التوحيد
دروس من فاتحة الكتاب
| السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
| بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
| اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزِدنا علماً وعملاً مُتقبَّلاً يا ربَّ العالمين. |
| اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات. |
مقدمة:
| وبعد: هذا المجلس هُنا يوم الجمعة عند المغرب أو عند العشاء، على هذه الطاولة له ذكريات، على هذه الطاولة درَّس شيخنا فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ما يُقارب الأربعين سنة، بين المغرب والعشاء يوم الجمعة، حتى حصل من هذه الدروس خيرٌ كبير، وخرج سِفرٌ عظيم اسمه تفسير النابلسي، فُسِّر في هذا المسجد وعلى تلك الطاولة وفي هذا الموعد، فهذا يُعطي في النفس شيئاً من الهيبة، وشيئاً من الذكريات الجميلة. |
| وأنا كنت طالباً هُنا وما زلت طالباً، أجثو على رُكبَتَي في هذا المجلس، وأتشرَّف بالاستماع إلى دروس التفسير، حتى إنني عندما أكرمني الله تعالى بتنقيح تفسير شيخنا، كنت أتذكر بعض الكلمات كيف سمعتها منه، أصبح مكتوباً فأقرأ فأتذكر أنني كنت جالساً في الصحن أو هُنا، عندما قال هذا المثال أو ذَكرَ هذه الآية فسبحان الله، أسأل الله أن يُطيل عمره في الصالحات، وأن يمده بمددٍ من عنده، وإن شاء الله نراه هُنا قريباً بإذن الله. |
| أحبابنا الكرام: عنّونَّا هذا اللقاء دروسٌ من فاتحة الكتاب، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: |
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ(1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)(سورة الفاتحة)
| فاتحة الكتاب سبعُ آياتٍ، في بعض المصاحف البسملة هي الآية الأولى، و: |
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(7)(سورة الفاتحة)
| آيةٌ واحدة، سبعُ آيات، وفي بعض المصاحف البسملة لا تُرقَّم آيةً، يبدأ الترقيم (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وبالتالي آخر آية هي آيتان (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) آية، (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) آية، فهي سبعُ آياتٍ |
وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ(87)(سورة الحجر)
كل آية في الفاتحة تنثني على أختها فتُفسُّرها:
| وكل آيةٍ فيها تنثني على أختها فتُفسُّرها. |
| فتقول: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) مَن ربُّ العالمين؟ |
الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ(3)(سورة الفاتحة)
| مَن هو؟ |
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)(سورة الفاتحة)
| وهكذا إلى نهاية السورة. |
| فهذه السورة العظيمة أيُّها الكرام، نحن نقرأها كل يومٍ في أقل تقدير سبعَ عشرة مرة، أي لو صلّى الإنسان الفرائض فقط، فإنه يقرأها سبعَ عشرة مرة، فإذا زاد الرواتب قرأها تسعاً وعشرين مرة في اليوم، فإذا زاد قيام الليل أو الضُحى زادت على الثلاثين، فهي السورة التي تُرافقنا دائماً، لأنه كما وَرَد جُمِع القرآن في الفاتحة، ما يُريد أن يوصله الإله إليك، جمعه لك في هذه الآيات السبع، فينبغي أن ننتبه إلى ما فيها من مضامين، حتى إذا قرأناها في صلواتنا تمعَّنا في هذه المعاني، فصار للصلاة طعمٌ آخر، وأنت تقرأها وتَعي ما تقرأ. |
التعوُّذ ليس من الفاتحة وليس آيةً في القرآن:
| طبعاً التعوُّذ ليس من الفاتحة وليس آيةً في القرآن بلا خلاف، "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ليست آيةً وإنما نمتثِل أمر الله تعالى: |
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(98)(سورة النحل)
| فنستعيذ بالله قبل القراءة، والعَوذ معناه أن تلجأ إلى قويٍ لكي يقيكَ الشر، ما معنى أعوذ؟ ألجأ إلى قويٍ ليقيَني من الشر. |
| الآن ما اللوذ؟ نقول: لاذَ به، ما الفرق بين لاذَ وعاذَ؟ اللوذ أن تلجأ إلى قويٍ أو كريم ليُعطيك الخير، فاللوذ ترجو به عطاءً، والعَوذ تخشى من سوءٍ يلحق بك، العَوذ واللوذ، هناك بيتا شِعرٍ للمتنبي يجمعان المعنيين معاً، قال: |
يـا مَـن أَلــوذُ بِـهِ فـيـمـا أُؤَمِّـلُـهُ وَمَـن أَعــوذُ بِـهِ مِـمّـا أُحـاذِرُهُ لا يَجبُرُ الناسُ عَظماً أَنتَ كاسِرُهُ وَلا يَهيضونَ عَظماً أَنتَ جابِرُهُ{ المتنبي }
| الناس يُردِّدون هذه الأبيات يظنون أنَّ المُتنبي قالها في الله عزَّ وجل، وهي لا تليق إلا بجناب الله، لكن للأسف المتنبي قالها يمدَح سيف الدولة الحمداني، أصلحه الله، وجَّه الاستعاذة واللوذ إلى قويٍ من بني البشر، والناس يُردِّدون هذه الأبيات ولا يخطُر ببالهم إلا أنها في ذات الإله، فلا يُقال لأحدٍ، يا مَن أعوذ به ويا مَن ألوذ به، لكن للأسف المتنبي صغَّر أهدافه وطموحاته وجعلها محصورةً بسيف الدولة، فإذا مدحه أعطاه مالاً. |
| فالعَوذ أن تلجأ إلى قويٍ ليقيكَ الشر، واللوذ أن تلجأ إلى قويٍ ليمنحك الخير. |
| أعوذ بالله، أي ألجأ إليه، أحتمي به، كانت العرب تقول: أطيب اللحم عوَّذهُ، أطيب اللحم ما التصَق بعظمٍ، فأطيب اللحم عوَّذهُ، لأنَّ اللحم عندما يلتصِق بالعظم يُصبِح لذيذاً، فأعوذ بالله أي شدّة الالتجاء إلى الله، أنت تلتجئ إليه بكليَّتك، تحتمي به ليقيكَ شرَّ الشيطان الرجيم. |
معنى الشيطان الرجيم:
| والشيطان مأخوذةٌ من شَطنَ بمعنى ابتعد، فهو مُبعَد من رحمة الله والعياذ بالله، لأنه عصى الله، والرجيم هو المرجوم الذي رُجِمَ لبُعده عن الله تعالى، ويجب أن ترجمه حقَّاً، أحياناً يذهب الإنسان إلى الحج ويرمي الحصى، رمزاً إلى أنه يرجم الشيطان، لكن يعود إلى بلده فيعود إلى المعاصي والآثام، فكأن الشيطان هو الذي رجمه وليس هو الذي رجَم الشيطان، فالرجيم بمعنى أن ترجمه، أن تبتعد عنه، لا تقترب من وساوسه. |
| أمّا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) فهي آيةٌ في كتاب الله في سورة النمل: |
إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ(30)(سورة النمل)
| فهي جزءٌ من آيةٍ، لكن هل هي آيةٌ من أول الفاتحة أو من أول كل سورة؟ هذا كلامٌ فيه خلافٌ طويل بين أهل العِلم ولكُلٍّ أدلته، طبعاً اجتمع العلماء على أنها تُقرأ في مبدأ كل سورةٍ بلا خلاف، لكن هل هي آية أو غير آية؟ في التوبة لا تُقرأ، في باقي القرآن تُقرأ في بداية كل سورةٍ كما جاء الوحي، لكن هل هي آية أو غير آية من الفاتحة؟ هذا كلامٌ يطول لأهل العِلم. |
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) هل هي أول آية في الفاتحة؟
| الشافعي يرى أنها آيةٌ مستقلة، يعني جزءٌ من الفاتحة، فلو إنَّ إنساناً صلّى ولم يقرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) لن تصح صلاته، لم يقرأ كامل الفاتحة، هذا مذهب الإمام الشافعي، ومذهب الجمهور من الحنفية والمالكية، والرواية الصحيحة عند الإمام أحمد، أو الرواية القوية أنها ليست آيةً من الفاتحة. |
| الشافعية قالوا: هي آيةٌ من الفاتحة استدلّوا بحديثٍ صحيح: |
{ إذا قرأتم الحَمْدُ فاقرؤوا بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إنها أمّ القرآنِ وأمّ الكتابِ والسبعُ المثانِي وبِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إحدى آياتها }
(أخرجه الدارقطني والبيهقي)
| الفاتحة أُم الكتاب جُمِعَ الكتاب فيها، هذا دليل الشافعية، يقول لك: بهذا الحديث انتهت المسألة لماذا الخلاف؟ لكن الموضوع فيه أدلةٌ أكثر وأصح رُبما في الباب، فذهب الجمهور إلى أنها ليست آية مستقلة، واستدلّوا بحديثٍ قويٍ جداً، وهو حديث الفاتحة الذي في الصحيح: |
{ إن اللهَ تعالى يقولُ: قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفينِ، نصفُها لي ونصفُها لعبدي ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ: {الحمدُ للهِ ربِّ العالمين} قالَ اللهُ: حمِدني عبدي، وإذا قالَ: {الرَّحمنِ الرَّحيمِ} قالَ اللهُ: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قالَ: {مالكِ يومِ الدينِ} قال اللهُ عز وجل: مجّدني عبدي، وفي روايةٍ فوَّضَ إليَّ عبدي، وإذا قالَ: {إياكَ نعبدُ وإياكَ نستعينُ} قال: فهذه الآيةُ بيني وبين عبدي نصفينِ ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ: {اهدنا الصراطَ المستقيمَ صراطَ الذين أنعمتَ عليهم غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالينَ} قال: فهؤلاءِ لعبدي ولعبدي ما سألَ }
(أخرجه مسلم وأبو داوود والنسائي)
| سامحوني على هذه الكلمة، انظُر إلى ربّنا عزَّ وجل كيف أنه يشاركك بالصلاة جلَّ جلاله، لمّا تستشعِر هذا المعنى وأنت تقرأ الفاتحة، أنَّ الفاتحة بيني وبين ربّي نصفَين، فقال: (نصفُها لي ونصفُها لعبدي ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ: {الحمدُ للهِ ربِّ العالمين} قالَ اللهُ: حمِدني عبدي) فبدأ فقال: (الحمدُ للهِ) وما قال: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ). |
| واستدلّوا بحديث أنس في صحيح مسلم: |
{ صَلَّيْتُ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وأَبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمَانَ، فَلَمْ أسْمَعْ أحَدًا منهمْ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| يبدأ القراءة كما فعلت الآن أنا في الصلاة، فأقول: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فوراً، لا يذكرون (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) يوضِّحها روايةٌ أُخرى قال: لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، هو يقولها لكن لا يجهَر بها، فلمّا كان يقولها سِراً ويخالف بينها وبين الفاتحة، إذاً لها حُكمٌ مختلف، فلو كانت آيةً لجهَر بها، فأدلة الجمهور قوية في المسألة، والله تعالى أعلم، لكن الخروج من الخلاف مُستَّحب. |
| فلا تصلّوا حتى تذكروا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ(1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فنذكُرها، والإمام يُسِرُّ بها ويجهَر بالحمد لله رب العالمين، وبعض الأئمة يُقلِّدون الإمام الشافعي فيجهرون بالبسملة، لكن حسب هذا الحديث، الأَولى الإسرار بالبسملة للإمام، ثم الجهر (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ولا حَرَج لو جهَر بها إن شاء الله. |
معنى (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ):
| (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) يعني أقرأ باسم الله، هذه الباء نُسمّيها في اللغة باء الاستعانة، فلو قلت: أمسكت بيدي القلم، فهذه الباء هي باء الاستعانة، أنا لمّا أُمسِك كأس الماء فأقول: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني أشرب باسم الله الرحمن الرحيم، وإذا بدأت بالقراءة أقول: بسم الله، يعني أقرأ باسم الله الرحمن الرحيم، وإذا أردت الآن القيام فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، أي أقوم باسم الله الرحمن الرحيم، فهناك فعلٌ محذوف يُفسِّره السياق، فلمّا نقرأ نقول: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ). |
| لماذا لم يقُل: بالله الرحمن الرحيم؟ يعني لماذا باسمه وليس به؟ أقرأ بالله، لأنه لو قال: بالله الرحمن الرحيم، لاحتملت احتمالاً كبيراً أن تكون قَسَماً، يعني أُقسِم بالله الرحمن الرحيم، فيتَّجه معناها إلى القَسَم، الأمر الثاني أنَّ اسم الله نتبرَّك به، فاسمُه بركة جلَّ جلاله. |
تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ(78)(سورة الرحمن)
| فلذلك نقول بسم الله، يعني هي بالله لكن نبدأ باسمه جلَّ جلاله، تبرُّكاً وحتى لا ينصرِف المعنى إلى القَسَم، بالله عليك، بالله الرحمن الرحيم إلا فعلت، فيتَّجه معناها إلى القَسَم، وهي للاستعانة وليست للقَسَم، هُنا ليس هناك قَسَم بل استعانة. |
معنى (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ):
| (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) ثم نشرع بقراءة الفاتحة فنقول: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هذه ال التعريف لها معانٍ في اللغة العربية، هذه ال هُنا يُسمّيها اللغويون: ال الاستغراقية، يعني كل الحمد لله تعالى، يعني الحمد لله بجميع محامده ما عَلِمنا منها وما لم نَعلَم (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) عندنا حمدٌ، وعندنا مدحٌ، وعندنا شُكرٌ، كلماتٌ قد تبدو مُترادفة، لكن انظروا إلى لغة العرب، ما الفرق بين الحمد، المدح، الشُكر؟ |
| المدح: أن تمدح إنساناً على صفةٍ فيه، بمعنى: هل تعرف فلاناً؟ نعم أعرفه ما شاء الله فُلانٌ كريم، مدح تمدحه، هل أعطاك شيئاً؟ لا والله ما نالني منه شيء، لكنه كريم فتمدحه، الشُكر: أن تشكُر له عطاءً أعطاك إيّاه، فهذا الكريم جاء وأعطاك هديةً فقلت له شكراً لك، فالشُكر على عطاء والمدح على صفة، والحمدُ مدحٌ وشُكر، فأنت تُثني على الله بصفات الجلال والجمال والكمال التي عنده، وتشكُر له عطاءه العظيم الجليل الذي لا ينقطع (الْحَمْدُ لِلَّهِ) فأنت تتذكَّر نعماءه، وتتذكر صفاته الفُضلى وأسمائه الحُسنى، فتُثني عليه وتشكُر له نعماءه (الْحَمْدُ لِلَّهِ). |
| (رَبِّ الْعَالَمِينَ) الربوبية يا أحبابنا الكرام: نحن نقول: فُلانٌ ربُّ الأُسرة، يجوز، وفي سورة يوسف: |
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ(50)(سورة يوسف)
| يعني سمّاه ربّاً، فمن تكون له القيادة والعطاء، ومن يكون هو من يُدير المكان يُسمّى ربّاً، لكن بالإضافة: ربُّ الأُسرة، ربُّ العمل، لكن لا يُقال الرب إلا لله تعالى، ولا يُقال ربُّ العالمين، وربُّ كل شيء إلا لله تعالى. |
الفرق بين الربوبية والألوهية؟
| ما هي الربوبية؟ نحن نسمع بمُصطَلَحَين، ودائماً كانوا يُحيرونا فيهم بالدراسة: الربوبية والألوهية، ما الربوبية؟ وما الألوهية؟ التوحيد شيءٌ واحدٌ لا ينفصل، لكن حتى نفهم القضية لنضع سهمين: سهمٌ نازل من الأعلى إلى الأسفل، وسهمٌ صاعد من الاسفل إلى الأعلى، كل شيء نازل من الأعلى إلى الأسفل هذا من مفهوم الربوبية، وكل شيء صاعد من الاسفل إلى الأعلى فهذا من مفهوم الألوهية، كيف؟ |
| مَن أنزل المطر الآن؟ الله تعالى، الربّ جلَّ جلاله، من رزقك الولد؟ الربّ، هذا نازلٌ من الله، مَن يجعل الكلية تعمل بانتظامٍ؟ الربّ جلَّ جلاله، مَن أنبت الزرع؟ الربّ، مَن وهبك زوجةً؟ الربّ، مَن أعطاك نعمة الوجود؟ الربّ. |
| الآن صرنا بالسهم الصاعد: لِمَن ينبغي أن تتوجه؟ إلى الله الإله جلَّ جلاله، عبادة، استعانة، توكُّل، فالألوهية ما يكون منك تجاه ربِّك، والربوبية ما يكون من ربّك تجاهك، هذا الفرق بين الربوبية والألوهية، والعرب والمُشركون ما كان عندهم مشكلة بأنه ربُّ العالمين: |
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ(38)(سورة الزمر)
| نحن نعرف أنه هو الذي خَلَق، فهُم كانوا يعرفون أنَّ الله هو الذي رزق، وهو الذي يُعطي، وهو الذي يهَب، لا يُنكرون ذلك، لكن لمّا يُريدون أن يتوجهوا والعياذ بالله يتوجهون إلى أصنامهم، شيءٌ عجيب! رزقك، وأعطاك، ووهبك، كل شيءٍ منه ثم تتوجه إلى غيره! فكانت المشكلة عندهم في فهم معنى الألوهية وليس في فهم معنى الربوبية. |
معنى ربِّ العالمين:
| (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ما معنى ربِّ العالمين؟ يعني العوالم كلها، الحيوان عالَم، النبات عالَم، الجماد عالَم، الإنسان عالَم، الجن عالَم، وهو جلَّ جلاله ربُّ العالمين، ربُّ العوالم كلها، ما معنى ربّ؟ يُربّي، ربُّنا عزَّ وجل يُربّي أجسادنا ويُربّي نفوسنا، كيف؟ يوجد اليوم ثمانية مليارات إنسان في الأرض، فإذا الواحد يحتاج لرغيف خبز في اليوم، فهناك ثمانية مليارات رغيف خبز، إذا خبز فقط لم نذهب بعد إلى اللحم وغيره، الأزمات الغذائية كلها مُفتعلة من أصحاب النفوذ، لا يوجد أزمةٌ غذائية، الخيرات في الأرض موجودة، لكن تقاسُم الخيرات والمصالح هو الذي يجعل هناك فقرٌ شديد، تدخُّل الإنسان. |
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)(سورة الروم)
| أمّا الخير موجود وعميم ويعمُّ الجميع، فربُّنا عزَّ وجل كل يوم يُطعِمُك ويسقيك، ويَهبُك كِليةً تعمل بانتظام، يدخُل إليها الدم كل يوم خمس مرات ويخرُج نقيَّاً، وكبد يقوم بآلاف الوظائف، وعينٌ تُبصِر، وتوازنٌ عند القيام، وقدمين تمشيان، فربُّنا عزَّ وجل يُربّيك، بالتربية الجسدية الكاملة. |
| والتربية النفسية وهذا ما ينبغي أن يكون عليه المُربّون، أنه يُربّي نفوسنا، إذا أحسنت كافأك وإذا أسأت عاقبك، أنا اليوم إذا أحسنت أجد حلاوةً في قلبي، ممن جاءت؟ من المُربّي جلَّ جلاله، من الربّ، وإذا أسأت قد أجد عقوبةً عاجلةً في الدنيا، انقباضاً في الصدر، ضيقاً في الرزق، من أين جاءت؟ من المُربّي، فربُّ العالمين يُربّي جسدك ويُربّي نفسك (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). |
(الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) أصل علاقته بنا أنه يريد أن يرحمنا:
| لمَّا تقول: ربُّ العالمين يعني هيبةٌ في النفس، ألا تشعُر بالهيبة؟ والله شيء فيه هيبةٌ عظيمة، ربُّ العالمين، أنت إذا قلنا لك مثلاً أنَّ مدير شركة المايكروسوفت سوف يأتي إلى هُنا، فتقول: هيئوا أنفسكم وأحضروا الضيافة، فبما أنه عنده آلاف من الموظفين فتشعُر بالهيبة، هناك هيبةٌ للربوبية مُلك الخَلق، فلمّا يكون ربُّنا عزَّ وجل ربُّ العالمين، كل شيءٍ في الدنيا هو ربُّه فهناك هيبة، هذه الهيبة تبعث في النفس شيءٌ من الجلال، فيأتي ربُّنا جلَّ جلاله فوراً ويقول لك: (الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) لا تخاف، يعني ليس ربُّ العالمين كما تتخيل ملوك الأرض، لا بل هو رحمنٌ رحيم، علاقته معك علاقة رحمة، فيُخفف عنك (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) لا تخرُج علاقته مع عباده عن الرحمة، أصل علاقته بنا أنه يريد أن يرحمنا، خلقنا ليرحمنا، خلقنا للجنَّة، يريد بنا التوبة. |
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا(27)(سورة النساء)
الفرق بين الرحمن والرحيم:
| (الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) ما الفرق بين الرحمن والرحيم؟ كلاهما اسمٌ من أسماء الله الحُسنى، الرحمن صفة ذاته، والرحيم صفة أفعاله، لذلك لا يُطلَق على إنسانٍ مهما علا شأنه في الرحمة، لا يُقال له رحمن قطعاً، وقالوا: ما تسمَّى أحدٌ بالرحمن وما تجرأ، إلا مُسيلمة الكذاب فقصمه الله تعالى، لا أحد يتجرأ أن يقول أنا رحمن، يقول: أنا كريم، رحيم، مُسامح، أعفو، أمّا رحمن هذا اسم الذات جلَّ جلاله، لذلك قال تعالى: |
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا(110)(سورة الإسراء)
| فقرن بين اسم الذات، اسم العلم على واجب الوجود الله مع اسم الرحمن. |
| (الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) الرحيم صفة فعل. |
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(43)(سورة الأحزاب)
| فهو رحمنٌ رحيم، ذاته رحمن وفعله رحيم، والرحمة ضد القسوة، والرحمة فيها من خصال الخير ما فيها، فالرحيم يُكافئك، الرحيم يُعطيك، الرحيم يهبُك، الرحيم يُقربك، الرحيم يُلقي في قلبك السكينة، المعنى أوسع من أن تحصره العبارات (الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) جلَّ جلاله. |
| الرحمن رُبما يُعذِّب، قال تعالى لمّا خاطب إبراهيم أباه قال: |
يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(45)(سورة مريم)
| هو كان يتلطف به، يُعلِّمنا أدب الخطاب، كيف تتكلم مع أبوك ولو كان مشركاً، فما أحبَّ أن يقول له: أن يمسَّك عذابٌ من الجبار، من المُنتقم، قال له: من الرحمن، هذا أدب، لكن أيضاً (عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ) لأنَّ الرحمن قد يُعذِّب، الرحمة لا تقتصر على أن يسوق لك الخير، قد يكون الابتلاء رحمةً، فربُّنا جلَّ جلاله رحمن. |
فَقَسا لِتَزدَجِروا وَمَن يَكُ حازِماً فَليَقسُ أَحياناً وَحيناً يَرحَمُ{ أبو تمام }
| أنت ابنك أحياناً تقسو عليه وقلبك يُحبُّه، لكن تريد به خيراً. |
| (الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ(3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) طبعاً قراءتان، قراءة حفص (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وهناك قراءة: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وكلاهما قراءتان متواترتان، المَلِك يملِك الأشخاص والأشياء، والمالك يملِك الأشياء، يعني أنا أملِك هذا الهاتف مالكٌ له، الملِك يملِك الشخص والأشياء معاً، والله تعالى مَلِكٌ ومالك. |
معنى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ):
| (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ويوم الدين هو يوم الجزاء والحساب، وسُمّيَ يوم الدين، لأنه تدين فيه الخلائق وترجع إلى الله، دان يدين، ألا نقول: دانت له الجزيرة العربية؟ يعني رجع أمرها إليه في كل شيء، فهذا اليوم لا يملكه أحدٌ إلا الله (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) لا يملكه إلا الله، هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن تنتبه إلى اليوم الآخر، وأن يُعِدَّ الإنسان العُدَّة له. |
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)(سورة الفاتحة)
| هذا الآن الموقف العملي، يعني (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ(3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) هذه المُقدِّمات النظرية إن صحَّ التعبير، فهمتها، عقلتها، إذاً الآن التوجُّه إلى الله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). |
| أولاً: إيَّاك مفعول به، ونعبُد فعل وفاعل، وقدَّم المفعول به على الفعل والفاعل للحصر والقصر، يعني لا نعبُد إلا الله، ولو قال: نعبُدك لاحتملت أن نعبُد غيره، لكن (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أي لا نعبُد إلا الله للحصر والقصر. |
| (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) يعني العبادة متوجهةٌ إليه والاستعانة على العبادة مطلوبةٌ منه، فنعبده ونستعين به على عبادته وعلى كل أمورنا. |
| العبادة هي طاعةٌ مع حُب، فمن أطاع ولم يُحب ما عَبَد، ومَن أحبَّ ولم يُطِع ما عَبَد. |
| كنّا بالعسكرية من خدم بالجيش، قبل أن يُكمِل الضابط كلمته "مُنبطِحاً"، يكون الواحد منّا قد صار في الأرض، هذا مُطلق الطاعة، تنفيذٌ فوري، وهو نازل ووجهه إلى الأرض وفي البرد، يكون قلبه يلهَج بشتم الضابط، لكنه يُطيع ولا يوجد حُب، هذه ليست عبادة. |
| وهناك عبادةٌ يقول: أنا والله أُحب ربّنا عزَّ وجل، فتسأله: هل تُصلّي؟ يقول لك: لا والله لكن أُحبُّه، الحُب عظيمٌ جداً لأنه: |
{ أنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ومَاذَا أعْدَدْتَ لَهَا. قَالَ: لا شيءَ، إلَّا أنِّي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسوله صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَالَ: أنْتَ مع مَن أحْبَبْتَ. قَالَ أنَسٌ: فَما فَرِحْنَا بشيءٍ، فَرَحَنَا بقَوْلِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنْتَ مع مَن أحْبَبْتَ قَالَ أنَسٌ: فأنَا أُحِبُّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأَبَا بَكْرٍ، وعُمَرَ، وأَرْجُو أنْ أكُونَ معهُمْ بحُبِّي إيَّاهُمْ، وإنْ لَمْ أعْمَلْ بمِثْلِ أعْمَالِهِمْ. }
(أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي)
| والحُب يأخُذ بيدك، يعني أنت علامتك سبعون من مئة، فالحُب ينهض بك إلى التسعين، لكن إذا كنت راسباً فالحُب لا ينهض بك، إن لم يكن هناك عبادات وقال لك: أنا أُحب ربّنا، الحُب مهم جداً، ويرقى بالإنسان، ويرفع مقامه، لكنه لا ينتشله من نارٍ إلى جنَّة، انتبهوا. |
| فالعبادة هي طاعةٌ مع الحُب، مُطلَق الطاعة مع مُطلَق الحُب (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أي نطلُب العون من الله تعالى. |
معنى الهِداية:
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)(سورة الفاتحة)
| الهِداية هي الدِلالة أو الدَلالة لغتان صحيحتان، فأنت قد يسألك إنسانٌ من أين الطريق؟ فتقول له: من هُنا، فقد هديته، والهداية لا يملكها إلا الله تعالى، لا يملكها لا مَلَكٌ مُقرَّب ولا نبيٌّ مُرسل، قال: |
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)(سورة القصص)
| ولكن في آيةٍ ثانية قال: |
وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(52)(سورة الشورى)
| خاطبه، وقال له: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) فكيف نُوفِّق بينهما؟ |
| (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) هداية التوفيق، هذه من الله (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) هداية الدِلالة، يعني أنا الآن واقفٌ في الطريق، جاءني شخصٌ وسألني: ركن الدين من أين؟ فقلت له: من هُنا، أنا هديته أي دللته على الطريق، لكنه ذهب من طريقٍ آخر، أنا ليس لي سُلطة عليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يهدي، يدلّ، لكنه لا يملِك أن يضعك على الجادة، أنت تذهب أو لا تذهب لأنك مُخيَّر، فهكذا نجمع بين قوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) وقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي) فالنبي صلى الله عليه وسلم هادٍ يهدينا الطريق، يدلُّنا عليه، لكن هل نذهب أو لا نذهب، هذا شيءٌ لا يملكه إلا الله تعالى، يملكه الله تعالى طبعاً برغبة العبد، يعني ربُّنا يقول لك: الطريق من هُنا أو من هُنا، هذا طريق الخير أو الشر. |
إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)(سورة الإنسان)
| أنت تريد أن تذهب في طريق الخير، فالله يهديك إليه، أنت تريد أن تذهب إلى طريق الشر والعياذ بالله فالله يهديك إليه، يدلُّك ابتداءً، أين تذهب تأتي هداية التوفيق بناءً على قرارك، هذا التفصيل. |
معنى (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ):
| (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) الصراط هو الطريق الواسع العريض، وهناك قراءةٌ السراط، والأفصح في اللغة الصراط، هناك كلماتٌ في اللغة العربية مثلثة، يقولوا: لصق، ولسق، ولزق، الثلاثة صحيحة، ومثلهم إذا وضعت بدل اللام باء، أيضاً الثلاثة صحيحة، الصراط والسراط كلاهما صحيحٌ في اللغة الاثنان فقط، لكن الأفصح الصراط، وطبعاً بقراءة حفص ينبغي أن نُفخِّم الصاد، يعني نقرأ القراءة الصحيحة بتفخيم الصاد (الصِّرَاطَ). |
| (الْمُسْتَقِيمَ) هو أقصر طريق يمر بين نقطيتين، هذه نقطة وهذه نقطة، أقصر طريق يمر بين نقطيتين هو المستقيم، أي خط آخر سيكون أطول منه، فأقصر طريق وأسلم طريق هو الطريق المستقيم. |
| أنا أضرِب مثالاً مُضحكاً: شخصٌ جالسٌ في الطابق العاشر في بناءٍ كبير، يُريد أن ينزل إلى الطريق، ما هو أقصر طريق؟ أن يُلقي بنفسه من النافذة، ولكنه سينزل ميتاً، فهذا ليس الطريق المستقيم، ما هو الطريق المستقيم؟ أن ينزل بالمصعد أو على الدرج فيصل سليماً، فليس دائماً أقصر خط. |
| مرةً عملوا في سوريا في عام 2008 أو 2009 عندما بدأت البنوك، فوضعوا شخصاً يُريد أن يتزوج وبيت، إنسان يُريد أن يتملَّك بيتاً ليتزوج، فمن غير البنك القضية مُعقَّدة جداً لتصل إلى البيت، ورُبما تصل أو لا تصل، أمّا مع البنك فالخط مستقيم تحصل على البيت مباشرةً، يعني يأخُذ قرض ربوي، فأقصر طريق للوصول إلى البيت هو البنك صحيح، ولكن بعده هناك نار جهنم، فهذا ليس الطريق المستقيم، لأنَّ مآله جهنم والعياذ بالله، لأنه بنكٌ ربوي، يعني أخذ قرضاً ربوياً فمآله إلى جهنم، إن لم يتُب نسأل الله السلامة. |
| لكن القصد أنَّ الطريق المستقيم أو الصراط المستقيم هو منهج الله، ولو وجدته طويلاً لكن هو الحقّ وهو المستقيم (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). |
{ خطَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خطًّا بيدِه ثم قال: هذا سبيلُ اللهِ مستقيمًا، وخطَّ خطوطًا عن يمينِه وشمالِه، ثم قال: هذه السبلُ ليس منها سبيلٌ إلا عليه شيطانٌ يدعو إليه، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ }[الأنعام 153] }
(أخرجه أحمد والنسائي والدارمي)
| (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ما هو الصراط المستقيم؟ قال: |
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(7)(سورة الفاتحة)
| المُنعَم عليهم مَن هُم؟ |
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا(69)(سورة النساء)
| فهؤلاء المُنعَم عليهم، هُم المؤمنون، هُم الصالحون، هُم الشهداء، هُم الصدّيقون، هُم الأنبياء، كل من هداه الله تعالى إلى الطريق المستقيم ووفَّقه إليه فقد أنعم الله عليه، وأعظم نعمة على الإطلاق من الله أنه هدانا، وكل النِعَم أمامها أصفار، نعمة الهداية واحد والصحة صفر صاروا عشرة، الولد صفر صاروا مئة، الزوجة صفر صاروا ألف، المعمل صفر صاروا عشرة آلاف، وهكذا لتصل إلى المليون وإلى المئة مليون، اسحب الواحد فتبقى كلها أصفار، فمن دون هداية كلها أصفارٌ ستودي إلى جهنم والعياذ بالله. |
من هُم المغضوب عليم والضالون:
| (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) أعظم نعمةٍ هي نعمة الهداية، قال: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) المغضوب عليهم هُم الذين عرفوا وانحرفوا فغضِب الله عليهم، يعني الطريق من أين؟ من هُنا، عَرفه ثم ذهب بخلافه، هذا مغضوب عليهم. |
| الضالون؟ هُم قومٌ لم يعرفوا الطريق أصلاً، ضلَّ لم يعرف من أين يذهب، فلا نُريد أن نكون لا من الذين غضب الله عليهم، ولا من الضالين الذين لم يعرفوا الطريق أصلاً (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ). |
| ثم انظروا إلى هذه اللطيفة أنَّ الله تعالى قال: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ما قال: غير الذين غضبت عليهم، فلمّا تكلم بالنعمة قال: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ولمّا تكلم بالغضب قال: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) وهو الذي غضب جلَّ جلاله، فهذا من أدب القرآن، ومن جمالياته، ومن تخفيف الوقع على النفوس فيه. |
وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا(10)(سورة الجن)
| الشرّ أُريد بمن في الأرض (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا)، في سورة الكهف: |
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا(82)(سورة الكهف)
| فأراد ربُّك، لكن لمّا عاب السفينة قال: |
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا(79)(سورة الكهف)
| لمّا قال إبراهيم عليه السلام: |
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ(79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ(80)(سورة الشعراء)
| ما قال: والذي يُمرضني، نسَب المرض إلى نفسه، هذا أدب الحديث مع الله، أن لا يُنسَب إليه شرّ. |
{ لبيك وسعدَيْك، والخيرُ كُلُّه في يَدَيْكَ، والشرُّ ليس إليك }
(أخرجه مسلم وأبو داوود والترمذي)
| وإن كان كله من الله، لكن لا يُنسَب الشرّ إلى الله تعالى. |
| ثم يقول العبد آمين، أي اللهم استجب (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فيسأل الله أن يُجيبه إلى ما طلبه. |
| هذه دروسٌ سريعة، وفاتحة الكتاب فيها من الدروس والعِبر ما لو قضينا بها ساعات فلا يُسعفنا الوقت، ولكن حسبُنا ذلك حتى لا يُنسي الكلام أوله آخره. |
| وأسأل الله تعالى أن يُثيبني وإيّاكم خيراً على هذا المجلس، وأن يكون نوراً في صحائفنا يوم القيامة، مشهوداً عند الله تعالى، والحمد لله ربِّ العالمين. |

