وحملها الإنسان

  • خطبة جمعة
  • 2026-06-05
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

وحملها الإنسان

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

مقدمة:
وبعد أيُّها الإخوة الكرام: يُحكى أنَّ رجُلاً جَمَع أولاده، وأَوكل إليهم مهمةً وحمَّلهُم أمانتها، ومنحهُم الاختيار في قبول حملها أو رفضها، هذه هي المهمة، فمَن أراد أن يؤدّيها فليقُل أنا لها، ومَن رفض فله ذلك، اعتذر أكثرهم عن حملها، لمعرفتهم بثِقَلِها ولعجزهم عن أدائها، إلا ولَديَن من المجموع، قال كلٌّ منهما: أنا لها يا أبي، أنا أحمل الأمانة.
فأمّا الأول: فسعى وجَهِد وأدّى الأمانة على أحسن وجهٍ، فاستحقَّ رضا والده، واستحقَّ إكرامه العظيم.
وأمّا الثاني: فحملها قبولاً، قال: أنا لها قبلت، ثم لم يتحملها أداءً، ما أدّاها حقَّ أدائها، ولا قام بالمهمة كما أمر والده، ولم يقُم بواجبها حقَّ القيام، فاستحقَّ غضب والده وعقوبته.
والآن ولله المثل الأعلى، لنقرأ قوله تعالى:

أربعة أسئلة تخطُر في بال من يقرأ الآية التالية:

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)
(سورة الأحزاب)

ولنُجِبْ معاً على أربعة أسئلة، تخطُر في بال الكثيرين عندما يقرؤون هذه الآية:
السؤال الأول: ما الأمانة التي أشفَقت من حملها السماوات والأرض ثم حملها الإنسان؟
السؤال الثاني: مَن المَعني بقوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ)؟
السؤال الثالث: هل كان الإنسان ظلوماً جهولاً لأنه حَمَلَ الأمانة؟
والسؤال الرابع: ما دُمتُ لا أذكُر أنني حملت هذه الأمانة، فلماذا إن خالفت ولم أؤدِّ حقها أتحمَّل إثمَها أمام الله؟ وأنا لا أذكُر أصلاً أنّي حملتها، هذه أسئلةٌ أربعة يجبُ الإجابةُ عليها.

السؤال الأول: ما الأمانة التي حملها الإنسان؟
أمّا السؤال الأول: ما الأمانة التي حملها الإنسان؟ الأمانة هي الأوامر والنواهي، هي التكاليف الشرعية، هي افعل ولا تفعل، لا يُكلَّف بافعل ولا تفعل إلا مَن حَمَل الأمانة، لا يُخاطب الله السماوات ولا الأرض ولا الجبال ولا الملائكة بالتكاليف الشرعية، يُخاطِب المخلوقات المُكلَّفة، يُخاطِب الإنسان، والجِن طبعاً، فالأمانة هي التكاليف الشرعية كما قال ابن عباس رضي الله عنه، هي الفرائض التي فرضها الله، والنواهي التي نهى الله عنها، بمعنى أنَّ الله عزَّ وجل ملَّكَكَ القُدرة أيُّها الإنسان، على الترك أو الفعل، أي الاختيار، فأنت تُدير نفسك، أنت تقول: أُريد أن أصدُق، وأنت تُريد تقول: أُريد ألّا أصدُق، لكَ الخيار، أمّا الملائكة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6)
(سورة التحريم)

أمّا أنت أيُّها الإنسان فأمامك الخيار، تفعل أو لا تفعل، تؤمِن أو لا تؤمِن، تصدُق أو لا تصدُق، تغضُّ البصر عن الحرام أو تُطلِق البصر في الحرام، هذه هي الأمانة، أنك تستطيع أن تُدير نفسك بنفسك، أن تفعل أو ألّا تفعل، هذه هي الأمانة.

السؤال الثاني: مَن المَعنيُ بقوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ)؟
أمّا السؤال الثاني: مَن المَعنيُ بقوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ)؟ قال الحسَن وغيره: الإنسان هُنا يعني الكافر والمُنافِق، يقصد الله تعالى بالإنسان هُنا الكافر والمُنافِق، وقال آخرون: بل جميع الناس (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) كل الناس حملوها، والمعنى الثاني هو الأظهَر لأنَّ الله تعالى قال: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) فكلنا حملنا الأمانة.

كيف يُستخدَم مُصطلَح "الإنسان" في القرآن الكريم؟
أيُّها الكرام: قبل أن أُتابع، حتى نفهم (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) القرآن الكريم عندما يستخدِم هذا المُصطلَح: "الإنسان"، كيف يستخدمه في القرآن؟ لأنَّ القرآن له طريقةٌ خاصة في استخدام المُصطلحات، يجب أن نفهمها إذا أردنا أن نفهم الآيات، اقرأ القرآن من الفاتحة إلى الناس، إذا تحدَّث الله تعالى عن الإنسان، فإنه يتحدَّث عن الإنسان قبل أن يؤمِن، يتحدَّث عن الإنسان مُجرَّداً من الإيمان، أمّا إذا أراد أن يمدَح، فيمدَح الذين آمنوا، يمدَح الربَّانيين، لكن الإنسان لا يمدحه الله في القرآن، واقرؤوا القرآن كله:

إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22)
(سورة المعارج)

المُصلّون غير الإنسان، شيءٌ آخر.

إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)
(سورة العصر)

إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ(6)
(سورة العاديات)

غيرُ وَفيٍّ مع ربّه، (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) في هذه الآية، فالقرآن لا يمدَح الإنسان بهذا اللفظ، يمدَح المؤمن، عندما ينتقل من هذه المرحلة، مرحلة الإنسان المُجرَّد من الإيمان إلى مرحلة الإيمان، يمدَحه جلَّ جلاله فيقول مثلاً:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا(107)
(سورة الكهف)

فقال بعضهم كما قُلنا: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) أيُّ إنسانٍ.

السؤال الثالث: هل كان الإنسان ظلوماً جهولاً عندما حَمَل الأمانة؟
أيُّها الإخوة الكرام: السؤال الثالث وهذا هو الأهم، هل كان الإنسان ظلوماً جهولاً عندما حَمَل الأمانة؟ لأنَّ هذه الآية تُحيِّر الكثيرين: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) حَمَل الأمانة فظلَم وجَهِل، كيف ذلك؟! على قَول الحسَن: إنه الكافر والمُنافِق (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) الكافر والمُنافِق (كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) عودوا إلى المِثال الأول الذي بدأت به، هذا الذي قال للأب: أنا لها يا أبي، ثم لم يحمِل الأمانة، كان ظلوماً جهولاً طبعاً، لكن على قَول من قال: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) أي كلُ إنسانٍ، كلنا، هل كلنا كنّا ظلومين جهولين عندما حملنا هذه الأمانة العظيمة؟ هل المؤمِن الذي استحقَّ جنَّةً عرضها السماوات والأرض فيها:

{ قال اللهُ تَبارَك وتَعالى: أعدَدتُ لعِبادي الصَّالِحينَ ما لا عَينٌ رَأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ، قال أبو هُرَيرةَ: اقرَؤوا إن شِئتُم: {فلا تَعلَمُ نَفسٌ ما أُخفيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعيُنٍ} [السجدة: 17] قال أبو مُعاويةَ عن الأعمَشِ عن أبي صالِحٍ: قرَأ أبو هُريرةَ: قُرَّاتِ أعيُنٍ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

استحقَّها لأنه قَبِلَ الأمانة، هل كان ظلوماً جهولاً؟ لا والله لم يكن ظلوماً ولا جهولاً استحقَّ الجنَّة.

معنى الآية: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ)؟
أيُّها الإخوة الكرام: هل خليفة الله في الأرض، الذي أسجدَ الله له ملائكته، أسجدَ الله الملائكة لآدم عليه السلام، هل كان ظلوماً جهولاً؟ والله يُسجِد له ملائكته؟! لا والله، يجب أن نفهم شيئاً بسيطاً في الآية، ومن خلاله نفهَم السياق كله، هذه الجُملة يقرأها الكثيرون على أنها جُملةٌ تعليلية وهي ليست كذلك، بمعنى (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) هو في ذهنه يقول: لأنه كان ظلوماً جهولاً وهي ليست كذلك، هذه الجُملة جُملةٌ اعتراضية (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ) أي هذا الإنسان الذي لم يوفِّ بحمل الأمانة، ولم يؤدِّ حقَّها، كان ظلوماً جهولاً، أين التعليل؟ تابعوا السورة في الآية الأخيرة من الأحزاب، قال تعالى:

لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا(73)
(سورة الأحزاب)

(لِّيُعَذِّبَ) هذا هو التعليل، هذه لام التعليل (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) ليكون بعد ذلك: مُنافِقٌ ومُشرِكٌ ومؤمِنٌ، فالمؤمِن في جنَّات النعيم يتوب الله عليه، والكافر والمُشرِك والمُنافِق، مُعذَّبٌ ظلومٌ جهول، فإذا قرأنا الآيتين معاً اتضَح المعنى، أُعيد قراءتهُما: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) الآن جُملةٌ اعتراضية، تتحدَّث عن الإنسان الذي لم يؤدِّ حقَّ الأمانة (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) نُتابع: (لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا).
(وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ) من أجل أن يكون الناس على أصنافٍ ثلاثة: كافرٌ يستَّحق النار، ومُنافِقٌ يستَّحق الدَرك الأسفل من النار، ومؤمِنٌ يتوب الله عليه، ويرفع درجته، ويُعطيه جنَّةً عرضها السماوات والأرض.

السؤال الرابع: هل أتحمَّل إثمَ شيءٍ لا أذكُره؟
أيُّها الإخوة الكرام: بقيَ السؤال الرابع: هل أتحمَّل إثمَ شيءٍ لا أذكُره؟ متى حصل ذلك؟ متى أشهدنا الله على أنفسنا؟

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ(172)
(سورة الأعراف)

أنا لا أذكُر ذلك.

معنى الآية: (ظَلُومًا جَهُولًا)؟
أيُّها الإخوة الكرام: قبل أن أُجيب على هذا السؤال، ما معنى: (ظَلُومًا جَهُولًا) ظلوماً تعني أنه عرف الأمر وخالفه فظلم نفسه، أي هو يعلَم أنه يجب أن يصدُق لكنه كَذَب، فهو ظلومٌ شديد الظُلم لنفسه، لأنه يعلَم الحقيقة وخالفها، أمّا جهولاً ففرَّط وقصَّر فلم يتعلَّم، ففي الحالتين استحقَّ غضب الله، ظلومٌ بمعنى أنه يعرف الحُكم الشرعي لكنه يفعل خلافه، كما يفعل بعض المسلمين اليوم، يعلَم أنَّ الكذِب حرام ولكنه يكذِب (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا) الجهول لم يتعلَّم، لم يتعلَّم الحُكم أصلاً (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا).
السؤال الرابع أيُّها الكرام: لماذا أتحمَّل الإثم وأنا لا أذكُر؟ اسمعوا إلى هذا الحديث الذي جاء في مُسند الإمام أحمد بسندٍ صحيح:

{ عنْ أُبيِّ بنِ كَعْبٍ رَضيَ اللهُ عنه في قولِهِ عزَّ وجلَّ: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا) قالَ: جمَعَهُم له يومئذٍ جميعًا ما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ، فجَعَلَهُم أرواحًا، ثُمَّ صَوَّرهُم، واسْتَنْطَقَهُم، فتَكَلَّموا، وأَخَذَ عليهم العَهْدَ والميثاقَ، وأشْهَدَهم على أنفُسِهِم، ألستُ بربِّكُم؟ قالوا: بَلى شَهِدْنا أنْ تقولوا يومَ القيامةِ، إنَّا كنَّا عنْ هذا غافلينَ، أوْ تقولوا إنَّما أَشَرَكَ آباؤنا مِن قبلُ، وكنَّا ذُرِّيَّةً مِن بعدِهِم، أفتُهلِكُنا بما فَعَلَ المُبطلونُ؟ قالَ: فإنِّي أُشهِدُ عليكم السَّمواتِ السَّبعَ والأَرَضينَ السَّبعَ، وأُشهِدُ عليكم أباكُم آدمَ أنْ تقولوا يومَ القيامةِ لمْ نَعلَمْ، أوْ تقولوا إنَّا كنَّا عنْ هذا غافلينَ، فلا تُشرِكوا بي شيئًا، فإنِّي أُرسِلُ إليكم رُسُلِي، يُذكِّرونَكم عهدي ومِيثاقي، وأُنزلُ عليكم كُتُبي، فقالوا: نَشْهدُ أنَّكَ ربُّنا وإلهُنا لا ربَّ لنا غيرُكَ }

(أخرجه أحمد)

شَهِدَ علينا أبونا آدم، حتى لا تقولوا يوم القيامة: لم نعلَم، أشهَدَ علينا أبانا آدم أننا قُلنا لربِّنا: بلى أنت ربُّنا يا ربّ، (فلا تُشرِكوا بي شيئًا، فإنِّي أُرسِلُ إليكم رُسُلِي، يُذكِّرونَكم عهدي ومِيثاقي، وأُنزلُ عليكم كُتُبي، فقالوا: نَشْهدُ أنَّكَ ربُّنا وإلهُنا لا ربَّ لنا غيرُكَ).
هذه قصةٌ هل تذكرونها؟ أنا لا أذكُرها، وهل كل شيءٍ لا نذكُره يعني أنه لم يقَع؟ ألا تروي لكَ والدتك أو والدك شيئاً حصل معك في صغرك وقد نسيته، فهل معنى ذلك أنه لم يقَع؟ لقد وقع ولكنك نسيته، ثم قبل أن نُصبِح في عالَم الصوَر الذي نحن فيه الآن، هل كُنّا نملِك الدماغ والذاكرة لنحفَظ ما حصل معنا؟ لم نكن نملِك، لذلك لم تُخزَّن هذه المعلومة، لكنها وقعت، وشهِدَت علينا السماوات والأرض، وشهِدَ علينا أبونا آدم أنه قال جلَّ جلاله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ) فيجب أن نحمِل الأمانة، قد حملناها، نحن من قُلنا نحن لها يا ربّ، فيجب أن نحملها حقّ حملها، وأن نؤدّيها حقَّ أدائها.

لقد حملنا الأمانة ويجب أن نؤدّيها:
أيُّها الإخوة الكرام: لقد حملنا الأمانة ويجب أن نؤدّيها، قال تعالى:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(58)
(سورة النساء)

وأمرنا ألّا نخونها، فقال جلَّ من قائلٍ:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(27)
(سور الأنفال)

وجاء المَعنَيان معاً، الأمر بأدائها والنهي عن ضدها، فقال صلى الله عليه وسلم:

{ أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنَك، ولا تَخُنْ من خانَك }

(أخرجه أبو داود والترمذي)

{ ما خطبنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا قال: لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له }

(أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلى)


التوحيد أمانة والشِرك خيانةٌ للأمانة:
أيُّها الكرام: التوحيد أمانةٌ والشِرك خيانةٌ للأمانة، أن تُشرِك بالله شيئاً وهو خلقك، هذه أعظم خيانةٍ لأمانة التوحيد، النفس التي بين جَنبَيك أمانة، وأداء هذه الأمانة أن تزكي النفس، وخيانة هذه الأمانة أن تدسيَّها بالشرور والآثام.

الجوارح أمانة وأداؤها يعني انضباطها بما شرع الله:
أيُّها الإخوة الكرام: الجوارح أمانةٌ وأداؤها يعني انضباطها بما شرع الله، وخيانة أمانة الجوارح تعني أن تتركها لتفعل ما تشاء، فتشهَد عليك يوم القيامة، العين أمانة ولكنها ليست لك، إنها لله في يدِك، ويدُكَ عليها يدُ أمانةٍ وليست يدُ مُلكٍ، نحن لا نملِك جوارحنا، نحن مؤتمَنون على جوارحنا، نحن لا نملِك أموالنا، نحن مؤتمَنون على أموالنا، نحن لا نملِك أنفسنا، ولو كُنّا نملِكُها لما أمتناها، لكننا لا نملِكُها لأنَّ الله يتوفَّاها في اللحظة التي يريد، نحن لا نملِك شيئاً المُلك لله، نحن مؤتمَنون، والمؤتمَن على شيءٍ يتصرَّف بهذا الشيء وفق تعليمات المالِك لا وفق هوى نفسه، العين أمانة وخيانتُها النظر الحرام، وخيانتُها التجسُّس، وخيانتُها نظرةٌ لا ترضي الله.

يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19)
(سورة غافر)

الأُذُن أمانةٌ وخيانتُها أن تسمَع الكذِب والنميمة والغيبة وأغاني النجوم، كل ما فينا أمانة، اللسان أمانةٌ وخيانة الأمانة أن يتكلم بما لا يرضي الله تعالى، هذه أمانة الجوارح.

الحقوق أمانة:
والحقوق أمانة، حقّ الآباء، وحقّ الأزواج، وحقّ الأبناء، كلها أمانات، وحقّ الشريك في العمل، كلها أماناتٌ بين يديك، وعدم أدائها خيانة، المجالس أمانة إن جلست في مجلسٍ، وإفشاء أسرارها خيانةٌ إن كان هناك أسرارٌ، قال صلى الله عليه وسلم:

{ إذا حدَّثَ الرجلُ بالحديثِ ثم التفتَ، فهي أمانةٌ }

(أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد)

فقط أشار إليك أنه التفَت، يُعطيك إشارةً أنه لا يريد أن يعلم أحدٌ بما يُحدِّثك به، صار المجلس أمانة، المشورةُ أمانةٌ إذا استشارك إنسانٌ، وعدم النُصح له ولو لم يكن مسلماً خيانة، المُستشار مؤتمَنٌ، يقول صلى الله عليه وسلم:

{ مَنْ أُفْتِىَ بِغيرِ عِلمٍ كان إثْمُهُ على مَنْ أفْتاهُ، ومَنْ أشارَ على أخيهِ بأمْرٍ يعلمُ أنَّ الرُّشْدَ في غيرِهِ فقدْ خانَهُ }

(أخرجه أبو داود وابن ماجه وأحمد)


الولاية أمانةٌ وتضيّعها خيانة:
الولاية أمانةٌ وتضيّعها خيانة.

{ قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ألا تَستَعمِلُني؟ قال: فضَرَبَ بيَدِه على مَنكِبي، ثُمَّ قال: يا أبا ذَرٍّ، إنَّكَ ضَعيفٌ، وإنَّها أمانةُ، وإنَّها يَومَ القيامةِ خِزيٌ ونَدامةٌ، إلَّا مَن أخَذَها بحَقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها }

(أخرجه مسلم وأحمد والطحاوي)

{ كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ عليهم وهو مسؤولٌ عنهم والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم وعبدُ الرجلِ راعٍ على بيتِ سيدِهِ وهو مسؤولٌ عنهُ ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ }

(أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وأحمد)

الولاية أمانةٌ، مَن وليَ شيئاً من أمر المسلمين فقد أؤتمَن عليهم، فإن ضيَّع وفرَّط كانت حسرةً وندامةً عليه يوم القيامة.

الكلمة أمانة:
أيُّها الإخوة الكرام: الكلمة أمانةٌ، والغيبة والنميمة والكذِب والسُباب والشتم خيانةٌ لأمانة الكلمة، ونقل الكلام دون تثبُّتٍ خيانةٌ لأمانة الكلمة، كم من كلمةٍ جرحت؟ وكم من كلمةٍ كفَّرت إنساناً؟ وكم من كلمةٍ استباحت دماً، مهما تكن جراحُنا، ومهما تكن آلامُنا كبيرةً عظيمة، إيّانا أن نُطلِق كلاماً غير مُنضبِطٍ بضوابط الشرع، نحن يحكمنا شرع ربِّنا مهما فعل المُجرمون، يحكمنا شرع ربِّنا بالكلمة، لأنها أمانةٌ أمام الله تعالى يوم القيامة.

التكافُل أمانة:
التكافُل أمانةٌ، أُمة الجسد الواحد أمانةٌ، وتضييعها أن يعيش الإنسان لنفسه، ولا يأبه لما يجري للمُسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، لقد أصاب بعض إخواننا في محافظتي دير الزور والرقة ما أصابهم، بسبب ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات، وأمانة الجسد الواحد تقتضي أن نَمُدَّ يد العون لهم.
أيُّها الإخوة الكرام: كلها أماناتٌ، ويجب أن ننتبه لها وأن نؤدّيها حقَّ أدائها، لأننا قد حملنا الأمانة.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعَمِل لِما بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

بيع المُسترسل:
أيُّها الإخوة الكرام: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

{ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حجَّةِ الوداعِ: ألَا أُخبِرُكم بالمؤمنِ: مَن أمِنه النَّاسُ على أموالِهم وأنفسِهم والمسلمُ مَن سلِم النَّاسُ مِن لسانِه ويدِه والمجاهدُ مَن جاهَد نفسَه في طاعةِ اللهِ والمهاجرُ مَن هجَر الخطايا والذُّنوبَ }

(أخرجه أحمد وابن حبان وابن عبد الحكم)

هناك لقطةٌ أُحب أن أُشير إليها، عندما طُبِعَت الأوراق النقدية الجديدة في بلدنا، بعد حذف الصِفرَين بالقيمة نفسها، لكن بحذف صِفرَين كما تعلمون جميعاً، وصلتني حالاتٌ كثيرة عن بعض الناس الذين يُخطئون في الحساب، إمّا البائع أو المُشتري، فقد يكون الطلب على العُملة القديمة، ويحاسِب وفق العُملة الجديدة على قيمة القديمة، فيُعطي البائع أكثر مما تستحق البضاعة من غير أن ينتبه، وهذا ما نُسمّيه في الفقه: المُسترسل، بيع المُسترسل هو رجُلٌ لا يعرف السوق، دخل إليها لا يعرف كم الأسعار، لا يعرف نوعية البضائع، فيُغَش، وقد ورد وإن كان الحديث فيه ضعفٌ:

{ غبن المسترسل رِبا }

(رواه البيهقي عن أنس وعن جابر وعلي بن أبي طالب)

فيغُشه الناس، لذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم:

{ أنَّ رَجُلًا ذَكَرَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه يُخدَعُ في البُيوعِ، فقال: إذا بايَعتَ فقُل: لا خِلابةَ }

(أخرجه مسلم)

أي لا غش، وله الخيار بعد ذلك في أن يُمضي العَقد أو أن يفسَخه، فهذا الموضوع تكرر عدة ملاحظات، لكن لنُحسِّن الحسَن، فإنَّ تاجراً أعرفه حصل معه ذلك، ولم ينتبه العامل إلى أنه أخذ بالعملة الجديدة وفق السعر القديم، فأخذ أكثر من المبلغ بكثير، يعني طلب مئةَ ألفٍ على العُملة القديمة، فأخذ مئةَ ألفٍ على الجديدة، أي رُبما يكون قد أخذ مليون على العُملة الجديدة، لم ينتبه، رُبما يكون قادماً سائحاً، رُبما يكون قادماً إلى البلد حديثاً، لا ينتبه إلى هذا الفرق، فوضع المبلغ وربطه بربطةٍ، وصوَّره ووضعه على صفحته وقال: هناك رجُلٌ جاء إليّ في محل كذا ودفع زيادةً، فنبِّهوه إلى ذلك حتى يعود فهي أمانة، كتب عليها أمانةٌ لشخصٍ لا أعرفه، لكن سلَّمها بالغلط، فلعلَّ الرجُل انتبه وعاد إلى المحل، وأخذ ما بقي له من المبلغ، فهذا من الأمور التي وإن بدَت بسيطةً، لكنها من إيمان المؤمِن أنه يأتمِنه الناس على أموالهم، فوجَب التنبيه إلى هذا الموضوع، حتى لا نغبِن المُسترسل الذي لا يعرف الأسعار، أو لا يعرف الفرق بين الأوراق النقدية.

الدعاء:
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ مَن واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، ولك الشُكر على ما أنعمت وأَوليت، نستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك.
اللهم إنّا نسألك لهذه الأُمة أمر رُشد، يُعزُّ فيه أهل طاعتك ويُهدى فيه أهل عصيانك، ويؤمَر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المُنكَر.
اللهم إنّا نسألك أن نؤدّي الأمانات إلى أهلها، نسألك يا ربّ أن نؤدّي الأمانة حقّ أدائها، حتى نلقاك وأنت راضٍ عنّا يا أرحم الراحمين.
اللهم أهلنا في غزَّة، كُن لهم عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
اللهم أهلنا في كل مكانٍ من المُستضعفين، أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في ذلك سهماً وعملاً مُتقبَّلاً يا أرحم الراحمين.
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اجعل الأمن والأمان في ربوع بلادنا، ووفِّق القائمين على بلادنا للعمل بكتابك وبسُنَّة نبيّك صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربِّ العالمين.