه)
| كان هذا موقفه صلى الله عليه وسلم في الطائف. |
| ثم توفيت زوجته خديجة رضي الله عنها، والتي كانت سنداً له في الداخل، في بيته الداخلي، تواسيه وتُخفِّف عنه وتقوم معه بأعباء الدعوة. |
| ثم توفي عمُّه أبو طالب الذي كان السند الخارجي، يحميه من أذى قُريش، كل هذه الأمور مُجتمعةً، كانت في وقتٍ واحدٍ مُتتاليةً في سنةٍ واحدة، فجاء الإسراء والمِعراج، لينقُل النبي صلى الله عليه وسلم من جفوة الأرض إلى حفاوة السماء: |
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1)(سورة الإسراء)
| ختام الآية، قد يتوهَّم إنسانٌ "إنه على كل شيءٍ قدير"، لأنَّ رحلة الإسراء مُعجزةٌ، لكن جاء ختام الآية: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ما العلاقة؟ قال العلماء: سَمِعَ دعاءك في الطائف، ورأى حالك وهوانك على الناس، فأرادَ أن يُكافئك بالقُرب منه. |
الصلاة مِعراج كل مؤمنٍ إلى ربِّ الأرض والسماوات:
| ونحن أيُّها الأحباب: في حياتنا الدنيا قد نمرُّ بمصائبٍ ومِحَنٍ وابتلاءات، ولكن حُسن صِلتنا بالله تعالى، والصلاة مِعراج المؤمن، ليس هناك مُعجزة مِعراجٍ إلى الله، كما حصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس بعد الأنبياء مُعجزة، لكن هناك الصلاة التي فُرِضَت في المِعراج، لتكون مِعراج كل مؤمنٍ إلى ربِّ الأرض والسماوات، مِعراجاً روحيَّاً يصل به إلى الله، ويتقرَّب إلى الله بصلاته، والصلاة صِلةٌ بين العبد وربِّه. |
| لذلك أيُّها الإخوة: مَن جفاه أهل الأرض، فليتوجه إلى الله جلَّ جلاله، فليتوجه إلى الله في صلاته، هذا درسٌ من دروس الإسراء والمِعراج. |
الدعاء:
| اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، فلكَ الحمد على ما قضيت، ولك الشُكر على ما أنعمت وأوليت، نستغفرك ونتوب إليك، نؤمن بك ونتوكل عليك. |
| اللهم هَبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك. |
| اللهم يا واصل المُنقطعين صِلنا برحمتك إليك. |
| اللهم إنّا نسألك رضاك، نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بِر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنَّة والنجاة من النار يا عزيز ويا غفَّار. |
| اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحقِّ والدين، وانصُر الإسلام وأعز المُسلمين. |
| اللهم مَن أرادَ بالإسلام وديارهم وأهلهم خيراً فوفِّقه لكل خير، ومَن أراد بهم غير ذلك فاشغله بنفسه واجعل الدائرة تدور عليه. |
| اللهم انصُرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك فنستحق أن تنصُرنا على أعدائنا، بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين. |
| اللهم فرِّج عن المُسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ما أهمَّهُم وما أغمَّهُم، وعجِّل بنصرِهم يا أكرم الأكرمين. |
| واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً مُطمئناً وسائر بلاد المسلمين، وفِّق اللهم مَلِك البلاد لما فيه خير البلاد والعباد، والحمد لله ربِّ العالمين. |

