شرح الآيات 3-5

  • 2026-01-30
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

شرح الآيات 3-5

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علماً وعملاً مُتقبَّلاً يا ربَّ العالمين.
اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.

الآيات الخمس الأولى في سورة البقرة تُنبئُك عن ما في السورة بشكلٍ عام:
وبعد أيُّها الإخوة الكرام: فما زِلنا في بعض الدروس لا أقول تفسيراً، وإنَّما بعض الدروس والعِبر التي نستنبطها من سورة البقرة بشكلٍ إجمالي، وفاتحة السورة في الآيات الخمس الأولى، تُنبئُك عن ما في السورة بشكلٍ عام، وأهمها هي الآية التي وصلنا إليها في لقاءنا السابق، وهي قوله تعالى عندما وصف المُتَّقين فقال:

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)
(سورة البقرة)

محور سورة البقرة بشكلٍ عام، وهي تُربّي الصَحب الكرام، لأنَّ البقرة من أوائل ما نَزَل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة، محورها العام هي تربية الصَحب الكرام، وتربية الأُمة المُسلمة على قضية الإيمان بالغيب، لذلك حتى اسمُها سورة البقرة، مرتبط بقصة البقرة المرتبطة بشكلٍ أساسي بمفهوم الإيمان بالغيب، لأنَّ بني إسرائيل ماذا كانت مشكلتهم الأساسية مع موسى؟ هي الإيمان بالغيب، هُم يؤمنون بالشهادة فقط، يؤمنون بما يشاهدونه، لذلك:

يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا(153)
(سورة النساء)

وقوم عيسى عليه السلام، وهُم قوم بنو إسرائيل أيضاً، ماذا قالوا لعيسى عليه السلام:

إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(112)
(سورة المائدة)

نريد أن نرى شيئاً بأعيننا نلمسه، نُشاهده، حتى نؤمِن لك، والحقيقة أنَّ ربَّنا جلَّ جلاله يعلم ما في الأنفُس، فكشف أنه لو أُنزِلت الآيات فلن يؤمنوا، لأنَّ الإيمان قرارٌ داخلي، فالذي يريد أن يؤمِن سيؤمِن بالغيب، والذي لا يريد أن يؤمِن لو رأى كل الآيات أمامه لن يؤمِن، فبنو إسرائيل مشكلتهم الأساسية هي الإيمان بالغيب.
من بعض مشكلات عدم الإيمان بالغيب، ما جرى في قصة البقرة، بقرة بني إسرائيل، وقد حدثتكم عنها في اللقاء السابق، عندما بدأوا يناقشون لأنهم لا يريدون أن يُنفِّذوا، لكن لو كان هناك إيمانٌ بالغيب، عندما قيل لهم: اذبحوا بقرة، لقالوا: نذبح بقرة، لأنَّ المُخبِر هو الله، فما علاقة ذبح البقرة بمعرفة القاتل الذي قتل شخصاً من بني إسرائيل؟ ما علاقة الأمرين؟ لا ندري لكن حسبُنا أننا نؤمِن بالغيب، هناك علاقةٌ لا نعلمها، فلنُبادر إلى التنفيذ، لكنهم لم يبادروا لعدم إيمانهم بالغيب.

أول وصف من صفات المؤمنين (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ):
فسورة البقرة بالمُفتَتح، بأول وصفٍ من صفات المُتَّقين قال: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) يريد الله أن يُربّي أمة الإسلام على أنَّ الأجر مؤخَّر، وعلى أنَّ العقوبة مؤخَّرة، وأنَّ الأجر إن وقع في الدنيا فهو دفعةٌ على الحساب، وأنَّ العقوبة إن وقعت في الدنيا فهي دفعةٌ على الحساب.

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)
(سورة آل عمران)

الأُمة تربَّت على الغيب، فسمعنا أبا بكر الصدّيق يقول:

{ لما أُسرِيَ بالنبيِّ إلى المسجدِ الأقْصى، أصبح يتحدَّثُ الناسُ بذلك، فارتدَّ ناسٌ ممن كانوا آمنوا به، وصدَّقوه، وسَعَوْا بذلك إلى أبي بكرٍ، فقالوا: هل لك إلى صاحبِك يزعم أنه أُسرِيَ به الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لأن كان قال ذلك لقد صدَقَ، قالوا: أو تُصَدِّقُه أنه ذهب الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ وجاء قبل أن يُصبِحَ؟ قال: نعم إني لَأُصَدِّقُه فيما هو أبعدُ من ذلك، أُصَدِّقُه بخبرِ السماءِ في غُدُوِّه أو رَوْحِه، فلذلك سُمِّي أبو بكٍر الصِّديقَ }

(أخرجه الحاكم والبيهقي في دلائل النبوة واللفظ لهما وأبو نعيم في معرفة الصحابة)

ورأينا الصَحب الكرام يقولوا:

{ كنا عند رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فذكرنا الجنةَ والنارَ حتى كأنَّا رأيَ العينِ فقمتُ إلى أهلي وولدي فضحكتُ ولعبتُ قال فذكرتُ الذي كنا فيه فخرجتُ فلقيتُ أبا بكرٍ فقلتُ نافقتُ نافقتُ فقال أبو بكرٍ إنَّا لنفعلُه فذهب حنظلةُ فذكرَه للنبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فقال يا حنظلةُ لو كنتم كما تكونون عندي لصافحَتْكُم الملائكةُ على فُرُشِكم أو على طُرُقِكم يا حنظلةُ ساعةٌ وساعةٌ }

(أخرجه ابن ماجه بلفظه ومسلم والترمذي وأحمد)


مشكلة المشركين الأولى في مكَّة أنَّ إلههُم محسوس:
يعني صرنا نرى الجنَّة والنار رأيَّ عين كأنها أمامنا، لا نشكّ فيها أبداً، غيب، ماذا كانت مشكلة المشركين في مكَّة؟ عندهم مشكلة أولاً إلههُم محسوس، يعني هو عندما يريد أن يذهب إلى إلههُ يذهب ويراه فهو صنمٌ أمامه، يصنعه من التمر فصار إلهً، وحتى اليوم يوجد أشخاص يتعلقون بالإله المحسوس.
أنا كنت في ماليزيا منذ سنوات، فنزلت إلى موقف السيارات أُريد أن أخرُج، فلفت نظري أنَّ شخصاً يرتدي طقماً وربطة عنق، وأنيق، اتجه إلى كوةٍ صغيرة ووضع تفاحةً، فقلت لأخي: ماذا يصنع؟ فقال لي: أخفِض صوتك، كي لا يظنّك تستهزئ به، يُقدِّم طعاماً لإلهه، لأنه هناك حاجة للتديُّن، فيريد جهةً يشعُر أنها تحميه، لكنه ضلَّ الطريق فظنَّها هُنا للأسف.
المؤمِن عَرَف الطريق، أنَّ الجهة التي تَحميه، تَضرُه، تنفعُه، هي الله، فحتى اليوم هناك مَن يتعلَّق بالشيء المحسوس، لذلك تجد أنواع من العبادات غريبة، يعبدون الشمس! يعبدون البقر! حتى اليوم، فالمشركون كانت عندهم المشكلة الأولى في أنَّ إلههُم محسوس، فجاء القرآن الكريم ليُحدِّثهم عن الإله العظيم الخالق الذي:

لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(103)
(سورة الأنعام)

فعاندوا الفكرة، تخيَّل صعوبة مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تخيَّل اليوم أن تذهب بمفردك إلى عُبَّاد البقر في الهند، وتدخل ضمن هؤلاء القوم، وتُريد أن تُقنعهم بأنَّ الإله غير هذا الذي تعبدونه، القضية معقدة، فصاروا يُجابهونه، لأنهم يريدون أن يحموا آلهتهم المزعومة، لأنها تُدِرّ عليهم أرباحاً، مَن الذي جابههم أكثر؟ الطُغاة الكبار، الذين يعلمون فساد مُعتقدهم، قال تعالى:

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(33)
(سورة الأنعام)

الأمر واضح، جحودٌ فقط، أمّا القضية بالعموم واضحة، فجعلوا يُكذِّبونه لأنه بدأ يقول لهم: الإله غير محسوس، الإله (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) وهناك جنَّةٌ ونار، الغيب، وهُم لا يريدون عقوبةً ولا يريدون مكافأةً، هُم يقولون:

وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ(24)
(سورة الجاثية)

نحن مُنتهين نموت وننتهي، وإذا أردت أنَّ هناك نار:

وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80)
(سورة البقرة)

أي إذا كان هناك نار فهي أيامٌ وستمضي، لا يريدون عقوبةً ولا حساباً، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليقول لهم: لا، أعمالك ستُحاسَب عليها، وهناك حياةٌ بعد البعث، أيضاً غيب؟! أجل غيب، حياةٌ بعد البعث، تحتاج لإيمانٍ بالخبر فقط، طبعاً ستقول لي: هناك مؤشرات؟ نعم ربُّنا عزَّ وجل سهَّل المهمة، قال له:

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(39)
(سورة فصلت)

انظر كيف ربُّنا عزَّ وجل يُحيي الأرض بعد موتها فيُحيي الموتى، جعل لهم دلائل تُشير إلى ذلك، لكن القضية بعمومها غيب.
فالأمر الأول أنَّ إلههُم محسوس، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليقول لهم: إلهكم غيب (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) لكن سنراه يوم القيامة.

{ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقالَ: إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَومَ القِيَامَةِ كما تَرَوْنَ هذا، لا تُضَامُونَ في رُؤْيَتِهِ }

(أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي)

سننظُر إلى وجهه الكريم إن شاء الله.
الأمر الثاني أنه قال لهم: أنَّ هناك بعثاً بعد موت وهو غيب، والأمر الثالث أنهم لا يعترفون بمنهج، أي ما عندهم افعل ولا تفعل، هناك افعل فقط، لا يوجد منظومة حلال وحرام، فالحياة سهلة افعل ما يحلو لك، ظلمٌ للناس نعم، عندهم عبيد يظلمونهم، الحياة للأقوى، البقاء للأقوى، على قول الداروينيين البقاء للأقوى، فما عندهم منهج، فجاء الإسلام ليُحدِّثهم عن منهجٍ موجود بالقرآن الكريم، الذي هو وحيٌ من الله والذي هو غيب عنهم.

قضية الإيمان بالغيب هي الدين كله:
فقضية الإيمان بالغيب لا أُبالغ إذا قلت هي الدين كله، أنت مُجرَّد أن يُصبِح عندك إيمانٌ بالغيب، ترى ما لا يراه الآخرون، وتشعُر بما لا يشعُر به الآخرون، فأنت تذهب للبنك تجد شخصاً يقول لك: إنهم يُعطون عشرةً بالمئة فوائد، تقول له: هذا رِبا، هو ما مشكلته؟ محسوس، هو يضع ألف ويأخذ ألف ومئة فوراً، يقول لك: لحقّ حالك، فتقول له: لا يجوز هذا حرام، فيقول: ما الذي حصل له؟ ما حصل أنه مؤمنٌ بالغيب.

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)
(سورة البقرة)

(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا) خبر (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) هو يُنفِق، أنت تقبض وهو يُنفِق.
هو عندما أذَّن الفجر بقي في فراشه حتى حان وقت عمله، وذهب إلى عمله ولم يحصل له شيء، أنت استيقظت، ونهضت، وتوضأت، ولا يوجد ماءٌ ساخن فتوضأت بالماء البارد ووقفت بين يدي الله تعالى، ما مشكلته؟ عدم إيمان بالغيب، لماذا وقفت؟ إيمانٌ بالغيب.
عرضت امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال، فقال لها: إني أخاف الله.

{ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: الإمَامُ العَادِلُ، وشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّهِ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ اجْتَمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه، ورَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ، فَقَالَ: إنِّي أخَافُ اللَّهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ، أخْفَى حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. }

(صحيح البخاري)

صديقك قال لك: مكسب لماذا تركتها؟ لأنه لا يوجد إيمانٌ بالغيب، تقول له: هناك عقوبة، الآن في هذه اللحظة سيحدُث شيءٌ جميل لكن ما سيحصل بعده دمار، فأنا انظُر للمستقبل وليس للحاضر، أمّا هو فينظُر للحاضر.

إقامة الصلاة لا تعني أداءها ولكن تعني أن تأتي بها على الوجه الذي أراده الله منها:
قضية الإيمان بالغيب هي الدين، لذلك افتتح الله تعالى سورة البقرة، افتتح صفات المُتَّقين قال: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قبل (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) بعد ذلك قال: (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) إقامة الصلاة لا تعني أداءها، ولكن تعني أن تأتي بها على الوجه الذي أراده الله منها، فتُحقِّق مقصدها وهو أن تنهى عن الفحشاء والمُنكر، والدليل: العرب يقولون: "أقام القوم سوقهم" هذه موجودة عند العرب، ما معنى أقام القوم سوقهم؟ أي لم يُعطِّلوها من البيع والشراء، فإذا أقمنا الخيمة والسوق، ووضعنا الطاولات ووضعنا البضائع لكن لا يوجد بيعٌ وشراء، هل يُقال أقام القوم سوقهم؟ لا، لأنه لم يتحقَّق المقصد من السوق، فلا يُقال لمن صلّى أنه أقام الصلاة، إلا إذا حَقَّقت الصلاة مقصدها وهو:

اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(45)
(سورة العنكبوت)

عن الفحشاء في القول، وعن المُنكر في الفعل، هذا مقصِد الصلاة، المقصِد الشرعي.
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) في القرآن:

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)
(سورة البقرة)

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55)
(سورة المائدة)


لماذا يتكرر هذان الرُكنان (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)؟
هُنا المعنى نفسه لكن أعمّ من الزكاة (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) لماذا يتكرر هذان الرُكنان مع أنه في الإسلام هناك حجٌّ وهناك صوم؟ لماذا يتكرر هذان الرُكنان؟ لا يقول تعالى مثلاً: الذين يُقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجّون البيت ويشهدون أنَّ لا إله إلا الله، وإنما يأتي بهاتين العبادتين العظيمتين؟ قال: لأنهما أصل كل العبادات الأُخرى، كيف؟ (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) هي العلاقة مع الخالق، فالحج هو إقامة صلاة، بالمُحصِّلة الحج ما هو؟ لماذا نذهب إلى الحج؟ لنُقيم صِلةً مع ربِّنا، الصيام: لنُقيم صِلةً مع ربِّنا، وقد ينتقل ذلك إلى إحسانٍ إلى الناس عندما نشعُر بالفقراء، غضّ البصر: لنُقيم صِلةً مع ربِّنا، قيام الليل: لنقيم صِلةً مع ربِّنا، فكل عبادةٍ هي أصلها علاقة مع الله تلخَّصت (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ).
الثانية: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) أو (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) هي كل علاقةٍ مع المخلوق، فالنهي عن الغشّ، والاحتكار، والظلم، والعدوان، كله يندرِج تحت (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) أي يُحسنون صِلتهم بالناس، فلذلك يأتي: (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ).
(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) من للتبعيض، يعني لا يُطلَب أن تُنفِق كل ما رزقك الله، وإنما تُنفِق بعضاً مما رزقك الله.
(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) أوسع من المال لأنَّ الرزق ليس مالاً فقط، الصحة رزق فهل نُنفِق مما رزقنا الله؟ الجاه رزقٌ من الله، أنت لك جاهٌ تستطيع أن تتدَّخل لحلِّ مشكلة، هذا رزقٌ وأنفقت منه، القوة رزق، العِلم رزق، يرزقك الله عِلماً فتجود به على عباد الله وتعمل به (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ).

الفرق الجوهري بين المسلمين وغيرهم أنهم يؤمنون بجميع الكتب السماوية الأخرى:
فبهذا المعنى (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) يتحقَّق علاقتان: علاقةٌ شاقولية للسماء، إذا قال إنسانٌ أنا أؤمن بالقرآن فقط، نقول له: إيمانك فيه ركنٌ ناقص، لأنَّ الإيمان بالكتُب وليس بالكتاب، انظر إلى عالمية الإسلام! الإسلام لم يُضيِّق واسعاً، لكن الإسلام قال: هذا الكتاب مُهيمنٌ على الذي قبله، لكننا لا نُنكِر الإيمان بالكتُب السماوية الأُخرى، وهذا الفرق الجوهري بين المسلمين وغيرهم، نحن لا نُنكِر لا نبوِّة عيسى ولا نبوِّة موسى، ولا كتاب موسى ولا كتاب عيسى، ولكن نؤمِن بالقرآن الكريم، ونؤمِن بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين.

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)
(سورة البقرة)


الآخرة غيب:
الآن عُدنا إلى الإيمان بالغيب، الآخرة غيب، لا نعلم وقتها فهو غيب.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(187)
(سورة الأعراف)

لا نعلم عنها إلا ما أخبرنا الله تعالى به، غيب، الصراط، والقنطرة، والحساب، والكتاب باليمين، والكتاب بالشمال، والشفاعة، كله غيب يُخبرنا الله تعالى به، فنحن نؤمِن به، قال: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) وذكر هُنا في الآخرة اليقين، وهو اليقين الإخباري.

اليقين ثلاثة أنواع:
اليقين الأول هو اليقين الحسّي: هذه كأسٌ لا يشكُّ واحدٌ في وجودها، هذا اليقين الحسّي لشيءٍ ظهرت عينه وظهرت آثاره، عينه نراها، وآثاره أنا أمسكت به فتحرك، هذا يقينٌ حسّي.
اليقين الثاني يقين استدلالي: الآن هذه القاعة كلنا نشهَد أنَّ فيها كهرباء، لأننا نسمع الصوت مُكبَّراً، ونرى الأضواء مُضاءةً، إذاً هناك كهرباء، هذا يقينٌ استدلالي.
واليقين الثالث هو اليقين الخبري: الآخرة يقينٌ خبري، أخبرنا الله تعالى فتيقَّنا به، ذكرت لكم سابقاً أنَّ أحد السلف الصالح كان يقول: "والله لقد رأيت الجنَّة والنار عياناً، فقالوا: يا فُلان انظُر ماذا تقول؟! فو الله ما أحدٌ رأى الجنَّة والنار عياناً، قال: لقد رأيتهما عياناً، قالوا: وكيف ذاك؟! قال: رأيتهما بعَينَي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورؤيتي لهما بعَينَي رسول الله أصدق عندي من ورؤيتي لهما بعَينَي، لأنَّ بصري قد يزيغ ويطغى، أمّا بصره:

مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ(17)
(سورة النجم)


بصرُنا يزيغ ويطغى أمّا بصر رسول الله (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ):
كيف يزيغ البصر أحياناً؟ ترى شيئاً وتتوهمه فيظهَر شيءٌ آخر، صارت معنا وخاصةً في العمر المُتقدِّم، أنا أحياناً على القريب أرى شيئاً فيكون غيره، ممكن أن يزيغ البصر، ويطغى أن يتجاوز حدوده، الطُغيان.

إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ(11)
(سورة الحاقة)

الطُغيان أي تجاوز الحدّ، فالبصر يزيغ ويطغى، أمّا بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ) يعني رأى.

لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ(18)
(سورة النجم)

فلمّا رأى الجنَّة والنار صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، فكأنني أنا الذي رأيتها، لأنه أخبرني وهو الصادق، إذاً ما عندي شكّ (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ).

اليقين ينقلب سلوكاً في حياتنا:
الآن هذا اليقين ينقلب سلوكاً في حياتك وفي حياتي، فأنا أوقِن بالآخرة إذاً سوف أُعِدّ لها العُدَّة، أوقِن بالآخرة فإذاً سوف أتحاشى أن آكُل قرشاً من حرام، أو أنظُر نظراً من حرام، أو أتمادى في شهوةٍ من الشهوات، في غير منهج الله لأنني أؤمِن بالآخرة (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ).
الآن هؤلاء قال:

أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(5)
(سورة البقرة)


الفرق بين (أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ) و (أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى):
أحبابنا الكرام: "على" تُفيد الاستعلاء، أقول هذه الكأس على الطاولة، هذا الهاتف في الدُرج، "في" ظرفية تُفيد الظرف، وكأنه ظرف ووضعت بداخله شيء، بينما "على" تُفيد الاستعلاء، تقول هذا على الطاولة، وهذا في دُرج الطاولة، ربُّنا لمّا يصِف الكافرين يقول:

أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ(22)
(سورة الزمر)

ما قال على ضلالٍ، لأنَّ الضلال لا يرفَع ولا يُرفَع، لا يَرفَع الإنسان ولا يُرفَع، تقول: في غياهب الضلال، مُنغمسون في ظروف الضلال، داخل الضلال، بينما عندما يتحدَّث عن المؤمنين يقول: (أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى) لأنَّ الهُدى رفعهم، ولأنهم استعلوا بالهدى (أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى) ولأنهم مُتمكِّنون من هُدى الله تعالى، وهذا يُشبه قوله تعالى لمّا امتدح نبيَّه صلى الله عليه وسلم قال:

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)
(سورة القلم)

ما قال وإنك ذو خُلُقٍ عظيم، رُبما يكون أحدنا ذا خُلُقٍ عظيم وأسأل الله أن يكون كذلك، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم على خُلُق، فهو استعلى صلى الله عليه وسلم، وأصبح مُتمكِّناً من الأخلاق، بحيث كأنه أصبح فوقها صلى الله عليه وسلم.

معنى ذو خُلُق:
ما معنى ذو خُلُق؟ أستاذنا الدكتور راتب حفظه الله له مَثَلٌ جميلٌ جداً، وهو بارعٌ في ضرب الأمثلة، فيقول: إنسانٌ عنده ضيافة في البيت وجاءه ضيوف، وتردَّد أن يُقدِّم الضيافة لهم أو أن يتركها لأولاده، ثم بعد ذلك غَلبَه كَرمه وغَلبَته مروءته، فقام وأحضر الضيافة لكنه تردَّد خمس دقائق، هذا قد يُقال عنه ذو خُلُق، لكن مَن هو على خُلُق لا يتردَّد، ينهض ويُحضِر الضيافة فوراً من غير تردُّد، لأنه استعلى بالخُلُق، لا يتردَّد نهائياً.
(أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ) رفعهم الهُدى ورُفِعوا به وتمكَّنوا منه، فهو لا يتكلَّف الصدق على خُلُق وإنما يأتيه سجيةً (أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ) الهُدى رفعهم وهُم ارتفعوا بالهُدى، وهُم مُتمكِّنون من هداية الله تعالى.
الهُدى يا كرام هو الدِلالة، أو الدَلالة لغتان صحيحتان، الدِلالة والدَلالة، والهُدى أن تهدي الإنسان، بمعنى أن تَدلَّه، يعني اذهب من هُنا دللته على الطريق، والهداية التي تأتي من الله تعالى أربعة أنواع، هذا أمرٌ مهمٌ جداً يجب أن ننتبه له.

الهداية أربعة أنواع:
الهداية الأولى هي هدايةٌ لجميع الكائنات:
الهداية الأولى: هي هدايةٌ لجميع الكائنات، فربُّنا هَدَى النملة وهَدَى الحوت، وهداك، وهداني، وهَدَى الجن والإنس، بمعنى أنه يسَّر لنا أسباب الحياة.

قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ(49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ(50)
(سورة طه)

فخَلَق النملة وهداها لتحفر بيتها في الرمال، خَلَق البذرة وهدى الجذور أن تنزل إلى الأسفل والساق أن يخرج إلى الأعلى، خَلَق العين وهدى الأهداب أن تنزل والجفون أن تخرُج من العين، هداية، هدى الكلية التي يدخُل إليها الدم كل يوم خمس مرات ويُنقَّى ويخرُج، هدى الكبد، هدى العينين، كله يقوم بوظيفته، فكله هداه الله تعالى، هناك أنواعٌ من الطيور تُهاجِر آلاف الكيلو مترات في الشتاء، ثم تعود في الصيف إلى المكان الذي انطلقت منه.

أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19)
(سورة الملك)

أسماك السلمون تُهاجِر وتعود ولا تموت إلا في المكان الذي ولدت فيه، هجرة الطيور إلى الآن شيءٌ مُحيِّرٌ عند العلماء، وضعوا كاميرات على رأسها، هل في داخلها بوصلة؟ حاولوا أن يعبثوا بالدماغ لتضل الطريق، لكنها ترجع إلى المكان الذي انطلقت منه، لا أحد يعلم كيف ترجع، لأنها لو انحرفت ميلي متر واحد عند انطلاقها لوصلت إلى بلدٍ آخر، لكنها تعود.
(قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ(49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) الطير خلقه على شكلٍ والإنسان خلقه على شكل، والنمل على شكل، والحوت على شكل (ثُمَّ هَدَىٰ) هداه إلى ما يُحقِّق حياته، إلى طعامه، إلى شرابه، هذه الهداية الأولى وهي هدايةٌ عامة لكل شيءٍ خلقه الله.

الهداية الثانية هي هدايةٌ عامة للمخلوقات المُكلَّفة:
الهداية الثانية: هي هدايةٌ عامة للمخلوقات المُكلَّفة، يعني إذا رأيت إنساناً يشرب الخمر، فتقول له: لماذا تشرب الخمر؟ فيقول لك: الله ما هداني، قل له: أنت كاذب، الله هداك، يقول: كيف هداني؟! قال لك: الخمر حرام، ألم تسمع:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(90)
(سورة المائدة)

معنى ذلك أنَّ الله دلَّك أنه حرام وأنت تشرب الخمر، الله هداك، شخصٌ لا يُصلّي، تقول له: لماذا لا تُصلّي؟ فيقول لك: الله يهديني، قُل له: أنت كاذب، الله هداك، قال لك: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) وبعث لك النبي صلى الله عليه وسلم علَّمك الصلاة، وقال لك النبي صلى الله عليه وسلم:

{ العهدُ الذي بينَنا وبينَهم الصلاةُ، فمَن تركَها فقد كفرَ }

(أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد)

حذَّرك، وقال لك:

{ أولُ ما يحاسبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ الصَّلاةُ، فإنْ صَلَحَتْ، صَلَحَ سائِرُ عَمَلِه، و إنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سائِرُ عَمَلِه }

(أخرجه الطبراني)

الله هداك ولكن أنت لا تريد أن تُصلّي، لا تقول الله ما هداني، الله هَدى العباد جميعاً، لمّا بعث الأنبياء هداهم أي دلَّهم، ولمّا بعث الرُسل هداهم، ولمّا بعث الكتُب هداهم، ولمّا بعث المنهج افعل ولا تفعل هداهم، لكن هُم اهتدوا أم لم يهتدوا شيءٌ آخر، قال تعالى:

وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ(17)
(سورة محمد)


الهداية الثالثة هي هداية التوفيق:
نأتي للهداية الثالثة: الهداية الثالثة هي هداية التوفيق، الذي يطلب الهُدى بالنوع الثاني ربُّنا يهديه، أي يُوفِّقه للطاعة، والذي يطلُب الضلال ربُّنا يُضلَّه.

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(5)
(سورة الصف)

فصار عندنا أول هداية لكل المخلوقات، هدانا الله تعالى، هَدى أجسامنا، هَدى عيوننا، هَدى كل الكائنات، الهداية الثانية للمُكلَّفين، بمعنى هذا يجوز وهذا لا يجوز، هذا حرام وهذا حلال، الهداية الثالثة هي هداية التوفيق للمؤمنين، الذين استجابوا واهتدوا يهديهم الله تعالى.
مثال: أنت واقف وسألت أحدهم الطريق من أين؟ قال لك: من هُنا، فقلت له: لا أُريد أن أذهب من هُنا سأذهب من هناك، فقال لك: كما تشاء، هذه الهداية الثانية، قال لك: تمام أنا أُصدقك أنا سأذهب من هُنا ممكن أن تأخذني معك، فتقول له: تفضل، فربُّنا عزَّ وجل قال لك: الطريق من هُنا ضلال ومن هُنا هداية، إذا ذهبت في طريق الهداية فربُّنا يُعينك ويوفقك، هذه هداية التوفيق، إذا قلت له: أُريد أن أذهب في طريق الضلال لا يمنعك جلَّ جلاله، لأنَّ هناك اختيار، اذهب، يُعالجك، يبعث لك بعض المصائب، يبعث لك بعض الرسائل، يمنعك من الضلال مرَّةً ومرَّتين، لكن في الآخر أنت مُختار، افعل ما شئت.

الهداية الرابعة يوم القيامة:
ما الهداية الرابعة؟ يوم القيامة.

{ عَنْ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: إذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بقَنْطَرَةٍ بيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بيْنَهُمْ في الدُّنْيَا، حتَّى إذَا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذِنَ لهمْ بدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بمَسْكَنِهِ في الجَنَّةِ أدَلُّ بمَنْزِلِهِ كانَ في الدُّنْيَا }

(صحيح البخاري)

الآن إذا خرجنا من هذا المجلس المُبارك، لا أحد يلتفِت للأخر ويقول له: إلى أين نحن ذاهبين؟ فيقول له: إلى بيتي، فيسأله: أين بيتي؟ ألا تعرف بيتك؟! إلا إذا لا سمح الله فَقَدَ الإنسان ذاكرته، لكن الإنسان يذهب إلى بيته بشكلٍ آلي، من الطرائف التي حصلت معي في الغربة، أننا غيَّرنا بيوتاً كثيرة، بيوت أُجرة من بيتٍ إلى بيت، فكنت أول أسبوع أذهب إلى البيت القديم دائماً، أقود سيارتي وعندما أصل وأُريد أن أنزل أتذكر أننا غيَّرنا البيت، لأنَّ الإنسان يُهدى إلى بيته، البيت معروف، فانظروا الآن في الآخرة قال: (لَأَحَدُهُمْ بمَسْكَنِهِ في الجَنَّةِ أدَلُّ بمَنْزِلِهِ كانَ في الدُّنْيَا) يذهب بنفسه إلى المنزلة التي جعلها الله له، إن شاء الله بالفردوس الأعلى مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين.
بالمقابل:

احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ(22) مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ(23)
(سورة الصافات)

يعني دلّوهم، أيضاً يُهدى الظالمون إلى الجحيم.

من هو المُفلِح:
(أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أصل الفلح من الفلاح الذي يشق الأرض ويضع فيها البذرة، والمُفلِح هو الشخص الذي كالفلاح الذي يُحقِّق الثمر من زرعه، فالمُفلِح هو الشخص الذي حقَّق الهدف من وجوده، لذلك في القرآن ليس هناك ناجح، ليس فيه أولئك هُم الناجحون، لأنه من الممكن أن تأخُذ بالجامعة تسعون بالمئة فأنت ناجحٌ ومُتفوِّق، وممكن بالتجارة أن تُحقِّق أرباحاً كبيرة أربعون بالمئة، نادرة جداً، فأنت تاجرٌ مُتفوِّق، وممكن بصحتك أن تلتزم ببرنامجٍ رياضي، طبعاً كله بيد الله تعالى، لكن تتخذ الأسباب، برنامجٌ رياضي، وغذاءٌ صحيٌ ومتوازن، فتقول أنا ناجحٌ بصحتي، وممكن أن يبقى يخطِب سنةً كاملة حتى يقول لك: نجحت باختيار زوجتي كما أُحب والحمد لله، هذه كلها نجاحات، لكن لا يُسمّى الإنسان فالحاً أو مُفلحاً إلا إذا نجا من النار، وحقَّق هدف الخلق وهو عبادة الله ورضاه، ثم جنَّةٌ عرضها السماوات والأرض، وإلا فهو ليس مُفلِح، اقرؤوا سورة المؤمنون، أولُ آيةٍ:

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)
(سورة المؤمنون)

هؤلاء الذين أفلحوا، و"بيل غيتس"؟ ثروته كم مليار؟؟ ما أفلح؟ لا لم يُفلِح، إذا لم يذهب إلى الجنَّة ما أفلح، نجح في الدنيا لكنه لم يُفلِح (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ).
آخر سورة المؤمنون:

وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(117)
(سورة المؤمنون)

أولُ آيةٍ: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) وآخر آية: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) لكن يا ربّ نحن نراهم يبنون أبنيةً شاهقة، ومُحتلين مواقع حسَّاسة بالدولة، والطائرات، والحرس، والخَدَم، والحشم (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) ما أفلحوا، خاسرون، خائبون، ولو رأيتهم قد نجحوا لا يُفلِحون، ينجحون في الدنيا ثم يستحقون النار فأيُّ فلاحٍ هذا؟!! قال: (أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
هذا والله تعالى أعلم وأجلّ، والحمد لله ربِّ العالمين.