بنود ميثاق مؤتمر وحدة الخطاب الإسلامي

  • 2026-02-27
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

بنود ميثاق مؤتمر وحدة الخطاب الإسلامي

شيخنا الفاضل رأينا أنك حضرت مؤتمر وحدة الخطاب الإسلامي الذي أقامته وزارة الأوقاف مشكورةً وصدر عنه ما يُسمّى بالميثاق فهل أخبرتنا عن بنود هذا الميثاق؟
الحقيقة إخوانَّا الكرام: لا شكّ أنَّ هناك مشكلةً في خطابنا الإسلامي، والاعتراف بالخطأ طريقٌ للتصحيح، وإضافةً لذلك فإنَّ أربعة عشر عاماً خَلَت من الثورة، أو الحرب، أو ما حصل من مُفرزات هذه السنوات، وما قبلها بخمسين سنة من القمع والاستبداد الفكري، أنتج ذلك لوناً خاصاً من الخطاب الديني يُحارَب كل ما سواه، ومشى الناس على ذلك، لمّا جاء الإخوة الكرام القادمون من الشمال، جاؤوا بخطابٍ يتفق مع الخطاب الذي في الشام، لا أُبالغ إن قلت في أكثر من تسعين بالمئة، أُقلِّل إن قلت تسعين بالمئة، لكن اختلفوا في بعض الخطاب، فهذا أفرز حالة من الاستقطاب داخل المجتمع السوري، بين أنا كذا وأنت كذا، وهذا أمرٌ لا يرضاه الله ولا يرضاه رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنه يُفرِّق، والدين أُنزِل ليجمعنا، قال تعالى:

شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ(13)
(سورة الشورى)

مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ(32)
(سورة الروم)

فالقرآن يذم التفرُّق ويدعو إلى الوحدة، وما يجمعنا أكثر بكثيرٍ مما يُفرِّقنا، فارتأت وزارة الأوقاف مشكورةً أن تقوم بهذا المؤتمر، طبعاً أنتم رأيتم على الإعلام اللقطة الأخيرة من المؤتمر، المؤتمر امتدَّ على ستة أشهر، وأنا أكرمني الله تعالى بحضور كل الجلسات من البداية، إلا جلسات المحافظات، فالمؤتمر بدأ باجتماعات ضمن كل محافظة لعددٍ من الدُعاة، تقريباً سبعين داعية من كل محافظة في المحافظة نفسها، ومن جميع المدارس، المدارس الحركية، وأنا لا أُحب التسميات ولكن مُضطر حتى أُعلَمكُم بما أقول، أنا لا أُحب التسميات، المدارس الحركية، التي تؤمن بالإسلام الحركي الذي فيه عملٌ مُستمر وجاد لخدمة الأمة، والسلفية بما فيها من تيارات، والصوفية بما فيها من تيارات، إلى آخره، فاجتمع الجميع على طاولةٍ واحدة.
والحقيقة أننا وقد قلت وكتبت على الفيسبوك، أننا اكتشفنا أنَّ المسافات بيننا أقصر بكثير مما نعتقد، الموضوع لا يستأهل كل ذلك، وأنَّ الناس لا ينتظرون منّا هذه الخلافات، بل ينتظرون منّا خطاباً جامعاً، يَجمَع ولا يُفرِّق، بربِّكم سيدنا بلال الحبشي، عندما كان يُضرب بالسياط في صحراء مكَّة، فيقول: أحدٌ أحد، هل تعرفون عقيدته كانت أشعرية أو سلفية؟! ماذا كانت عقيدته؟ سيدنا بلال عقيدته أفضل من عقيدة الأُمة كلها من بعده، إلا الأنبياء والرُسل، يقول: أحدٌ أحد، ما هذه العقيدة وما هذا الثبات؟!! أكيد لم يكن أشعرياً، لأنه لم يكن هناك أشعريين، ولا أهل الحديث والأثر، ولا فُضلاء الحنابلة ولا غيرها.
يا أحبابنا الكرام: المذاهب العقدية نشأت في وقت تاريخي كان فيه مشكلة، المشكلة كانت الفلسفات الخارجية اليونانية وغيرها، فانبرى لها أقوام من أجل أن يردّوا عليها، فنشأت العقيدة الإسلامية بالصيغة التي نقرأها اليوم في الكتب، اليوم ليس هناك فلسفة ولا مدارس، ولا نُريد أن نَرُدّ على أحد، نحن نريد أن ندفع الإلحاد، نريد أن ندفع النسوية التي تريد أن تُفسِد بيوتنا، نريد أن ندفع تفكك الأُسرة، هذه مشكلاتنا.
نحن نُعالِج المشكلات التي قبل ألف سنة، هُم كانت عندهم مشكلات فنهضوا، فذهب المُعتزلة للدفاع عن الدين، وذهبوا باتجاه العقل وأخطأوا، وذهب الأشعرية والماتُريدية انفصلوا عن المعتزلة وأخذوا خطَّاً بالرد على الشُبهات، وإثبات الألوهية وإلى أخره، وانبرى قومٌ آخرون فذهبوا باتجاه الحديث والنص على ظاهره دون تأويل، كان هناك مشكلة عالجوها، المشكلة غير موجودة اليوم نعالجها وهي غير موجودة، المشكلة الموجودة اليوم هي أنَّ شبابنا يتَّجهون إلى الإلحاد والعياذ بالله، المشكلة أنّ هناك مخدرات، المشكلة أنّ هناك تفكك أُسري، المشكلة أنّ هناك بُعد عن كتاب الله تعالى، المشكلة أنَّ الناس لا تقرأ التاريخ، عندنا مشكلات جديدة دعونا نُعالج المشكلات، مشكلاتهم انتهت وانتهينا منها، لنعالج مشكلاتنا، هذه مصيبة المصائب.
على كُلٍّ حتى لا أُطيل، كانت هذه الاجتماعات طيّبة جداً، يكفي فيها أننا اجتمعنا على طاولةٍ واحدة، وتصافحنا، ودعونا بعضنا كل واحد إلى مدرسة الآخر ليأتي إليها، ويُحاضِر فيها حتى لا يكون هناك انغلاقات، وهذه الاجتماعات نتج عنها كلامٌ مكتوب، يعني كل طاولة فيها من كل المدارس أنتجت ورقة قدَّمتها إلى رئاسة المؤتمر، ففي كل محافظة تبيَّن أنَّ هناك مُخرجات، هذه المُخرجات تجمَّعت تقريباً بسبعمئة بند من كل المحافظات، جاءت اللجنة المُكلَّفة بالمؤتمر وفرزت هذه المُخرجات، وحذفت المُكرر ودمجت ما يُدمَج، وخرجت ببعض المُرتكزات الأساسية التي ينبغي أن نبني عليها خطابنا المستقبلي.
الآن صارت المرحلة الثانية من المؤتمر، أننا اجتمعنا من كل المحافظات، مئة وخمسون شخصاً، وجلسنا أيضاً على ثماني طاولات، واستخرجنا منها ما سُمّيَ الميثاق، الذي تعاهدنا عليه أن نعمل بما فيه، وهذه المُخرجات تؤكِّد أننا يجب أن نكون صفاً واحداً، وأن نُعالج مشكلاتنا التي نحن بصددها، وأن نُعرِض عن طرح الموضوعات التفصيلية الخلافية على الناس لأنهم ليسوا بحاجةٍ لها، وأنَّ المذاهب الفقهية المعتمدة هي المذاهب الأربعة، وأنَّ المذاهب العَقدية هي المذاهب الثلاثة، وأننا كل واحد يدين الله تعالى بما يعتقده لكن لا نُشهِّر ولا نُنكِر، ونتَّبِع أدب الخلاف، ولا نكتب على وسائل التواصل ولا على غيرها، ما يُشيع الفُرقة بين المسلمين، وإنما نجتمع على ما يوحِّد، ثم في المرحلة الاخيرة اجتمع أكثر من ألف وخمسمئة داعية وطالب عِلم وعالِم من سوريا كلها، وكان الاجتماع برعاية رئيس الجمهورية، وأُلقي فيها الميثاق الذي توافقنا عليه.
هل هي خطوة كافية؟ لا، هل هي نهائية؟ لا، هل هي جيدة؟ جيدة جداً، وأسأل الله أن يكتب لها القَبول والتوفيق، هذا ما كان.