القومتان

  • خطبة جمعة
  • 2026-05-15
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

القومتان

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد أيُّها الإخوة الأكارم: لم يكن يوماً كأي يوم، لم يكن يوماً عابراً عادياً، ذلك اليوم الذي أَذِنَ الله فيه لنور الوحي أن يُضيء أرضنا وحياتنا، فنزل الروح الأمين على قلب نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)
(سورة العلق)

يومها رجع نبينا صلى الله عليه وسلم إلى خديجة رضي الله عنها، يرجُف فؤاده يقول:

{ أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ثُمَّ فتَرَ عَنِّي الوحيُ فترةً، فبينما أنا أمشي سَمِعتُ صَوتًا مِنَ السَّماءِ، فرَفَعتُ بَصَري قِبَلَ السَّماءِ، فإذا المَلَكُ الذي جاءَني بحِراءٍ قاعِدٌ على كُرسيٍّ بينَ السَّماءِ والأرضِ، فجُئِثتُ منه، حتَّى هَويتُ إلى الأرضِ، فجِئتُ أهلي فقُلتُ: زَمِّلوني زَمِّلوني، فأنزَلَ اللهُ تَعالى {يا أيُّها المُدَّثِّرُ قُم فأنذِر} [المدثر: 2] إلى قَولِه: {والرُّجزَ فاهجُرْ} [المدثر: 5] }

(صحيح البخاري)


أقسَم المولى بأداة القلم وأثنى على نبيِّه بأعظم ثناءٍ عرفته البشرية:
فدثَّروه صلى الله عليه بدِثارٍ يتدفأ به، وجعلت خديجة رضي الله عنها تُخفِّف عنه وتقول: والله لا يُخزيك الله أبداً.
ولمّا سمع المشركون بالخبر، ما كان منهم إلا أن اتَّهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون، فأنزَل الله على رسوله سورة القلم، فأقسَم المولى بأداة القلم، التي ذكرها في سورة العلق في قوله:

الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)
(سورة العلق)

أقسَم بها فقال:

ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(1) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2)
(سورة القلم)

وليُثني على نبيِّه بعد ذلك بأعظم ثناءٍ عرفته البشرية، لم يبلغه مخلوقٌ قط:

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)
(سورة القلم)

وبعد ذلك يتوالى الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُخاطِب المولى جلَّ جلاله نبيَّهُ بملاطفةٍ لا تُخطئُها العرب، فالعرب إذا أرادوا أن يتحبَّبوا في النداء، نادوا الشخص بهيئته، أو بجلسته، أو بضجعته، وكذلك فعل المولى جلَّ جلاله مع نبينا صلى الله عليه وسلم فناداه:

يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا(2)
(سورة المزمل)

يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) قُمْ فَأَنذِرْ(2)
(سورة المدثر)


معنى المُزَّمِّلُ ومعنى المُدَّثِّر:
فأمّا المُزَّمِّلُ فهو المُتلفِّف بثيابه من البرد، أو أنه مُتلفِّفٌ بثيابه يريد النوم، وأمّا المُدَّثِّر فهو من اتخذَ دِثاراً أي غطاءً أو ثوباً يتدفأ به، ولا يخفى أنَّ الكلمتين تحملان لنا، مع معنى المُلاطفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تحملان لنا أتباع محمدٍ صلى الله عليه وسلم، معنىً جديداً مفاده، أنَّ عهد النوم قد انقضى وآن وقت القيام للعمل (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1) قُمِ) و (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ).
أيُّها الإخوة الأكارم: يمكن أن نقول في لطائف الإشارات، انزعوا عنكم كل تعلُّقٍ بشهوات الدنيا، تُعيقُكم عن العمل الصالح، وتأسركم عن القيام به، قوموا إلى ربِّكم، قوموا إلى خدمة عباده قبل فوات الأوان، أيُّها المُتزمِّلون، والمُتدثِّرون بثيابهم، أيُّها الغارقون في شهوات الدنيا، قوموا فإن الأمرَ جِدُّ خطير، وإنَّ موعد اللقاء قد اقترب.

هُما قومتان:
القومة الأولى قومة الليل:
أيُّها الإخوة الأكارم: هُما إذاً قومتان، القومة الأولى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) والقومة الثانية: (قُمْ فَأَنذِرْ) ولا غنىً لمؤمنٍ عن القومتين معاً، لا بُدَّ أن تقوم الليل، ولا بُدَّ أن تقوم النهار، أمّا قيام الليل فمن أجل حُسن الصِلة بالله، التي تُعينُكَ في نهارك على القيام بواجباتك، وأمّا قيام النهار فمن أجل تبليغ الدعوة، ومن أجل العمل لهداية الناس، ومن أجل استنقاذهِم من عذابٍ أليم.

{ بلِّغوا عنِّي ولو آيةً وحدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرجَ ومن كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعدَهُ من النَّارِ }

(أخرجه البخاري)

أيُّها الإخوة الكرام: لقد جاء الأمر في سورة المُزَّمِّل بقيام الليل مع ترتيل القرآن الكريم، فلا غِنى لأحدهما عن الآخَر.

يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا(2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا(3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا(4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا(5)
(سورة المزمل)

ثم بيَّن المولى جلَّ جلاله سبب ذلك الأمر، كأنَّ سائلاً يسأل لماذا أقوم الليل؟ فقال تعالى:

إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا(6)
(سورة المزمل)

بمعنى أنَّ ساعات الليل وما ينشأ فيها، من العبادات وتلاوة القرآن، والتقرُّب إلى الله تعالى، هذه ناشئة الليل، ما ينشأ في الليل من عبادةٍ، وطاعةٍ، وقُربٍ، ودُعاءٍ، ومُناجاةٍ، وتذلُّلٍ، وخُضوعٍ، وانكسارٍ على باب الله تعالى (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) بمعنى أنها أشدُّ مواطأةً وموافقةً بين السمع، والبصر، والقلب، واللسان، لأنَّ الأصوات قد انقطعت، ولأنَّ الحركات قد هدأت، ففرغ القلب من شواغله، فتواطأ القلب مع اللسان، وتواطأ السمع مع البصر، توافقا، فأصبح الطريق إلى الله سالكاً (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) وهي: (أَقْوَمُ قِيلًا) بمعنى أنها أشدُّ مقالاً، وأثبت قراءةً، وأكثر استقامةً واستمراراً على الصواب، ثم يقول المولى جلَّ جلاله:

إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا(7)
(سورة المزمل)

ففي النهار من أعباء القيام بحاجات الدنيا، وتلمُّس الرزق، والقيام بواجب التبليغ، والدعوة إلى الله، بالحال حيناً وبالمقال حيناً آخَر، فالمؤمن يدعو بحاله ولو لم يتكلم بكلمةٍ، وينذِر الناس من عذاب الله عندما يكون أميناً، صادقاً مع الناس، وكأنه يُرسل إليهم رسالةً أن: "إذا أردتم النجاة فكونوا صادقين، أُمناءً، أعِفَّةً"، فيدعو إلى الله بحاله وبمقاله.

لن تستعين على قيام النهار إلا بقيام الليل:
فالمؤمن في النهار له سَبحٌ طويل، له عملٌ طويل، يشغله عن القيام بالنوافل، يشغله رُبما عن الصِلة من خلال القيام بالصلاة، لكنه يبقى موصولاً بالله من خلال الأعمال الصالحة، ولأنَّ النهار فيه من المشاغل، ومخالطة الناس، ودعوتهم إلى الله ما فيه، ولا بُدَّ من الصبر، فيه أذى، وفيه صعوبات، كان لا بُدَّ لك من نصيبٍ من الليل، يُعينُك على نهارك، فلن تستعين على قيام النهار إلا بقيام الليل، هذا القيام في الليل يقوِّيك على شهوات النهار، ويصرِف عنك شُبهات النهار، ما أكثر ما في النهار من شهواتٍ تعرِضُ للإنسان، مبلغٌ لا يُرضي الله، نظرةٌ لا تُرضي الله، كلمةٌ لا تُرضي الله، شهوة الكلام، شهوة السمع، شهوة البصر، شهوة المال، وفي النهار شُبهات تعرِضُ للإنسان، تريد أن تفتنه عن دينه (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) كيف تقوى على الشهوات والشُبهات؟ بحُسن الصِلة بالله (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا(6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا).

النبي صلى الله عليه وسلم طبَّق قومة الليل أعظم تطبيق:
أيُّها الإخوة الكرام: لقد طبَّق النبي صلى الله عليه وسلم القومة الأولى، قومة الليل، طبَّقها أعظم تطبيق، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها:

{ أنَّ نَبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَقومُ مِنَ اللَّيلِ حتَّى تَتَفَطَّرَ قدَماه، فقالت عائِشةُ: لمَ تَصنَعُ هذا يا رَسولَ اللهِ، وقد غَفَرَ اللهُ لكَ ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تَأخَّرَ؟ قال: أفلا أُحِبُّ أن أكونَ عَبدًا شَكورًا، فلَمَّا كَثُرَ لَحمُه صَلَّى جالِسًا، فإذا أرادَ أن يَركَعَ قامَ فقَرَأ ثُمَّ رَكَعَ }

(أخرجه البخاري ومسلم وأحمد)

نحن نُصلّي لعلَّ الله يغفر لنا ذنوبنا، أمّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد غُفِرَ له ما تقدَّم وما تأخَّر، فاستغربت عائشة، لِمَ تُصلّي يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (أفلا أُحِبُّ أن أكونَ عَبدًا شَكورًا) ألا أشكر الله على عظيم نِعمه؟ وهل الصِلة به لمغفرة الذنوب فحسب؟ الصِلة به نوعٌ من أنواع العبودية، ونوعٌ من أنواع الشُكر، أفأترُك لذّة الوقوف بين يديه إن كان قد غَفرَ لي ذنبي؟ هذا حاله صلى الله عليه وسلم، تقول عائشة رضي الله عنها: (فلَمَّا كَثُرَ لَحمُه صَلَّى جالِسًا، فإذا أرادَ أن يَركَعَ قامَ فقَرَأ ثُمَّ رَكَعَ) لم يترُك القيام، كان يُصلّيه جالساً إذا تعب.
وهمَّ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يوماً بترك الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:

{ صليت ليلةً معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فلم يزلْ قائمًا حتى هممتُ بأمرِ سوءٍ قلنا: وما هممت به قال: هممت أن أقعدَ وأدعَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم }

(أخرجه البخاري ومسلم)

طبعاً يا كرام هذه صلاة الليل، هذه صلاته وحده صلى الله عليه وسلم، لا يُطيل في صلاة الفريضة، بل يدعو إلى التخفيف فيها على الناس، لكن في قيام الليل يُطيل ما شاء الله أن يُطيل.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال صلى الله عليه وسلم:

{ مَن قامَ بعشرِ آياتٍ لم يُكتَبْ منَ الغافلينَ، ومن قامَ بمائةِ آيةٍ كُتِبَ منَ القانتينَ، ومن قرأ بألفِ آيةٍ كُتِبَ منَ المقنطِرينَ }

(أخرجه أبو داود وابن خزيمة وابن حبان)

لو قمت الليل بركعتين، قرأت فيهما عشرُ آياتٍ، بعد صلاة العشاء، أو قبل صلاة الفجر، لم تُكتَب عند الله غافلاً، نجوت من الغفلة.
قال: (ومن قامَ بمائةِ آيةٍ كُتِبَ منَ القانتينَ) كثيري القيام، والخشوع، والدُعاء (ومن قرأ بألفِ آيةٍ كُتِبَ منَ المقنطِرينَ) أو المُقَنطَرين روايتان صحيحتان، أي الذين يطلبون الأجر العظيم الذي يُعادِل القناطير المُقنطرة من الله تعالى.
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:

{ أتاني جِبريلُ فقال: يا محمَّدُ، عِشْ ما شِئتَ فإنَّك مَيِّتٌ، وأحبِبْ مَن شِئتَ فإنَّك مُفارِقُه، واعمَلْ ما شِئتَ فإنَّك مَجزيٌّ به، واعلَمْ أنَّ شَرَفَ المؤمِنِ قيامُه باللَّيلِ، وعِزَّه استِغناؤه عن النَّاسِ }

(أخرجه الطبراني والحاكم)

أيُّها الإخوة الأكارم: هُما إذاً قومتان، القومة الأولى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) والقومة الثانية: (قُمْ فَأَنذِرْ) ولا غنىً لمؤمنٍ عن القومتين معاً، لا بُدَّ أن تقوم الليل، ولا بُدَّ أن تقوم النهار، أمّا قيام الليل فمن أجل حُسن الصِلة بالله، التي تُعينُكَ في نهارك على القيام بواجباتك، وأمّا قيام النهار فمن أجل تبليغ الدعوة، ومن أجل العمل لهداية الناس، ومن أجل استنقاذهِم من عذابٍ أليم.

القومة الثانية قيام النهار:
وأمّا القومة الثانية: قيام النهار، فجاء الأمر بها في سورة المُدثِّر: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) قُمْ فَأَنذِرْ) وجاءت مُجرَّدةً من الزمن، في قيام الليل: (قُمِ اللَّيْلَ) فالعبادات ترتبط دائماً بالأوقات، الظهر لها وقتها، والعصر لها وقتها، والوتر له وقته، والقيام له وقته، فالعبادات ترتبط بالأوقات، أمّا الإنذار فجاء عامّاً، في كل وقتٍ، لكنه في النهار أظهَر، فسمّيناه قيام النهار (قُمْ فَأَنذِرْ) في كل وقتٍ، في كل مكانٍ، في كل زمانٍ، وإن كان الإنذار في النهار أكثر.
إنَّ مَن يقوم الليل أيُّها الكرام، لا بُدَّ أن يقوم النهار، إنَّ من يُحسِن صِلته بالله سيندفع لخدمة عباد الله، وسيسعى جهده ليذوق الناس ما ذاقه من الأُنسِ بالله ولذيذ مُناجاته، هذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، يوصي سيدنا عُمر رضي الله عنه فيقول: "واعلَم أنَّ لله حقّاً بالليل لا يقبله بالنهار، وحقّاً بالنهار لا يقبله بالليل" هناك وقتٌ لخدمة الناس، وهناك وقتٌ لحُسن الصِلة بالله، فكان عُمر فيما رويَ عنه بعد ذلك يقول: لمّا سأله رجلٌ ألا تنام؟ كان يقول: "إني إن نمتُ ليلي كله أضعت نفسي أمام ربّي، وإن نمتُ نهاري أضعت رعيتي"، فكان يقوم الليل ويقوم النهار رضي الله عنه.

لا بُدَّ من قيام الليل ولو بركعات الوتر ولا بُدَّ من قيام النهار بخدمة الناس:
وهذا ما نُسمّيه أيُّها الكرام، بواجب الوقت أو عبادة الظرف، فلا بُدَّ من قيام الليل، ولو بركعات الوتر أيُّها الكرام، ولو أن يؤخِّر الإنسان الوتر فيوتر بثلاث، يُتِمُّها ويأتي بها على الوجه الصحيح، فالوتر بلا خلافٍ جزءٌ من قيام الليل، ومن زاد فهو خير، فلا بُدَّ من قيام الليل ولو بركعات الوتر، ولا بُدَّ من قيام النهار بخدمة الناس، فلا يحلو الليل إلا بمُناجاته، ولا يحلو النهار إلا بخدمة عباده.
لا يحلو ليل المؤمن إلا بمُناجاة الله، ولا يحلو نهاره إلا بخدمة عباد الله، ومَن لم يدفعه قيام الليل إلى قيام النهار كما يريد الله، فليُراجع قيامه، فلعلَّه قرأ الآيات ولكنه لم يقُم بها حقَّ القيام.

يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) قُمْ فَأَنذِرْ(2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3)
(سورة المدثر)

تعظيم الله تعالى.

وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(4)
(سورة المدثر)

كنايةٌ عن طهارة الثوب، وطهارة النفس من المعاصي، والآثام، والشهوات، وطهارة النيَّة من عدم الإخلاص لله تعالى، طهارتها من الرياء.

وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ(5)
(سورة المدثر)

اترُك المعاصي والآثام، فلا طهارة للقلب إن كان مُتعلِّقاً بالأوثان والشهوات، لا طهارة له إلا بنبذ المعاصي والآثام.

لا تَمُنَّ على الله طاعتك ولا تَمُنَّ على الناس خدمتهم:

وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ(6)
(سورة المدثر)

فإن وفَّقك الله تعالى إلى عملٍ صالحٍ، إلى قيام ليلٍ، إلى دعوة الناس إلى الله تعالى، فلا تَمُنَّ على الله طاعتك، ولا تَمُنَّ على الناس خدمتهم، تريد أن يُكافئوك عليها، تريد الإكثار.

وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ(6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ(7)
(سورة المدثر)

لا بُدَّ أن تستعين بالصبر في قيام الليل وقيام النهار، بالصبر على طاعته، وعن معصيته، وعلى قضائه وقدره، فسلاح الصبر ينبغي أن يُرافقك، في قيام الليل وفي قيام النهار، في قيام الليل صبرٌ على الطاعة، وفي قيام النهار صبرٌ على الأذى، الذي يلحَق القائم بأمر الله تعالى.
أيُّها الإخوة الكرام: إن وفَّقكَ الله لعملٍ صالحٍ فلا تَمُنَّ على الناس طاعتك، يقول ابن عطاء الله السكندري: <<إذا أراد ربُك إظهار فضله عليك، خلق الفضل ونسبه إليك>>.
فأنت عندما تفعل معروفاً، إنما أجراه الله على يديك، وهو صاحب الفضل فلا تَمنُن على الناس فِعلاً تفعله.

أيام العشر من ذي الحجة فرصةٌ عظيمة لتحقيق القومَتين معاً:
أيُّها الكرام: نحن مُقبِلون بعد أيامٍ قليلة، على خير أيام الدنيا، أيام العشر من ذي الحجة، وهذه فرصةٌ عظيمة لتحقيق القومَتين معاً، قيام الليل وقيام النهار، يقول صلى الله عليه وسلم:

{ ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ، قالوا: يا رسولَ اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجل خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجِعْ من ذلك بشيءٍ }

(أخرجه البخاري)

فتحقيق القومة الأولى في هذه الأيام، يكون بالإكثار من النوافل صلاةً وصياماً.

{ صيامُ يومِ عَرفةَ إنّي أحْتسبُ على اللهِ أن يُكفّرَ السنَةَ التي بعدهُ، والسنةَ التي قبلهُ }

(أخرجه مسلم)

كل هذه النوافل، قيام الليل في هذه الأيام العشر، زيادةٌ في الخير والأجر، كلها أعمالٌ صالحة، قراءة القرآن، هذا من القومة الأولى، من حُسن الصلة بالله، يقول صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام:

{ ما من أيَّامٍ أعظمُ عندَ اللهِ ولا أحبُّ إليهِ العملُ فيهنَّ من هذِه الأيَّامِ العشرِ فأكثروا فيهنَّ منَ التَّهليلِ والتَّحميدِ والتسبيح والتَّكبيرِ }

(أخرجه الطبراني والبيهقي وأحمد)

(التَّهليلِ) لا إله إلا الله (والتَّكبيرِ) الله أكبر (والتَّحميدِ) الحمد لله، وهذا كله يُحسِّن صِلة العبد بخالقه، كله قيامٌ بحُسن الصِلة بالله، وبعد ذلك تتحقق القومة الثانية، باستثمار هذه الأيام بالدعوة إلى الله، بالإحسان إلى عباده، بالصدَقَة، بإطعام الطعام، ويتوِّجُها القادر بالأُضحية في يوم النحر.

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ(2)
(سورة الكوثر)

هذه القومة الأولى (وَانْحَرْ) بإطعام عباده، هذا قيام النهار.

ما يُسَنُّ لمَن أراد الأُضحية:
أيُّها الكرام: يُسَنُّ لمَن أراد الأُضحية، يُسَنُّ ولا يجب:

{ مَن كانَ له ذِبحٌ يَذبَحُه فإذا أُهِلَّ هِلالُ ذي الحِجَّةِ، فلا يَأخُذَنَّ مِن شَعرِه ولا مِن أظفارِه شيئًا حتَّى يُضَحِّيَ }

(صحيح مسلم)

وهذا خاصٌ بالمُضَّحي فقط، وليس بأهل بيته، دافع ثمن الأُضحية يُسَنُّ له أن لا يأخذ من شعره وأظفاره، تشبُّهاً بالمُحرِم الذي يمتنع عن الشَعر والأظافر وأشياءٍ أُخرى، أمّا المُضحَّي فيمتنِع فقط عن شعره وأظفاره، من لحظة دخول شهر ذي الحجة إلى أن يذبح أُضحيته.

النبي الكريم قام بواجب قيام النهار وقيام الليل أعظم قيام:
أيُّها الكرام، أيُّها الأحباب: لقد فَهِمَ النبي صلى الله عليه وسلم (قُمْ فَأَنذِرْ) و (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) أعظم فَهمٍ وأعمق فَهمٍ، فقام بالليل، وقام بالإنذار والبشارة، وحمَلَ أعباء الدعوة أعظم قيامٍ، حتى قال له ربُّه:

فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا(6)
(سورة الكهف)

(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ) أي ستُهلِك نفسك من أجلهم.

أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(8)
(سورة فاطر)

قام بواجب قيام النهار أعظم قيام، ليستنقذ الناس من الضلالة، كما قام بواجب قيام الليل أعظم قيام.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخِذ حِذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاكَ وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبُنا عليك اتكالنا.
اللهم إنّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل.
اللهم إنّا نسألك رضاك، وأن لا تشغلنا بسِواك، وأن تجمعنا في مُستقر رحمتك بحبيبك ومُصطفاك.
اللهم إنّا نسألك لأهلنا المُستضعفين في كل مكان، في غزَّة وفي فلسطين وفي كل مكانٍ يُذكَر فيه اسمُك، نصراً مؤزَّراً وفرجاً عاجلاً، نسألك أن تُطعِم جياعهم، وأن تكسو عُريانهم، وأن ترحم مُصابهم، وأن تؤوي غريبهم، وأن تجعل لنا في ذلك عملاً مُتقبَّلاً ودُعاءً صادقاً، وأن تغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا، نسألك اللهم أن تُهلِك أعداء المسلمين.
اللهم مَن أراد بالإسلام ودياره وأهله خيراً فوفِّقهُ لكل خير، ومَن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيزٍ مُقتدِر، واجعله عبرةً لمَن يعتبِر.
اللهم إنّا نسألك أن تُبرِم لهذه الأُمة أمر رشد، يُعزُّ فيه أهل طاعتك، ويُهدى فيه أهل عصيانك، ويؤمَر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المُنكَر، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه.
نسألك لبلادنا أمناً وأماناً، وللقائمين عليها سداداً ورشاداً، والحمد لله ربِّ العالمين.