سورة البقرة - 15: شرح الآيات 83-85
سورة البقرة - 15: شرح الآيات 83-85
| السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
| بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
| اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً وعملاً مُتقبَّلاً يا ربَّ العالمين. |
| اللهم أخرجنا من ظُلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات. |
| وبعد أيُّها الكرام: فهذا لقاؤنا الرابع عشر من لقاءات تدبُّر سورة البقرة، وقد وصلنا إلى الآية الثالثة والثمانين من السورة وهي قوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: |
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ(83)(سورة البقرة)
مقدمة تذكيرية:
| ما تزال الآيات تتحدَّث عن بني إسرائيل وتُعلِّمنا من خلالهم، وتُبيِّن لنا المَطبَّات من خلال ما وقعوا به، وتُبيِّن لنا الأمراض التي يمكن أن نقَع بها، وقد أسلفنا سابقاً أنَّ البقرة كانت من أوائل السوَر التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عَقِبَ دخوله المدينة بعد الهجرة، والمُسلمون بدأوا بتأسيس دولتهم، ويمكن أن تقع عندهم من الأمراض ما وقع مع بني إسرائيل الذين يُقيمون في المدينة، فكان الأسلوب التعليمي في القرآن الكريم، أن يُعلِّم أُمة الإسلام ببني إسرائيل، الذين كان منهم ما كان من أمراضٍ، من مُخالفاتٍ، من تجاوزاتٍ، حتى نتعلَّم من خلالها. |
معنى الميثاق:
| يقول المولى جلَّ جلاله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) الميثاق أيُّها الكرام هو العهد الموثَّق، أوثقته بالحبال أي ربطه، فالعهد عندما يكون موثَّقاً يرتبط به الإنسان وليس له فَكاكٌ منه، مُرتبطٌ به، من الوثاق قال: |
فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ(4)(سورة محمد)
| أي الأسرى (فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) أي الرِباط، فالميثاق هو العهد الموثَّق، وقد يوثَّق بيمينٍ أو نحو ذلك. |
| أنت إذا أردت أن تأخُذ عهداً على ابنك، يُريد أن يُسافر إلى بلاد الغرب، وخشيت أن يتزوج هناك، وأن يكون من نَسلِه مَن لا يُقيم شرع الله عزَّ وجل، وأنت لا تُحب - وهذا طبعاً ينبغي - أن يكون من أحفادك مَن لا علاقة له بدينه ولا بقومه، فقلت له: عهداً بيني وبينك ألّا تتزوج إلا امرأةً صالحةً من بلادنا، وأن تعود بعد أن تُنهي دراستك، قال لك: هذا عهدٌ. |
| الآن تُريد أن تُحوُّله إلى ميثاق، تقول له: وثِّق العهد، اكتُب ووقِّع، أو تقول له: ائتِ بشهودٍ، عمَّك وخالك يشهدون، أو تقول له: احلِف يميناً، أقسِم يميناً أن تعود إلى بلادك مثلاً، ماذا تفعل الآن أنت؟ توثِّق العهد، فالله تعالى أخذ على بني إسرائيل الميثاق العهد، وأعظمُ عهدٍ: |
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ(172)(سورة الأعراف)
| وهذا قد أُخذَ علينا نحن أيضاً، لكن هذا الميثاق ذَكَرهُ الله تعالى هُنا في ثمانية بنود، هذا الميثاق الذي أُخِذَ عليهم في التوراة، أو على لسان موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، في ثمانية بنود، وهذه البنود مأخوذةٌ علينا نحن أهل الإسلام، لأنَّ الدين عند الله واحد وهو الإسلام، لكن الشرائع مُختلفةٌ، فإذا نظرنا في هذا الميثاق فهو ميثاقنا أيضاً، ما هذا الميثاق الذي أخذهُ الله على بني إسرائيل وأخذهُ علينا من بعدهم؟ قال: (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) تكون العبادة خالصةً لله تعالى، لا عبادة للطواغيت، ولا عبادة للأقوياء، ولا عبادة للدرهم، ولا للدينار، ولا للأصنام، ولا لكبرائكم، ولا لأصنامكم، ولا لصالحيكم، هؤلاء الذين ذَكَرَهم الله تعالى في سورة نوح: |
وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا(23)(سورة نوح)
العبادة لا تتوجه إلا إلى الله:
| مَن هؤلاء؟ قال: قومٌ صالحون في أقوامهم، لمّا ماتوا قال بعض الناس: لو جعلنا لهم تماثيل حتى نتذكَّرهم، هؤلاء صالحون نُريد أن نذكُرهم دائماً، فجعلوا لهم تماثيل، قال صلى الله عليه وسلم: |
{ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما: صارَتِ الأوثانُ التي كانَت في قَومِ نوحٍ في العَرَبِ بَعدُ، أمَّا وَدٌّ كانَت لكَلبٍ بدَومةِ الجَندَلِ، وأمَّا سُواعٌ كانَت لهُذَيلٍ، وأمَّا يَغوثُ فكانَت لمُرادٍ، ثُمَّ لبَني غُطَيفٍ بالجَوفِ عِندَ سَبَأٍ، وأمَّا يَعوقُ فكانَت لهَمدانَ، وأمَّا نَسرٌ فكانَت لحِميَرَ لآلِ ذي الكَلاعِ، أسماءُ رِجالٍ صالِحينَ مِن قَومِ نوحٍ، فلَمَّا هَلَكوا أوحى الشَّيطانُ إلى قَومِهم: أنِ انصِبوا إلى مَجالِسِهمُ التي كانوا يَجلِسونَ أنصابًا، وسَمُّوها بأسمائِهم، ففَعَلوا، فلَم تُعبَدْ، حتَّى إذا هَلَكَ أولئك وتَنَسَّخَ العِلمُ، عُبِدَت }
(صحيح البخاري)
| هو لمّا أنشأ كانت النيَّة صحيحة لكن الفعل غلط، لأنه ألَّههم من دون الله، هذا صالح لكن يدلُّك على الله، لكن لمّا غالوا في محبة الصالحين، وصلوا إلى عبادتهم، فصار وَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا أصنامٌ تُعبَد من دون الله، وهُم في الأصل رجالٌ صالحون، فقال تعالى: (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) هذا نداءٌ للمسلمين، العبادة لا تتوجه إلا إلى الله، نتعلَّم من الصالح المُصلِح العالِم لكن لا نعبُده من دون الله، لا نعبُد الطواغيت، لا نعبُد الأصنام، لا نعبُد الدرهم. |
{ تَعِسَ عَبْدُ الدينار، تَعِسَ عَبْدُ الدرهم، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيصَة، تعس عَبْدُ الخَمِيلَة، إن أُعْطِيَ رَضِيَ، وإن لم يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانْتَكَسَ، وإذا شِيكَ فلا انتَقَشَ، طُوبَى لعبد آخذ بعِنَانِ فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مُغْبَرَّةً قدماه، إن كان في الحِرَاسَةِ كان في الحِرَاسَةِ، وإن كان في السَّاقَةِ كان في السَّاقَةِ، إن استأذن لم يُؤْذَنْ له، وإن شَفَعَ لم يُشَفَّعْ }
(أخرجه البخاري)
| هناك من يعبُد بطنه، هناك من يعبُد فَرجه والعياذ بالله، هناك عبادةٌ ظاهرة، إلى اليوم هناك عُبَّادٌ للبقر، وعُبَّادٌ للفرج والعياذ بالله، وهناك عبادةٌ باطلة، التوجُّه غير صحيح لله، وهؤلاء بنو إسرائيل ما كان جميعهم متوجهين إلى عبادة غير الله الظاهرة، كثيرٌ منهم عبادةٌ باطنة، القلب مُتعلِّق بطواغيتهم، أمّا بالظاهر نحن نعبُد الله. |
| فقال: (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) والعبادة اسمٌ جامعٌ لكل خير، من الطريق المُعبَّدة، ما معنى طريقٌ مُعبَّدة؟ وطئتها الأقدام حتى ذُلِّلت، مُعبَّدة، والإنسان يُعبِّد حياته لله، زواجه، ذريته، أولاده، طريقته في الحياة، ضحكه، رضاه، غضبه، يُعبِّد حياته لله، أي يجعل حياته وفق منهج الله، أمّا العبادات الشعائرية فهي جزءٌ عظيمٌ من هذه العبادات، وهي الصلاة والصوم والزكاة والحج، لكنها ليست العبادة كلها، وإنما العبادة: لعِبُكَ عبادة، ونُزهتك عبادة، وطعامك عبادة، ومُسامرتك أهلك عبادة، وهكذا.. (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) إخلاص العبادة. |
قَرَنَ الله الإحسان إلى الوالدين بعبادته:
| الثانية قال: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) والله تعالى قَرَنَ العبادة بالإحسان إليه في ميثاق بني إسرائيل، بالإحسان إلى الوالدين، قَرَنَ الإحسان إلى الوالدين بعبادته في ميثاق بني إسرائيل، وقَرَنَهما في توجيهنا في سورة الإسراء: |
وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23)(سورة الإسراء)
| للدلالة على أهمية بِر الوالدين، وقال: (وَبِالْوَالِدَيْنِ) وهذ الباء يُسمّيها اللغويون باء الإلصاق، ما معنى الإلصاق؟ لمّا قال تعالى: |
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(6)(سورة المائدة)
| المذاهب الفقهية تنوَّعت في فَهم هذه الباء، وبناءً عليها تنوَّع الفَهم في القدر المُجزئ في الوضوء بمسح الرأس، الجميع اتفقوا أنَّ مسحه كاملاً هو السُنَّة، تبدأ من مُقدِّم الرأس إلى الوراء وترجِع، هذه السُنَّة وهذا ما ينبغي أن نفعله، لكن كم القدر المُجزئ؟ من الباء، فالذين قالوا الباء للإلصاق، قالوا: نُلصِق يدنا بالرأس، كم تأخُذ؟ ربع الرأس، وهُم الحنفية فقالوا: الباء للإلصاق، وهي معنىً من معانيها. |
| والذين قالوا: الباء للتبعيض، أي من رؤوسكم، قالوا: ثلاث شعرات، أي لو مسح قليلاً يكفي، وهُم الشافعية، والذين قالوا: الباء زائدة، قالوا: وامسحوا رؤوسكم، وهُم الحنابلة فقالوا: كامل الرأس واجب، طبعاً الأَولى بالمُسلم أن يمسح كامل رأسه. |
ينبغي أن تُحسِن لوالدَيك بنفسك لا أن توظف لهم الأشخاص:
| فهُنا الباء كما قال أهل اللغة للإلصاق، ما معنى للإلصاق؟ (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أي أنت أصبحت مدير شركةٍ، أو مُعلِّمٍ، أو مشغولٌ بأُسرتك، أو، أو إلى آخره... والمشاغل كثيرةٌ، فقلت لنفسك: أنا الحمد لله أغناني الله تعالى، سأوظِّف موظفاً يعتني بوالدَي، وأنا يوم الخميس من كل أسبوعٍ أقوم بزيارتهم ساعةً من الزمن، والحمد لله الأمور بخير، لا، (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أنت ينبغي أن تُحسِن إليهما، لأنهما لا يُريدان الموظف يُريدانك أنت، يُريدان أولادك، يُريدان أن يروك وأنت شابٌ مُكتمل، أن يروا نِتاج عملهم، نِتاج تربيتهم، فقد توكِّل بعض المهام لبعض الأشخاص، لكن لا بُدَّ أن تقوم ببعض ذلك بنفسك، أنت تذهب، وأنت تُلبّي الحاجات، وأنت تقوم بالخدمة، فقال: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). |
| وقال إحساناً مع أنَّ بِرَّ الوالدين فرضٌ، قال: لأنَّ الفرض مفروغٌ منه، أي لا يؤمَر الإنسان بشيءٍ يجب أن يفعله فرضاً، أي كأنك تقول لإنسانٍ: تنفَّس، يقول لك: أنا أتنفَّس بشكلٍ لا إرادي، لأنني إن أوقفت النَفَس أموت، فالتنفُّس فريضةٌ واجبة لا يؤمَر بها الإنسان، فقال: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أي لا تكتفِ بالفرض وإنما زِد عليه الإحسان (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). |
الأقربون أَولى بالمعروف:
| الوصية الثالثة قال: (وَذِي الْقُرْبَىٰ) بدأ بالوالدين وهُم من ذوي القُربى، وعمَّم بذوي القُربى عموماً، كل مَن تربطك به صلة قرابةٍ، فالله تعالى أخذ عليك الميثاق أن تلتفِت إليه، بالاطمئنان، بالرعاية، بتقديم المعونة إن كنت قادراً وكان مُحتاجاً، بدعوته إلى الله (وَذِي الْقُرْبَىٰ) القريب هذا ليس له إلا قريبه، الآخرون أنت لهم وغيرك لهم، أمّا قريبك فأنت مُلزمٌ به، لذلك: الأقربون أَولى بالمعروف. |
| يُدهشني ويُزعجني كثيراً، أنني أجد بعض المُحسنين الكبار، إذا جلس في مجلسٍ وفُتِح باب التبرُّعات يقول: أنا عليَّ كذا، وعليَّ كذا، وإذا كان هناك جمعيةٌ خيرية يقول لك: يدفع لنا كل شهرٍ كذا، ثم تسمع أنَّ ابن أخيه فقيراً، أو ابن عمِّه لا يجد علاجاً فيقف على أبواب الجمعيات من أجل العلاج، ويقول لك: أنا لا أُحبُّه، ما هذا الكلام؟ّ! هذا أنت مُلزمٌ به، فالله تعالى أوصى بذي القُربى، لأنه إذا كل قريبٍ رعى قريبه انتهت المُشكلة، هذا التكافُل الاجتماعي. |
| قال: (وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ) واليتيم هو مَن فَقدَ والده، لأنَّ الوالد هو السَنَد والمُنفِق، فاليتيم مَن فَقدَ والده. |
الفرق بين الفقراء والمساكين:
| (وَالْمَسَاكِينِ) المسكين من السكون والهدوء، وعندنا فقراء وعندنا مساكين، وهاتان الكلمتان قال العلماء: إذا اجتمعتا افترقتا وإذا افترقتا اجتمعتا، أي إذا ذَكرَ الله المساكين، فالفقراء داخلون ضِمناً فيهم، أينما قرأت المساكين أي الفقراء والمساكين، وإذا قرأت الفقراء فهُم الفقراء والمساكين، أمّا إذا قال تعالى: للفقراء والمساكين، فكل واحدةٍ لها معنى، فإذا اجتمعتا افترقتا، نُفسِّر كل واحدةٍ بمعناها، وإذا تفرَّقتا اجتمعتا هذا معنى ذلك. |
| ما الفرق بين الفقير والمسكين؟ الفرق نأخُذه من كتاب الله تعالى، قال تعالى: |
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا(79)(سورة الكهف)
| إذاً المسكين عنده عملٌ لكن لا يكفيه، أمّا الفقير فما عنده شيء، المسكين ساكن ما عنده حركةٌ كثيرةٌ في الحياة، هو يأكل ويشرب لكن دخله لا يكفيه، تقول: لكنه يعمل! نعم يعمل لكن الدخل قليل، فهذا يستحق الزكاة ويستحق الصدقة. |
| أمّا الفقير لا يجد شيئاً، ما عنده عمل، عنده مُشكلة مَنعَتهُ من العمل، سعى ولم يجد عملاً، أمّا المسكين: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) عندهم سفينة لكنهم مساكين، يبدو أنهم كُثُر فيتقاسمون، ماذا تنفَع السفينة؟ لا تكفيهم شيئاً، فسمّاهُم الله تعالى مساكين، (وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا). |
| بنو إسرائيل قال لهم تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) ونحن قال لنا: |
وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا(53)(سورة الإسراء)
| بنو إسرائيل قال لهم تعالى: |
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ(40)(سورة البقرة)
| ونحن قال لنا الله تعالى: |
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)(سورة الأحزاب)
| كل ما كنت أقرب إلى الإيمان بالغيب، فإنَّ الله يوصيك بالمرحلة الأعلى، فهناك حَسَن وهناك أحسَن. |
يجب على المؤمن دائماً أن يختار الأحسن:
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ(55)(سورة الزمر)
| في القرآن بإمكانك أن تأخُذ حقَّك وبإمكانك أن تعفو، أيهما الأحسَن؟ أن تعفو. |
وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43)(سورة الشورى)
وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40)(سورة الشورى)
| هذا ما زاد: |
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ(126)(سورة النحل)
| إذاً دائماً المؤمن يختار الأحسن، نحن في الدنيا دائماً نُحاول أن نأخُذ الأحسن، لا أحد يرضى الأقل، إذا كان يستطيع تقول له: هذه السيارة فيها ميِّزةٌ أكثر فيها فتحة سقف، يقول لك: أُريد هذه التي فيها فتحة سقف، وهو يمكن ألّا يفتحها مرةً في السنة، لكنه يُريد الأحسَن، فالإنسان دائماً بحياته يسعى إلى الأحسَن، أمّا في الآخرة يقول لك: نحن نُريد أن نكون خلف الباب في الجنَّة لا نُريد أكثر، لماذا؟! |
{ مَن آمَنَ باللهِ وبرَسولِه، وأقامَ الصَّلاةَ، وصامَ رَمَضانَ، كان حَقًّا على اللهِ أن يُدخِلَه الجَنَّةَ، جاهَدَ في سَبيلِ اللهِ، أو جَلَسَ في أرضِه التي وُلِدَ فيها، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، أفَلا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قال: إنَّ في الجَنَّةِ مِئةَ دَرَجةٍ، أعَدَّها اللهُ للمُجاهِدينَ في سَبيلِ اللهِ، ما بينَ الدَّرَجَتَينِ كما بينَ السَّماءِ والأرضِ، فإذا سَألتُمُ اللهَ فاسألوه الفِردَوسَ، فإنَّه أوسَطُ الجَنَّةِ وأعلى الجَنَّةِ -أُراه- فوقَه عَرشُ الرَّحمَنِ، ومِنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجَنَّةِ }
(أخرجه البخاري)
| كُن طموحاً مع ربّنا، ربٌّ كريم لا تطلب شيئاً على الهامش، قُل له: يا ربّ أُريد الفردوس لا أُريد خلف الباب، واعمَل لذلك طبعاً، لأنَّ "طلب الجنَّة من غير عملٍ ذنبٌ من الذنوب" كيف يعني ذلك؟ أي كشخصٍ دخل إلى الجامعة وقال لهم: السلام عليكم، أُريد من عندكم شهادةً أنني أصبحت طبيباً، فإذا كان عميد الكليَّة مُحترماً جداً ممكن أن يُخرِجُه دون أن يضربه، لأنَّ هذا ذنبٌ أن تطلب من كليَّةٍ مُحترمة أن تُعطيك شهادةً في الطب وأنت لم تُقدِّم الامتحانات، فقال العلماء: طلب الجنَّة من غير عملٍ ذنبٌ من الذنوب، يقول: يا ربّ الجنَّة وهو لا يُصلّي! |
| يُروى أنَّ رجُلاً كان يقف على باب الكعبة، ومُلتجئٌ إلى الله ويقول: يا ربّ الولد الصالح يا ربّ الولد الصالح، خلفه شخصٌ يعرفه ويعرف أنه غير مُتزوجٍ، فرَبتَ على كتفه وقال له: يا فُلان هل تزوجت؟ قال له: لا والله! فيُشبه حاله مَن يقول: يا ربّ الجنَّة وهو لا يُصلّي. |
| أنت صلَّيت، عبدت ربّنا، اتقيّته، تُبتَ إليه من الذنوب، عاهدته على الطاعة، قبل أن تقول: يا ربّي الجنَّة. |
| قال: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) كلَّفهم بالحُسن أي لا تقُل كلمةً سيئة، هناك مُتعةٌ اسمُها مُتعة الاستفزاز، يتمتَّع باستفزاز الآخرين، يقول لك: بقيت أستفِزّهُ حتى أخرجته عن طوره، ويفتخر ويقول لك: لم أعُد أعرف ما ينطِق به من كلامٍ، ويضحك!! هذا عمل الشياطين. |
شر الناس من يتجنبه الناس:
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا(64)(سورة الإسراء)
| لا تستفِزّه، أنت استخرِج أفضل ما في الناس، افتخِر عندما تقول: أنا الحمد لله صبرت حتى أخرجت فيه أحسَن ما فيه، وليس حتى أخرجت عنده أسوأ ما فيه فأفتخِر! |
{ أنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ علَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا رَآهُ قالَ: بئْسَ أخُو العَشِيرَةِ، وبِئْسَ ابنُ العَشِيرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في وجْهِهِ وانْبَسَطَ إلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قالَتْ له عَائِشَةُ: يا رَسولَ اللَّهِ، حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ له كَذَا وكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ في وجْهِهِ وانْبَسَطْتَ إلَيْهِ؟ فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا؟ إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ }
(صحيح البخاري)
| شرّ الناس هو الذي يقول الناس عنه: هذا لا تقتربوا منه لسانه سليط، هذا شرُّ الناس. |
| (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) إقامة الصلاة تعبيرٌ عن حُسن العلاقة بالله، وإيتاء الزكاة تعبيرٌ عن حُسن العلاقة بالناس، فكل ما يُقرِّبك من الله فافعله، وكل ما يخدِم عباد الله فافعله. |
| وإقامة الصلاة لا تعني صلّوا، ربُّنا لم يقُل بالقرآن صلّوا، قال: (أَقِيمُوا) أي ائتوا بها على النحو الذي يُريده الله، إقامتها يعني أن تؤتى بفرائضها وسُنَنِها وخشوعها، وأن تنهى عن الفحشاء والمُنكَر، أمّا صلّوا، فليس كل مُصلٍّ يُصلّي. |
التعميم من العمى:
| قال: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) أعرضتم لم تلتزموا بالميثاق (إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ) انظُر إلى موضوعية القرآن الكريم، لا تقُل: الكل تولّى، قُل: الأغلب، الأعمّ، البعض، دائماً إذا أردت أن تحكُم فانتقِ عبارات الحُكم بالأغلبية والبعضية لا تذهب إلى الكل، التعميم من العمى. |
| ذهب إلى مُحامي والمُحامي غشَّه، فقال: كل المُحامين دجَّالون، ذهب إلى اللحام فزادَ له قليلاً من الدهن في اللحم، فيقول: كل اللحامين غشَّاشون، ما هذا الكلام؟! هذا كلامٌ غير موضوعي، هذا كلامٌ فيه استهزاءٌ بالناس، ويُسأل عنه الإنسان لأنه اغتابَ كل الناس مع بعضهم، أو يقول: كل أهل هذه المنطقة ما عندهم دين، البلد كله لا دين فيه!! هكذا يفعل بعض الناس، فأنت لا تُعمِّم في الأحكام أبداً، قُل: الأغلب، هذا ظنّي، هذا اعتقادي، أعتقد ذلك، دائماً، ولا تُعمِّم على المحكوم. |
| فقال: (إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ) ليس الكل (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ) لماذا قال تعالى: (وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ) أي ثم أعرضتم وأنتم مُعرضون، تكفي ثم أعرضتم، لا، لأنَّ الإنسان قد يُعرِض ولا يكون هدفه الإعراض، سأضرب مثالاً: |
| شخصٌ لك دينٌ معه، رأيته قادماً من بعيد، وأنت رجُلٌ مُحترم وتعرف أنَّ وضعه صعب، وإذا رآكَ سيتحرَّج منك كثيراً ويعتذر، وأنت شخصٌ راقٍ جداً، فمباشرةً أعرضت عنه وتظاهرت بأنك لم تره، فأنت أعرضت ولكن هل هدفك الإعراض أم هدفك راقٍ جداً وهو ألّا تُحرجه؟ لذلك قال تعالى للذين يتولون يوم الزحف: |
وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(16)(سورة الأنفال)
| ففي يوم الزحف ممكن الإنسان أن يتولّى، أنت رأيته فقلت: لقد تولّى من الزحف، لكن هو ذاهبٌ إلى جماعةٍ ثانية بنفس المعركة، ولكنهم الآن يتعرَّضون لعداوةٍ شديدةٍ من الأعداء فذهب إليهم (إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ) فالمنظَر أنه تولّى، لكن الحقيقة أنه ذهب إلى مكانٍ آخر من أجل مصلحةٍ أعلى، فهذا لا يُسمّى مُتولّي، فانظُر إلى الدِقَّة القرآنية قال: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ) ليس التولّي الذي لسببٍ أو لآخر، قال: (وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ) هدفكم الإعراض عن منهج الله، وترك منهج الله عزَّ وجل. |
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ(84)(سورة البقرة)
من مواثيق بني إسرائيل ألّا يسفِك بعضهم دماء بعضٍ:
| ميثاقٌ آخر من مواثيق بني إسرائيل، ألّا يسفِك بعضهم دماء بعضٍ، لماذا لم يقل: لا تسفكوا دماء بعضكم؟ وإنما قال: (لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ) لأنَّ سفكك لدم أخيك إنما هو سفكٌ لدمك، فأخوك هو أنت، هذا المجتمع الذي ينبغي أن يكون، ولأنه من زاويةٍ أُخرى إذا سفكت دمه سيؤدّي إلى الثأر فسيسفِك دمك، فكأنك سفكتَ دمك، المَعنيان معاً، هذا يُشير إلى أنَّ القتل لا يأتي إلا بالقتل، ويُشير إلى أنَّ الإنسان عندما يسفِك دم أخاه فإنما يسفِك دمه، وعندما ينتهك عِرضَ أخيه فإنما ينتهِك عِرضَه. |
{ إنَّ مِن أكبَرِ الكَبائِرِ أن يَلعَنَ الرَّجُلُ والِدَيه قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، وكيفَ يَلعَنُ الرَّجُلُ والِدَيه؟! قال: يَسُبُّ الرَّجُلُ أبا الرَّجُلِ، فيَسُبُّ أباه، ويَسُبُّ أُمَّه }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| فهو لعن والديه والعياذ بالله عندما لعن آباء الآخرين. |
| (لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ) اعترفتم بذلك الميثاق، وأخذتُ عليكم الميثاق والإقرار (وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ) والمُشاهدة تعني مُشاهدة العين، لذلك نحن نقول في الشهادة: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، فكأنك ترى أنه لا معبودٌ بحقٍّ إلا الله، وأنه لا يوجد في الكون جهةٌ تستحق العبادة إلا الله، وأنه لا مُعطي ولا مانِع، ولا خافِض ولا رافع إلا الله، فأنت تشهَد وكأنك ترى بأُمِّ عينيك، هكذا ينبغي أن تكون الشهادة: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، لأنه الشاهد عندما يؤتى به إلى المحكمة، يجب أن يكون قد شاهد بعينيه، ويُقسِم أنه رأى، وليس مَن رأى كمَن سَمِع، وكما قال صلى الله عليه وسلم: |
{ الشاهدُ يرى مَا لا يَرى الغائبُ }
(أخرجه أحمد)
| فهُنا قال: (وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ) أي الأمر موثَّق مئةً بالمئة. |
ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(85)(سورة البقرة)
كل الحروب في الأرض تُثار من اصطفافات اليهود:
| قال: هؤلاء للإشارة، للالتفات حتى يُنتَبَه إلى الكلام (ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ) كيف قتلوا أنفسهم؟ لمّا جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، المدينة كان فيها الأنصار، والذين هُم الأوس والخزرَج، وكان هناك عداواتٌ مستمرة بين الأوس والخزرَج على الزعامةِ في المدينة، وهذه العداوات بين المشركين الأوس والخزرَج، كانت مُحتدِمةً في أوجها عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. |
| فاليهود بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، بدأوا كل فِرقةٍ تذهب مع فِرقةٍ من الأوس أو من الخزرَج، قريظة هُنا، والنضير هُنا، وقينقاع هُنا، فبدأوا يتحزَّبون مع الأوس والخزرَج، عندما تنشُب الحرب بين الأوس والخزرَج، يقتُل اليهودي أخاه اليهودي في المعركة، ويُخرِجُه من دياره، ويُجليه عن دياره، فقط من أجل إثارة الحروب، من ألفٍ وأربعمئة سنة وإلى اليوم لم يتغيَّروا، كل الحروب في الأرض تُثار من اصطفافات اليهود حتى اليوم، كل الحروب، يبيعون السلاح إلى هذا وإلى هذا ويجلسون ويتفرجون، يستغلون ضعفنا والمشكلات التي بيننا ويُشعلون الحرب، ويقوم وجودهم على إشعال الحروب، انظُر إلى القرآن الكريم كيف يصِف حالهم، لم يتغيَّروا. |
| فقال: (ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ) بالحرب التي بين الأوس والخزرَج تدخلون أطرافاً فيها. |
| (تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم) المُظاهرة أن يُعطي كل إنسانٍ ظهره للآخر، يقول لك: خرجنا مُظاهرةً، أي كأنَّ كل واحدٍ سَنَد الآخر بظهره، لأنَّ الظَهر هو القوة بالإنسان، فتظاهَروا أي اجتمعوا (تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) الإثم هو أي شيء يُغضِب الله تعالى فهو إثم، والعدوان هو الاعتداء على الآخرين، بأعراضهم، بأموالهم، بأنفسهم. |
| (وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ) الآن المعركة انتهت، فهذا اليهودي يرجِع عقله إليه، بنو إسرائيل، فيذهب ويدفع الفداء ليُطلِق الأسير، يقول لك: هذا واجبٌ عليَّ، هذا أخي أُسِر عند الفريق الآخر، فأذهب وأدفَع الفدية وأُخرجه. |
| قال: (وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ) لماذا أخرجته في الأصل ثم جئت تدفَع فديته؟ ما هذا التباكي؟! دموع التماسيح، (وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ) لماذا أخرجته من دياره أصلاً؟ ثم جئت تزعم أنك جئت لإعطاء حقوق الإنسان! (وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ). |
(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ):
| الآن موطِن الشاهِد في النَص، وهو ما يُعلِّمنا الله من خلاله أُمّة الإسلام، قال: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) موضوع سفك الدماء والإخراج من الديار، كفرتم به، فعلتموه، عند الفِداء وفِداء الأسرى ودفع المال لفِداء الأسرى وجدتموها سهلةً فآمنتم بها، إذاً دينكم دينٌ انتقائي، يقول لك: أنا والله كل سنة أذهب إلى الحج، والله شيءٌ جميل، وأنا أسأل الله أن يَهبَ كل واحدٍ منكم حَجَّةً كل عام، لأنه من أعظم الرحلات الرحلة إلى الله في الحج، لكن تجد معاملاته في السوق تجده يتعامل بالرِبا، الحفل مُختلط، (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) الحج خمس نجوم، وهو مقتدرٌ مالياً، ذهابٌ وعودة مع رجال الأعمال، وعندما يرجِع لبلده، تُنصَب له الخيمة ويقام الاستقبال، أمّا موضوع الرِبا والاختلاط فهذا صعبٌ علينا تركه (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) هذا دين الله وهذا دين الله. |
الإيمان والعمل مُتلازمان ومُرتبطان:
| فمِن الناس مَن يقبَل من دين الله ما يجده مناسباً له ووفق هواه، فإذا جاءت النواهي والأوامر يقول لك: نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، الله يعفو عنّا، مرضٌ من أمراض بني إسرائيل وقع به كثيرٌ من المُسلمين، يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وهذه الآية دليلٌ واضح على أنَّ الإيمان والعمل مُتلازمان ومُرتبطان، وأنَّ العمل جزءٌ من الإيمان، لأنَّ هؤلاء لم يكفروا بالجزء الثاني، ما قالوا: نكفُر به لكن لم يفعلوه، فسمّاه الله تعالى كُفراً، لأنهم تركوه، هُم لم يقولوا: نحن نكفُر بسفك الدماء، نحن نُريد أن نسفِك دماء بعضنا، ولكنهم فعلوا ذلك، فقال تعالى: (وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) يأخُذ من الدين ما يُناسبه، ويدَع ما يجده ثقيلاً على نفسه، وهذا مرضٌ خطيرٌ من الأمراض. |
| قال: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ) استفهام تقريري وإنكاري (فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وقد وقَع عليهم الخزي، فأُجلوا من المدينة، وقُتِل بعضهم، وحُكِم بعضهم بالسبي والذبح لأنهم فعلوا نقض العهود، نقضوا الميثاق (إِلَّا خِزْيٌ) أخزاهم الله تعالى، وسوف يُخزيهم الخزي الآخر قادمٌ على الطريق. |
| (إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ) ليته خِزيٌ في الدنيا فحسب، كل عذابٍ ينتهي بالدنيا أموره محلولة، قال: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ). |
| هذا والله تعالى أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |

