242-فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.

  • 2026-08-14
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

242-فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

مقدمة:
وبعد أيُّها الإخوة الكرام: يقول ربيعة بن كعبٍ الأسلمي رضي الله عنه:

{ كُنتُ أبيتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتَيتُه بوَضوئِه وحاجَتِه - أي بالماء الذي يتوضأ به - فقال لي: سَلْ، فقُلتُ: أسألُك مُرافَقَتَك في الجَنَّةِ، قال: أو غيرَ ذلك؟ قُلتُ: هو ذاك، قال: فأعِنِّي على نَفسِك بكَثرةِ السُّجودِ }

(أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود)

عرف ربيعة بن كعبٍ الأَسلمي ما يطلب، ذاق طعم مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا، ذاق طعم المحبَّة، فأراد أن يدوم ذلك في جنَّة الخُلد، فلم يطلب من الدنيا شيئاً، لا بيتاً، ولا زوجةً، ولا مالاً، ولا عملاً، قال: (أسألُك مُرافَقَتَك في الجَنَّةِ، قال: أو غيرَ ذلك؟ قُلتُ: هو ذاك) لا أُريد غيره، فقال صلى الله عليه وسلم: (فأعِنِّي على نَفسِك بكَثرةِ السُّجودِ) أكثِر من الصلاة، أطِل في السجود والتقرُّب من الله تعالى، لأنَّ هذه مرتبةٌ عظيمةٌ في الجنَّة، يجب أن تبذُل من أجلها جُهداً ووقت.

إن كنت تُحب نبيَّك فعليك باتِّباعه وطاعته والتزام أمره:
أيُّها الإخوة الكرام: ألا تُحب أن تكون رفيق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنَّة؟ ألا تُحب أن تُحشَر مع مَن تُحب؟ إذاً عليك باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطاعته والتزام أمره، قال تعالى:

وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا(69)
(سورة النساء)

نحن لسنا في مرتبة الأنبياء والصدّيقين، ولكننا إن أطَعنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فأتينا ما أمَر، وتركنا ما نهى عنه وزجر، فإننا نرجو إن شاء الله تعالى، أن يحشرنا معهم في جنَّة الخُلد.

النبي صلى الله عليه وسلم أُسوةٌ لنا:
أيُّها الإخوة الكرام: النبي صلى الله عليه وسلم أُسوةٌ لنا، النبي صلى الله عليه وسلم قدوةٌ لكل مؤمنٍ، قال تعالى:

لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21)
(سورة الأحزاب)


حتى تتحقَّق الأُسوة لا بُدَّ من ثلاث صفاتٍ فيه صلى الله عليه وسلم:
فكيف تتحقَّق الأُسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا بُدَّ حتى تتحقَّق الأُسوة، من ثلاث صفاتٍ فيه صلى الله عليه وسلم، الأولى بشريته.

الصفة الأولى بشريته:
أول صفةٍ لتتحقَّق الأُسوة، هي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بَشَر، تجري عليه كل خصائص البَشَر، ولولا أنه كان بَشَراً لقال قائلٌ كيف نقتدي به؟ هو مَلَكٌ من الملائكة، ونحن بَشرٌ نرضى ونغضب، ونجوع ونعطَش، ونُحاصَر، ويُصيبنا من هموم الدنيا ما يُصيبنا، فكيف نتأسّى به؟ فأول صفةٍ في رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لا يقول قائلٌ كيف أتأسى به؟ هو بَشَر، أكَّد القرآن الكريم هذا المعنى في آياتٍ عِدة، قال تعالى:

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)
(سورة الكهف)

وقال صلى الله عليه وسلم:

{ كانَت عِندَ أُمِّ سُلَيمٍ يَتيمةٌ - وهي أُمُّ أنَسٍ- فرَأى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اليَتيمةَ، فقال: آنتِ هيه؟ لقد كَبِرتِ، لا كَبِرَ سِنُّكِ. فرَجَعَتِ اليَتيمةُ إلى أُمِّ سُلَيمٍ تَبكي، فقالت أُمُّ سُلَيمٍ: ما لَكِ يا بُنَيَّةُ؟ قالتِ الجاريةُ: دَعا عليَّ نَبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن لا يَكبَرَ سِنِّي، فالآنَ لا يَكبَرُ سِنِّي أبَدًا -أو قالت: قَرني- فخَرَجَت أُمُّ سُلَيمٍ مُستَعجِلةً تَلوثُ خِمارَها، حتَّى لَقيَت رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال لَها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما لَكِ يا أُمَّ سُلَيمٍ؟ فقالت: يا نَبيَّ اللهِ، أدَعَوتَ على يَتيمَتي؟! قال: وما ذاكِ يا أُمَّ سُلَيمٍ؟ قالت: زَعَمَت أنَّكَ دَعَوتَ أن لا يَكبَرَ سِنُّها، ولا يَكبَرَ قَرنُها! قال: فضَحِكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قال: يا أُمَّ سُلَيمٍ، أما تَعلَمينَ أنَّ شَرطي على رَبِّي أنِّي اشتَرَطتُ على رَبِّي فقُلتُ: إنَّما أنا بَشَرٌ، أرضى كما يَرضى البَشَرُ، وأغضَبُ كما يَغضَبُ البَشَرُ، فأيُّما أحَدٍ دَعَوتُ عليه مِن أُمَّتي بدَعوةٍ ليس لَها بأهلٍ، أن يَجعَلَها له طَهورًا وزَكاةً، وقُربةً يُقَرِّبُه بها منه يَومَ القيامةِ }

(صحيح مسلم)

فلولا أنه صلى الله عليه وسلم بَشَر تجري عليه كل خصائص البَشَر، لما كان - بأبي هو وأمي - سيِّد البَشَر.
أيُّها الإخوة الكرام: يقول تعالى:

وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ(8)
(سورة الأنعام)

هؤلاء المشركون مُتعلِّقون إلى أبعد حدٍّ بعالَم الشهادة، يريدون مَلَكاً ينزل من السماء حتى يتَّبِعوه، كيف نتَّبِعُ بشراً؟ قال تعالى: (وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ) لا يُمهَلون بعد ذلك، لا يُمهلهم الله، لأنَّ الله تعالى جرَت سُنَّته أنه إذا أنزل الملائكة، وأنزل الآيات الشاهدة وليست الغيب، فإنَّ الله يُعذِّب بعد ذلك ولا يُمهِل (وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ) أي لا يُمهلهم الله تعالى، فيُعذِّبهم لأنهم لن يؤمنوا ولو أُنزل المَلَك، ماذا قال الله تعالى بعدها؟ قال:

وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ(9)
(سورة الأنعام)

لأنَّ حكمة الله تعالى تقتضي أن يكون الرسول من أنفسنا.

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ(164)
(سورة آل عمران)

أيُّها الإخوة الكرام: أول صفةٍ في رسول الله صلى الله عليه وسلم تجعل الأُسوة به مُحقَّقةً أنه بَشَر.

الصفة الثانية: أنه معصومٌ عن أن يُخطئ في أقواله وفي أفعاله وفي إقراره:
الصفة الثانية: أنه معصومٌ صلى الله عليه وسلم، معصومٌ عن أن يُخطئ في أقواله، أو في أفعاله، أو في إقراره، عَصَمه الله تعالى عن الخطأ، وإلا لو لم يُعصَم عن الخطأ، لكان الأمر بالـتأسي به، أمراً بالاقتداء بالخطأ وبالصواب (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فلو كان صلى الله عليه وسلم يُخطئ في التشريع، ونحن مأمورون باتِّباعه، إذاً نحن سنتَّبِع الخطأ، فلذلك عَصَمه الله تعالى عن أن يُخطئ، في أقواله، أو في أفعاله، أو في إقراره، ليكون التأسي به واجباً على كل مؤمنٍ.
أيُّها الإخوة الكرام: لمّا خاطَب الله نبيِّه صلى الله عليه وسلم قال:

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ(90)
(سورة الأنعام)

اقتدِ بهديهم، لكن لمّا خاطبنا قال: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ) في شخصه صلى الله عليه وسلم، (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) لأنه معصوم، فأنت كلما تأسيت به أكثر، اقتربت مما يريده الله منك أكثر وأكثر (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).

الأُسوة أعمَق من القدوة:
أيُّها الإخوة الكرام: الأُسوة أعمَق من القدوة، الأُسوة تتعلَّق غالباً بالمِحَن، بالابتلاءات:

فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ(93)
(سورة الأعراف)

من الأسى والحزن.
فالأُسوة فيها معنى أعمَق من القدوة، وهو أنها تتعلَّق بالمِحَن والابتلاءات، فأنت عندما تنظُر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ترى فيها تأسّياً بكل ما مرَّ به من مواقفٍ مرَّ بها صلى الله عليه وسلم.

كيف نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم:
لكن السؤال الذي يُطرَح هُنا أيُّها الكرام: كيف نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم، وهو المُصطفى من الله، وهو الموحى إليه؟ لعلَّ قائلاً يقول: كيف أتَّبِعه صلى الله عليه وسلم؟ هو معصومٌ وأنا أقع في الخطأ، هو مُصطفى من الله عزَّ وجل اصطفاه الله، هو موحى إليه، ونحن لا يوحى إلينا، فكيف؟
أيُّها الإخوة الكرام: ردَّاً على هذا السؤال نقول: أحياناً نختلف مع بعضنا في مسألةٍ، يختلف شخصٌ مع آخر في موضوع، ميراث، شراكة، شيءٌ ما، يختلف شخصان، فكلٌّ منهما يقول: هذا رأيي، الأول يقول: هذا رأيي وهو الصواب، وقِلةٌ مَن يقول ويحتمل الخطأ، كما كان يقول الإمام الشافعي، نحن نعتقد دائماً أنَّ آراءنا هي الصواب، والثاني يقول: بل هذا رأيي وهو الصواب، فمَن الذي يحكُم؟ نحتاج إلى طرفٍ ثالثٍ نُحكِّمه بينهما:

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا(35)
(سورة النساء)

في النزاعات الزوجية، فنحتاج إلى طرفٍ ثالثٍ ليحكُم بيننا، وهذا الطرف يجب أن تتوفر فيه ثلاثة شروط:

ثلاثة شروط لمن كان حَكماً بين طرفين:
الشرط الأول: أن لا يكون طرفاً في الخصومة، لا يكون قريبٌ لأحد المُتخاصِمَين، أن لا يكون صديقاً حميماً، أن لا يكون شريكه في العمل، أول بندٍ: أن لا يكون طرفاً في الخصومة.
الشرط الثاني: أن لا يُحابيَ أحداً، لا يكون عنده مُحاباة، يميل إلى طرفٍ دون طرف.
الشرط الثالث: أن يكون هدفه منفعة الجميع، لا يريد الإساءة إلى طرفٍ، فإذا حكم لفلانٍ بالمال، فقد أعطاه حقَّه، وقد برَّأ الثاني من أن يأخُذ حقَّ غيره بالباطل، فهدفه منفعة الجميع، لا يريد الاقتصاص من أحدٍ ولا النَيل من أحد، هذه هي الشروط الثلاثة في أي حَكَمٍ، الشرط الأول أن لا يكون طرفاً في الخصومة، الشرط الثاني أن لا يُحابي أحداً، والشرط الثالث أن يكون هدفه منفعة الجميع، جميع الأطراف.
مَن الذي يحكُم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون؟ الله تعالى، الله تعالى يحكُم بين عباده، قال تعالى:

أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ(3)
(سورة الزمر)

قال تعالى:

قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(46)
(سورة الزمر)

كذلك في آيةٍ أُخرى:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(113)
(سورة البقرة)


الله جلَّ جلاله هو من يحكُم بين عباده في أي اختلاف:
قول، اليهود يقولون: النصارى ليسوا على شيءٍ من الدين، (وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ) كل واحدٍ يقول: أنا الصواب، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ) نحن أصحاب الدين الصحيح، (وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) بينهم التوراة والإنجيل، فلا ينبغي أن يختلفوا، لأنَّ هناك حَكَماً عدلاً بينهما، لكن تركوه، قال تعالى: (كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) مُشركو العرب (كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) أين الحَكَم؟ (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) لا بُدَّ من أن يحكُم بينهم طرفٌ ثالث.
جلَّ جلاله، ولله المثل الأعلى هو مَن يحكُم بين عباده في أي اختلاف، من أجل أن نعرِف أين الصواب، والله تعالى جلَّ جلاله، حاشاه، نعود إلى الشروط الثلاثة، حاشاه جلَّ جلاله أن يكون طرفاً في خصومةٍ، فهو العدل الحَكَم.
مما يُروى أنَّ عُمر رضي الله عنه، لمَّا أوصى سعد بن أبي وقاص، لمّا أَمَّره على حرب العراق، قال له: "يا سعد: لا يُغرَّنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنَّ الله ليس بينه وبين أحدٍ نَسَبٌ إلا بطاعته"، الله تعالى ليس بينه وبين عباده نَسَب، فهو الحَكَم جلَّ جلاله، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)
(سورة الحجرات)


الله تعالى لا يُحابي أحداً بل يتعامل مع عباده بالقوانين والسُنَن:
فالله تعالى لا يُحابي أحداً، يتعامل مع عباده بالقوانين، بالسُنَن.

وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ(124)
(سورة طه)

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)
(سورة النحل)

قوانين، سُنَن لا تتخلَّف.

فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا(2)
(سورة الطلاق)

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)
(سورة البقرة)

قانون، سُنَّة.

اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا(43)
(سورة فاطر)

فالله تعالى لا يُحابي أحداً، يتعامل مع عباده بالسُنَن.

فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ(8)
(سورة الزلزلة)

والله تعالى يريد منفعة الجميع، عندما أمَرَ الله تعالى المؤمن أن يغضَّ بصره عن محارم الناس، أمَرَ ملياري مسلمٍ أن يغضّوا بصرهم عن محارمك.
عندما أمَرَ الله تعالى المُسلم أن لا يسرق مال الآخرين، أمَرَ ملياري مُسلمٍ أن يحترموا حقَّه في التملُّك، وأن لا يعتدوا على حقِّه في المال، المنفعة للجميع في شرع الله تعالى.
عندما أمرَك الله تعالى أن لا تغتاب مُسلماً فتذكره بسوءٍ، أمَرَ ملياري مُسلمٍ أن لا يغتابوك، وأن لا يذكروك بسوءٍ ليحمي سُمعتك، فالله تعالى جلَّ جلاله هو الحَكَم، العدل بين عباده، ليس طرفاً في أي خصومةٍ حاشاه، لا يُحابي أحداً من عباده، يتعامل بالسُنَن، وحاشاه أن يُحابي أحداً، شرعه منفعةٌ للجميع، فهو جلَّ جلاله من يحكُم بين عباده.

الله تعالى أرسل رسوله المعصوم ليُبلِّغك شرع الله عزَّ وجل:
ما علاقة ذلك بعصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الآن الله تعالى أرسل رسوله المعصوم ليُبلِّغك شرع الله عزَّ وجل، لذلك أنت تتأسى به، لأنه صلى الله عليه وسلم ليس طرفاً في خصومةٍ، ولأنه صلى الله عليه وسلم لا يُحابي أحداً في حقٍّ، قال:

{ من بطَّأ به عملُه لم يُسرِعْ به نسَبُه }

(أخرجه مسلم)

أبداً، صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى:

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا(40)
(سورة الأحزاب)

فالنبي صلى الله عليه وسلم مُنزَّهٌ عن أن يُخطئ، معصومٌ عن أن يُخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره، فعندما نختلف في شيءٍ، نرجع إلى سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنجد فيها المخرَج، لذلك قال تعالى:

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(65)
(سورة النساء)

قَسَمٌ يأخُذ بالألباب، يُقسِم بربِّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ربِّنا، لكن يقول له: يا محمد (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) عندما يقع خلافٌ بيني وبينك، نحتاج إلى الطرف الثالث ليحكُم بيننا، مَن هو؟ كتاب الله تعالى، سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم (حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، لا يكفي، قال: (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ) لأنَّ شرع الله منفعةٌ للجميع.
فعندما يخرُج الحُكم الشرعي الناقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول لك: هذا لا يجوز، هذا ليس حقّاً لك، هذا درهمٌ حرام، فهذا منفعةٌ لك أنت.
عندما يقول شرع الله للمرأة: إذا طُلّقتِ فلكِ نصف مهركِ، أو مهركِ كاملاً، ليس لكِ نصف أملاك زوجك كما هو في الغرب، فهذا منفعةٌ لكِ أنت، لأنه شرع الله، وشرع الله ليس فيه إلا النفع (حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ)، ما يقع في قلبك ضيقٌ، يقول أحدهم: هكذا الشرع يقول؟ هل هكذا هو الدين؟ (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ) أبداً، لا يكفي، قال: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، تسليمٌ كامل لمنهَج الله تعالى، هكذا يريد شرع الله؟ إذاً أنا مع شرع الله، أدور معه حيث ما دار، هكذا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم المُبلِّغ عن الله تعالى، إذاً أنا مع حُكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذاً أيُّها الكرام: حتى تتحقّق الأُسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم: أولاً بشريته، ثانياً عِصمته صلى الله عليه وسلم، ثالثاً أنه قد مرَّ في حياته كل ما يمُرّ بحياتنا وسيمُرّ إلى قيام الساعة، لأنَّ الإنسان أحياناً يقتدي بجانبٍ مُعيَّن، بأشخاصٍ مُعيَّنين، فنقول له: فُلانٌ قدوةٌ لك في الكرَم، لكن هذا الرجُل لا تقتدِ به في الغيبة، فأحياناً يغتاب الناس، لكن هو قدوةٌ في الكرَم فقط، في جانبٍ مُعيَّن.

الصفة الثالثة: أنه قد مرَّ في حياته كل ما يمُرّ بحياتنا وسيمُرّ إلى قيام الساعة
هذا فُلانٌ قدوةٌ لك في صلاته وحُسن صلاته، لكن ينبغي أن تنتبه فهو بخيلٌ بعض الشيء، لا تقتدِ به في البُخل، كلٌّ منّا له صفاتٌ يُقتدى بها، وله صفاتٌ لا يُقتدى بها، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده مَن مرَّت في حياته كل الصفات، وكل المناسبات، وكل الوقائع، فوقف من كلٍّ منها الموقف الأمثل.

بعض المواقف التي مرَّ بها رسول الله في حياته:
إن قُلت لي: قد جِعتُ يوماً، أقول لك: لك في رسول الله أُسوةٌ حسنة، ألم يقُل صلى الله عليه وسلم:

{ لقد أُخِفتُ في اللَّهِ وما يُخافُ أحدٌ، ولقد أوذيتُ في اللَّهِ وما يُؤذى أحدٌ، ولقد أتت عليَّ ثلاثونَ من بينِ يومٍ وليلةٍ وما لي ولبلالٍ طعامٌ يأْكلُهُ ذو كبدٍ إلاَّ شيءٌ يواريهِ إبطُ بلالٍ }

(أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجه)

حوصِر في الشِعِب، لم يجد ما يأكله.
وإن قُلت لي: قد جمعت مالاً، قُلت لك: لك في رسول الله أُسوةٌ حسنة، فقد أغناه الله تعالى:

وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ(8)
(سورة الضحى)

فقال له أعرابيٌ : لمَن هذا الغنم بين جبلين؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟!

{ ما سُئِلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الإسلامِ شيئًا إلَّا أعطاه، قال: فجاءَه رَجُلٌ فأعطاه غَنَمًا بينَ جَبَلَينِ، فرَجَعَ إلى قَومِه، فقال: يا قَومِ أسلِموا، فإنَّ مُحَمَّدًا يُعطي عَطاءً لا يَخشى الفاقةَ }

(صحيح مسلم)

كرَمٌ عند وجود المال، وتجمُّلٌ وصبرٌ عند فقده.
وإن قُلت لي: الضعف، أنا ضعيفٌ، قُلت لك: لك في رسول الله أُسوةٌ حسنة، هل وجدت ضعفاً أكثر من أن يلحَق به الصبية في أزقة الطائف، فيرموه بالحجارة حتى تُدمى قدمه الشريفة، فماذا فعل في مواقف الضعف؟ لمّا جاءه مَلَك الجبال وقال:

{ أنَّها قالتْ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : هل أتَى عليكَ يومٌ كانَ أشدَّ مِن يومِ أحدٍ؟ فقالَ: لقد لقيتُ مِن قومِكِ، وَكانَ أشدَّ ما لقيتُ منهُم يومَ العقبةِ إذ عرضتُ نفسي على ابنِ عبدِ ياليلَ بنِ عبدِ كلالٍ، فلَم يجبْني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأَنا مَهْمومٌ علَى وجهي، فلَم أستفِقْ إلَّا وأَنا بقرنِ الثَّعالبِ، فرفعتُ رأسي، فإذا بسحابةٍ قد أظلَّتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ عليهِ السَّلامُ، فَناداني فقالَ: يا محمَّدُ، إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ، قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ، وما ردُّوا عليكَ، وقد بعثَ اللَّهُ ملَكَ الجبالِ لتأمرَهُ بما شئتَ فيهِم قالَ: فَناداني ملَكُ الجبالِ: فسلَّمَ عليَّ، ثمَّ قالَ: يا محمَّدُ: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ، وأَنا ملَكُ الجبالِ، وقد بعثَني ربُّكَ إليكَ لتأمرَني أمرَكَ، وبما شئتَ، إن شئتَ أن أُطْبِقَ عليهِمُ الأخشبَينِ فعلتُ، فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: بل أرجو أن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ، لا يشرِكُ بِهِ شيئًا }

(أخرجه البخاري ومسلم)

{ شهِدتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ حينَ كُسرت رباعيتُه، وجُرحَ وجهُه، وَهُشِّمتِ البَيضةُ علَى رأسَه، وإنِّي لأعرفُ مَن يغسلُ الدَّمَ عن وجهِه، ومَن ينقلُ علَيهِ الماءَ، وماذا جعلَ علَى جُرحِه حتَّى رقأَ الدَّمُ، كانت فاطمةُ بنتُ محمَّدٍ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ تغسلُ الدَّمَ عن وجهِه، وعليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ ينقلُ الماءَ إليها في مَجنَّةٍ، فلمَّا غسلتِ الدَّمَ عن وجهِ أبيها أحرقَت حصيرًا، حتَّى إذا صارت رمادًا أخذت منَ ذلِك الرَّمادِ فوضعتهُ علَى وجهِه حتَّى رقأَ الدَّمُ، ثمَّ قال: يومئذٍ اشتدَّ غضبُ اللهِ علَى قومٍ كَلَمُوا وجهَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم، ثمَّ مَكثَ ساعةً، ثمَّ قال: اللَّهمَّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمونَ }

(أخرجه مسلم والطبراني والترمذي وابن ماجه)

دعا لهم بالهِداية، واعتذر عنهم، وقد فعلوا ما فعلوا، ولم يتخلَّ عنهم، قال: (اللَّهمَّ اغفر لقومي) هؤلاء قومي.
وإن قُلت لي: قد قوَّاني الله ومكنّي بعد ضعفٍ، قُلت لك: ها قد مكَّن الله تعالى نبيِّه صلى الله عليه وسلم بعد ضعفٍ، فعاد إلى مكَّة فاتحاً، بعد أن أخرجته ونكَّلت بأصحابه، فدخل مُطأطئ الرأس تواضعاً لله تعالى، حتى كادت ذؤابة عمامته تُلامس عنق بعيره، وهو يقول:

{ مَن دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمِنٌ، ومَن دخل المسجدَ فهو آمنٌ، ومَن أغلق بابَه فهو آمِنٌ }

(أخرجه أبو داود والبيهقي)

هذا ما فعله.
وإن قُلت لي: فقدتُ، قُلت لك: قد فقَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدَ ولده الذي جاد بنفسه بين يديه، وهو يقول:

{ دَخَلنا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أبي سَيفٍ القَينِ، وكان ظِئرًا لإبراهيمَ عليه السَّلامُ، فأخَذَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إبراهيمَ، فقَبَّلَه، وشَمَّه، ثُمَّ دَخَلنا عليه بَعدَ ذلك وإبراهيمُ يَجودُ بنَفسِه، فجَعَلَت عَينا رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَذرِفانِ، فقال له عبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ رَضيَ اللهُ عنه: وأنتَ يا رَسولَ اللهِ؟ فقال: يا ابنَ عَوفٍ إنَّها رَحمةٌ، ثُمَّ أتبَعَها بأُخرى، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ العَينَ تَدمَعُ، والقَلبَ يَحزَنُ، ولا نَقولُ إلَّا ما يَرضى رَبُّنا، وإنَّا بفِراقِكَ يا إبراهيمُ لَمَحزونونَ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

وإن قُلت: تكلموا في سُمعتي، قُلت لك: قد تكلموا في عِرض أُمِّنا عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، المُبرَّأة من فوق سبع سماوات، فما أخذه الغضب الذي يأخُذ بعض الرجال، وإنما انتظر وحي الله تعالى والتزمه.

النبي وقف في كل موقفٍ أعظم ما يمكن أن يقفه بَشَرٌ لتتحقَّق الأُسوة به:
ماذا تقول؟ سَلني عن شيءٍ وقع في حياتك لأقول لك قد وقع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، من عُسرٍ أو يُسر، من قوةٍ أو ضعف، لذلك هو الأًسوة صلى الله عليه وسلم، لأنك كلما وجدت شيئاً في حياتك، كيف تصرَّف مع الخادم؟ كيف تصرَّف مع زوجه، كيف عامَل أُسرته؟ كيف عامَل عدوه؟ كيف كان في الحرب؟ كيف كان في السِلم؟ كيف كان في الحصار؟ كيف كان في الحرية؟ هذا ما أُسمّيه أحياناً، الإعجاز في سُنَّة رسول الله، في سيرة رسول الله، أنك تستغرب أنه في هذه السنوات الثلاث والعشرين، ذاقَ من كل ما يذوقه البَشَر، فوقف في كل موقفٍ أعظم ما يمكن أن يقفه بَشَرٌ، لتتحقَّق الأُسوة به صلى الله عليه وسلم.
أيُّها الإخوة الكرام: نحن بحاجةٍ في تعاملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حُبٍّ واتِّباع، حُبٍّ نرقى به ويأخُذ بأيدينا، وإن لم تبلُغ أعمالنا ما بَلَغه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن تبلُغ، وإلى اتِّباعٍ نُبرهن فيه على محبَّتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لمّا كثُر مُدَّعو المحبة طولبوا بالدليل، قال تعالى:

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(31)
(سورة آل عمران)

كلٌّ يدَّعي، أنا أُحبُّ الله، كلامٌ سهل (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فإذا اتَّبعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبَّنا الله تعالى.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
لا إله إلا أنت سبحانك إنّا كُنّا من الظالمين وأنت أرحم الراحمين.
وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا أنت حسبُنا عليك اتكالنا.
اللهم إنّا نسألك لأهلنا في غزَّة، لأهلنا في فلسطين فرجاً عاجلاً يا أرحم الراحمين.
اللهم إنّا نسألك لأهلنا في كل مكانٍ فرجاً تُعز فيه دينك وتُعز فيه أولياءك.
اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في ذلك عملاً مُتقبَّلاً.
اللهم يا أكرم الأكرمين ابسُط أمنك وأمانك على بلادنا، اجعلها مُستظلةً بكتابك وبسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، ووفِّق القائمين عليها لما فيه مرضاتك وللعمل بكتابك وبسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربِّ العالمين.