سورة البقرة - 14: شرح الآيات 75-82
سورة البقرة - 14: شرح الآيات 75-82
| السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
| بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
| اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً وعملاً مُتقبَّلاً يا ربَّ العالمين. |
| اللهم أخرجنا من ظُلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات. |
| وبعد أيُّها الكرام: فهذا لقاؤنا الثالث عشر من لقاءات تدبُّر سورة البقرة، ووصلنا إلى الآية الخامسة والسبعين من السورة وهي قوله تعالى: |
أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75)(سورة البقرة)
سورة البقرة تُعلِّمُنا ببني إسرائيل وتُحذِّرُنا من الأمراض التي وقعوا بها:
| ما زال الحديث عن بني إسرائيل، وما زالت سورة البقرة تُعلِّمُنا ببني إسرائيل وتُحذِّرُنا من الأمراض التي وقعوا بها لئلا نقع بها، ما زالت السورة تُحدِّث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتُحدِّث قومه في المدينة، وتُحدِّث الناس إلى يوم القيامة، بهؤلاء الذين اختلفوا على أنبيائهم، والذين توالت نِعَم الله عليهم فأنكروها، وكان آخر ما حدَّثت السورة عنه قبل هذه الآيات، الحديث عن قصتهم مع البقرة، وكيف كان تعاملهم مع الأمر الإلهي. |
| فهل نحن المُسلمين نتعامل مع الأمر الإلهي كتعاملهم؟ هل نسأل ونسأل ونسأل لنتهرَّب من الوقوع في الأمر؟ أم نحن نقول: سمعنا وأطعنا، هل نحن ممَّن يسأل دائماً لماذا؟ وكيف؟ وماذا أفعل؟ ولِمَ هذا الحُكم؟ ولعلَّه ليس لهذا الزمان، ولعلَّ الزمان تغيَّر، ويجب أن تتغيَّر الأحكام بتغيُّر الأزمان، أم نحن من القوم الذين يقولون: |
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(285)(سورة البقرة)
| ما يكون لنا أن نتأخر بعد كلامك يا ربِّنا ولا نتقدَّم، فنلتزم بما أمرتنا به. |
من أرقى أنواع التعليم أن تُعلِّم بالقصة:
| فالقصة تُعلِّمُنا ببني إسرائيل، وهذا من أرقى أنواع التعليم، أن تُعلِّم بالقصة، فأنت يمكن أن تقول لولدك مئة مرةٍ عن خطورة السرعة وأثرها في حوادث السير، لكن قصةً واحدةً مُدَّعمةً بالأدلة، تُحدِّثه فيها عن شخصٍ أسرع وأُصيب بإصاباتٍ بالغة، ولم يعُد له رزقٌ لعياله، وجلس في بيته مشلولاً، نسأل الله السلامة، أبلَغ من ألف موعظةٍ في ترك السرعة، فالتعليم بالقصة مُهمٌ جداً. |
| الآيات ذكرت تعامُل بني إسرائيل مع البقرة، ومع هذا الأمر الإلهي، وكيف: |
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71)(سورة البقرة)
| وكيف كانوا يقولون: |
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ(61)(سورة البقرة)
| ولم يقولوا: ادعُ ربَّنا، حالةٌ من التمرُّد على الأمر، حالةٌ من التهرُّب من الأمر، لأنهم عرفوا الأمر ولم يعرفوا الآمر، ولو أنهم يعرفون الآمر، لكانوا من اللحظة الأولى عندما قال لهم: |
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ(67)(سورة البقرة)
| قالوا: سمعاً وطاعةً، واستمعوا إلى الأمر ليُنفذِّوه، لكنهم يعلمون الأمر، سمعوه بقرة، وبدأوا يبحثون عن الأمر وعن مواصفات البقرة وعن لونها وعن غير ذلك، لأنهم لم ينتبهوا إلى مَطلَع الخطاب: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ) لو انتبهوا إلى مَطلَع الخطاب لاستجابوا فوراً. |
| لمّا ذَكرَ الله هذه القصة، وذَكرَ العِلَّة منها وهي قتيل بني إسرائيل الذي ضربوه ببعضها فقام، وأحيا الله الموتى وأراهم كيف يُحيي الموتى، ذَكرَ بعد ذلك: |
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(74)(سورة البقرة)
| فالآن يقول: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ) يقطع طمعهم طمع المؤمنين، بأن يؤمن هؤلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يؤمنوا بالقرآن الكريم. |
كل إنسانٍ هو ميدان دعوةٍ وموضع فطرةٍ قد تتحرك في أي لحظة:
| أحياناً أحبابنا الكرام: نحن لا نقطع الأمل من إنسانٍ، كل إنسانٍ هو ميدان دعوةٍ، وموضع فطرةٍ قد تتحرك في أي لحظة، فالدَّاعية، الأب، المُعلِّم، لا يقطع الأمل في شخصٍ أبداً، ليس من شأننا أن نقول: هذا مُنتهٍ لا أمل منه، إذا قُلت لا أمل منه لن تستطيع أن تدعو إلى الله، ولن يستطيع الأب أن يُربّي، إذا كان لا أمل منه إذاً لا داعي لأن نتكلم، فلماذا أرسل الله الرسُل؟ ولماذا أنزل الكتُب؟ فنحن لا نقول: إنَّ الأمل مقطوع، لكن الله عزَّ وجل أحياناً يوجِّهنا إلى فرقٍ من الناس: |
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(80)(سورة التوبة)
| أو هُنا (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ) أحياناً الإنسان يقع في معصيةٍ من نوع الإصرار، والكِبر، والاستعلاء، والتخطيط، تجعل باب الرجوع عنده مُغلقاً، نُعبِّر عنه أنه وصل مع الله إلى طريقٍ مسدودة، أي العودة صارت صعبة والعياذ بالله. |
باب التوبة مفتوح:
| نحن جميعاً أحبابنا الكرام نعصي ونتوب، كلنا ذو خطأٍ نعصي ونتوب، باب التوبة مفتوح، نحن نبتعد ونرجِع نبتعد ونرجِع، حالنا كحال الطفل الذي أخرجته أمه من البيت، فمضى في سكك المدينة شيئاً ثم رجِع إلى باب أُمه، فاحتضنتهُ وقالت له: مَن لكَ سواي؟ حالنا مع الله ولله المثل الأعلى، هو حال هذا الإنسان الذي يُخطِئ ويتوب، يُعرِض ثم يُقبِل، وهذه الحالة حالةٌ صحية، فالمؤمن مُذنبٌ توَّاب، ذنوب صغائر لمَم لا يُصرّ عليها، لا يقَع في الكبائر. |
{ كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ }
(أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجه)
| لكن أحياناً عندما يقوم الإنسان بعملٍ يُريد أن يُشوِّه فيه دين الله تعالى، يُريد أن يعبَث فيه بثوابت هذا الدين، يُريد أن يُحكِّم ما يُسمّيه عقله في كلام الله تعالى، فيأخُذ شيئاً ويدَع شيئاً ويُحرِّف شيئاً، هذا وصل إلى طريقٍ مسدودة، لأنه بالغ في عداوته وخصومته مع مَن؟ مع الله والعياذ بالله. |
مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ(98)(سورة البقرة)
| فهو وضع نفسه في عداوةٍ مع الله عزَّ وجل، فهذا رُبما يُقطَع الأمل منه، لا أقول: يُقطَع أي ليس موضع دعوة، إن وجدت مجالاً فادعُه، لكن أحياناً يخوض الإنسان نقاشاتٍ طويلةً مع أشخاصٍ عبر وسائط التواصل، هُم في وادٍ آخر، هُم مأجورون يعملون لخدمة أعداء الدين، هُم مبرمجون من أجل العبَث وتفجير الدين من داخله، فالحديث معهم يجب أن تقطَع أملك يوماً، أن تقطَع طمعك فيهم، لأنهم ليسوا من معاصي الغلبة أو الضعف أو لم يفهَم القضية فوضِّحَت له، وإنما هو يفعلها إصراراً ويفعلها كذباً، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: |
{ يا نبي الله، هل يزني المؤمن؟ قال: قد يكون من ذلك، قال: يا رسول الله، هل يسرق المؤمن؟ قال: قد يكون من ذلك، قال: يا نبي الله هل يكذب المؤمن؟ قال: لا، ثم أتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذه الكلمة: إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون }
(الخرائطي في مساوئ الأخلاق عن عبد الله بن جراد)
| يمكن أن يُطلِق بصره فيتوب، يمكن أن يتكلم كلمةً لا ترضي الله تعالى فيندَم، أمّا أن يتعمَّد الكذب وتحريف الكلِم عن مواضعه، والعبَث بالنصوص ولَيّ أعناق النصوص، فكأنه وصل مع الله إلى طريقٍ مسدودة. |
| قال: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ) ومَن هذا الفريق؟ علماءهُم وكُبراءهُم (فَرِيقٌ مِّنْهُمْ) يسمعون كلام الله التوراة ثم يُحرِّفونه، ومتى؟ قال: (مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) أي بعد أن فهِمَ النَص وفهِمَ المُراد منه، ومن أعظم ذلك أنَّ نبياً سيأتي في آخر الزمان ويجب أن تؤمنوا به، واضح النَص في التوراة: |
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ(6)(سورة الصف)
| (مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) أي لم يعُد له حُجَّةً أنني لم أفهم، فاتتني المعلومة لعلّي أفهمها أكثر، لا، (مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) وهُم يعلمون الحقّ الذي في كتاب الله، فهؤلاء وصلوا إلى طريقٍ مسدودة. |
معنى: (يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ)
| هل من المُسلمين اليوم مَن ينطبِق عليه شيءٌ من هذه الآية أو ممَّن يُسمَّون بين مُعترضتين مُفكرين؟ موجود (يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) يُحرِّفون كلام الله عزَّ وجل. |
| والله أنا أعرف أُناساً ولعلكم تعرفون، أنَّ هذا الشخص كان ما شاء الله كلامه طيِّب وكلامه علمي، وهناك أشخاصٌ أنا شخصياً أعرفهم عن قُرب، ومتعلِّم وفاهم قواعد التفسير وقواعد الأصول والحديث الصحيح من الضعيف من السقيم، ثم تفتح على صفحته في مواقع التواصل، تجد ما يُقال له في أدنى الأحوال تخبيصاً! إن لم يُقَل له أحياناً زندقةً والعياذ بالله. |
| أحدهم كتب: نار جهنم نوعٌ من الميتافيزيقا الخيال، أي ربُّنا يُخوُّفنا بالنار ولا يوجد نارٌ ولا شيء، إنكار ما عُلِم من الدين بالضرورة، فعبَثٌ بالنصوص، تحريفٌ بالكلِم عن مواضعه، أخذ بعض النَص وترك تتمته، على مبدأ: |
فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ(4)(سورة الماعون)
| ولا يقرأ: |
الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5)(سورة الماعون)
| اجتزاءٌ بالنصوص، أخذ بالآيات التي تُعجبه وترك الآيات التي لا تُعجبه، آيات السلام والمحبة يختارها ويضعها، وآيات الجهاد والقتال ونشر الدين، يتغافل عنها وكأنها ليست في كتاب الله، فهذه موجودة، فالله تعالى يُحذِّرُنا من أن نقَع فيما وقعوا به. |
| قال: (ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) أُريد أن أقف قليلاً عند كلمة: (عَقَلُوهُ) في القرآن الكريم يا كرام، ورد الجذر "عقل"، عين، قاف، لام، "عقل" ورد تسعاً وأربعين مرةً، ولم يرِد بلفظ الاسم ورد بلفظ الفعل، أفلا يعقلون، تعقلون، عقلوه، وحتى في السُنَّة لم يرِد لفظ العقل بمعنى مثل القلب مثلاً، القلب جَوهَر، العقل أين؟ الآن عقلك أين هو؟ تقول لي: الدماغ، المجنون عنده دماغ وتلافيفٌ كاملة، وإلى الآن هناك خِلافٌ أين المُشكلة حتى صار مجنوناً؟ رُفِعَ عنه التكليف، أي ما الذي فقده؟ |
العقل هو عملية فهم النقل:
| الإنسان إذا صار عنده مشكلةٌ في كليته نسأل الله السلامة، وتعطَّلت الثانية فيحتاج لغسيل الكِلى، ماذا فَقَد؟ فقَدَ كليةً، فهناك جَوهَرٌ فقده، استؤصِل منه أو فَقَدَ وظيفته، لكن العقل أين هو؟ العقل هو العملية التي يقوم بها الإنسان، من يوم وضعوا العقل في مقابل النقل وأحدثوا بينهم صراعاً، نشأت الفِرق والمذاهب الإسلامية كلها، التي نتقاتل عليها إلى اليوم، وهناك عقلٌ وهناك نقل، متى يتعارض العقل مع النقل؟ العقل ما هو؟ هو عملية فهم النقل، فلماذا تضعوه في مقابل النقل؟ هو عملية. |
| أنا كيف أفهم النقل؟ أعقِل النَص أعقله، فالعقل يمنعني، (مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) العقل يمنعني من أن أقع في المهالك، يجعلني أربط بين الأمور، العقل يحتاج إلى مُقدِّماتٍ، وهو يُجري العمليات ويخرُج بمُخرجات، هذا هو العقل، عمليةٌ يقوم بها الإنسان ميَّزه الله بها عن سائر المخلوقات، أنت الآن جيء بقطةٍ وقُل لها: استنتجي أنَّ في القاعة كهرباء، لو تضعها هُنا مليون سنة لن تستنتج، الإنسان بكل بساطةٍ ينظُر فيقول: المصباح مُضيء إذاً هناك كهرباء، ما الذي فعله الإنسان؟ عَقَل، عَقَلَ، فَهِمَ، ربط الأمور ببعضها فقط، فقال: (مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) أي فهموا النَص وتعاملوا معه، فأنا لا أُريد أن نُكبِّر من دور العقل، وفي الوقت نفسه أؤمن أنَّ العقل فهم النصوص والتعامُل معها مهمٌ جداً وفق الضوابط الشرعية. |
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(76)(سورة البقرة)
| أي إذا التقوا مع مجموعة المؤمنين، يقولون: نحن مؤمنون معكم، لينتفعوا بما عند المؤمنين من ميِّزاتٍ (وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ) جلسوا مع بعضهم بنو إسرائيل، أحبارهم، كُبراءهُم، عوامهم (قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أي أنتم فهِمتُم أنَّ هذا النبي سيأتي في آخر الزمان، جلستم معهم قلتُم: نؤمن، يوم القيامة يقفون ويُحاجّوكم بهذه الكلمة التي قلتموها، انظُر إلى هذا التفكير الساذج، أنت إذا حدَّثته علِمَ ربُّنا بأنك تعلم ذلك، فيأتي هؤلاء يوم القيامة يُحاجّوكم، أي يُدلون بحُجَّتِهم أمام ربِّهم، فيقول: هؤلاء كانوا يعلمون الحقّ (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أي لو كنتم تعقلون ما تفعلون ذلك، لا تُخبروهم بأنكم آمنتم أبداً، حتى لا يُحاجّوكم به عند ربِّكُم، يردُّ عليهم المولى جلَّ جلاله: |
أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ(77)(سورة البقرة)
الله عزَّ وجل يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى:
| وقدَّم السِرّ على العَلَن، لأنَّ العَلَن واضحٌ أنَّ الله يعلمه، لأنه حتى البَشَر قد يعلمون كثيراً من العَلَن، الظاهر نعلمه لكن السِرّ لا يعلمه إلا الله، وأخفى من السِرّ لا يعلمه إلا الله، قال: |
وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى(7)(سورة طه)
| حتى الشيء الذي خَفيَ عنك أنت، ما استطعت أن تُسِرّه لأنه خَفيَ عنك يعلمه الله (السِّرَّ وَأَخْفَى). |
| فالله تعالى هُنا يقول لهم: إنَّ الله عزَّ وجل يعلَم إسراركم ويعلم إعلانكم، فكلامكم بأن تتركوا مُجاهرة إيمانكم أمامهم وإخفاءه لكي لا يُحاجّوكم عند ربِّكم كلامٌ باطل، لأنّ الله لو أسررتم عَلِم ولو أعلنتم عَلِم جلَّ جلاله، ثم قال تعالى: |
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ(78)(سورة البقرة)
أُميِّة نبينا وسام شرفٍ له صلى الله عليه وسلم:
| (وَمِنْهُمْ) أي من بني إسرائيل، الأُمّيُّ نِسبةً إلى الأُم، أي يُنسَب إلى أُمه بأنه على الفطرة، لم يتعلَّم القراءة والكتابة، فيُقال أُمّيٌّ لا يقرأ ولا يكتُب، ونبينا صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي - كان أُمّيّاً ويُمدَح بأُمّيَّته، لماذا يُمدَح بأُمّيَّته؟ نحن نُذمُّ بأُميَّتنا، يُقال: فُلانٌ أُمّيّ يُقال ذمَّاً غالباً، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: |
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(157)(سورة الأعراف)
| مَدحٌ لماذا؟ لأنَّ النبي الأُمّيّ تولى الله تعليمه، فوعاءه خالياً من علوم البَشَر، نحن كل علومنا التي نتعلَّمها لعلَّنا نصل إلى شيءٍ من الحقيقة، لكن نبينا صلى الله عليه وسلم تولى الله إعطاءه الحقيقة كاملةً من غير كل أدواتنا، فأُمّيَّته وسامُ شرفٍ له، لأنه لا حاجة له إلى علومنا، واليوم من يكتبون عبر وسائل التواصل: خدعوك فقالوا النبي أُمّيّ وهو ليس أُمّيَّاً وإنما كان يكتُب ويقرأ، وأنه أُمّيٌّ نسبةً إلى أُم القُرى، كلامٌ لا معنى له، لأنَّ الله تعالى حَسَم المسألة فقال: |
وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(48)(سورة العنكبوت)
| لو كنت تتلو كتاباً، أو تخطّه بيمينك، تقرأ أو تكتُب، المُبطلون سيشكّون فيقولون: أنت كتبت القرآن، أنت كتبته من علومك التي تعلَّمتها، فلمّا أفرغ الله وعاءه، ثبتَت نبوَّته بأُمّيَّته، فأصبحت أُمّيَّته وسام شرفٍ له صلى الله عليه وسلم. |
| فهُنا يصف الله تعالى بعض بني إسرائيل بأنهم أُمّيّون بمعنى أنهم جاهلون، قال: (لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ) لم يقرؤوا ما في كتبهم، وهذا ذنبٌ أن يترُك الإنسان قراءة كتابه، أن يأتي يوم القيامة ويقول: أنا ما قرأت المنهج، القرآن الكريم ما قرأته ما عندي عِلمٌ به، مذلةٌ شديدةٌ جداً. |
| قال: (لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ) أمانيّ يعني إلا ما يسمعونه من الأكاذيب الباطلة والافتراءات، ما يقوله لهم علماءهم وكهنتهم، بعض الخُرافات، بعض الخُزعبلات، واليوم أُحاول دائماً أن أُسقِط، لماذا يُحدّثنا الله دائماً عن بني إسرائيل؟ بنو إسرائيل لم يقرؤوا هذا القرآن، القرآن لنا، فلماذا يُحدِّثنا الله عن أمراضهم؟ لأنه يمكن أن يوجد بيننا بعض الناس الذي يقول لك: والله أنا ما تعلمت لكنني سمعت، قالوا لي، لا يصح ذلك (إِلَّا أَمَانِيَّ) ما وصله إلا الخُزعبلات، والباطل، الكلام الذي لا معنى له، هذا ليس ديناً، ما وصلك هو تصرف وتديُّن بعض الناس، لكنه ليس دين الله، أمّا لو قرأت القرآن لوصلك دين الله تعالى. |
الظنّ يأتي في القرآن بمعنى اليقين ويأتي بمعنى الظنّ:
| (لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) هُنا الظنّ بمعنى ليس اليقين، الظنّ يأتي في القرآن بمعنى اليقين كقوله تعالى: |
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(46)(سورة البقرة)
| ويأتي بمعنى الظنّ وهو ما يفوق الشكّ ولا يصل إلى اليقين، وهذا كقوله تعالى: |
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(36)(سورة يونس)
| فهُنا: (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) أي أنا أظنُّ ذلك، سمعت ذلك، قيل لي ذلك، لكن ليس عنده حقائق. |
| قال تعالى: |
فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ(79)(سورة البقرة)
الكتب السابقة حُرِّفَت بينما تولى الله عزَّ وجل حفظ القرآن:
| والويل هو الهلاك والثبور والدمار، (لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ) حرَّفوا التوراة، اليوم الكتُب المُحرَّفة سواءً الإنجيل أو التوراة كُتِبَت بأيديهم، هُم كتبوها كما يُريدون، طبعاً فيها بقايا من كلام الله الأصل، لكن هي مُحرَّفةٌ في الأصل، وبعضها أصحُّ من بعضٍ لكن كلها حُرِّفت، لكن الله تعالى تولى حفظ كتابه فقال: |
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)(سورة الحجر)
| قال: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) دنيا، مال، مصلحة، جاه، ولو أخذوا الدنيا كلها فهي ثمنٌ قليلٌ لا يساوي شيئاً مقابل الذي تركوه، وهو نجاة الإنسان يوم القيامة (لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) ربُّنا وصفه أنه قليل. |
| لكن هو لمّا تكلم كما يُريدون، وخرَج على الإعلام، وقال: إنَّ الله تعالى ما أمرنا أن نقف في وجه المُحتل، وإنَّ الله لم يأمُر بأن نقاوم عدوَّاً، وأنَّ الغناء حلال، والاختلاط لا شيء فيه ما الذي يمنَع شاباً أن يُصاحب فتاة؟! والغناء الفاحش مسموح، والاختلاط في الأعراس مسموح، والمُصافحة مسموحة، تمييعٌ، تمييعٌ، تمييع لدين الله (ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ) ويقول: انتبهوا أنا لم آتِ بشيءٍ من عندي، ثم يأتي لنَصٍ مُعيَّن يلوي عُنقه، ولنَصٍ آخر يُحرِّفه، ويأتي لآيةٍ يفهمها على خِلاف ما هي عليه، موجود هذا الأمر بيننا اليوم. |
| ما الذي يشتريه به؟ راتب شهري جيد، سُمعة، تصوير، إعلام، نُعطيك أكبر قناةٍ اخرُج عليها وتكلم، تسويق، ما هذا الثمن؟ قليل جداً، بِعتَ نفسك للشيطان من أجل دُريهمات مهما كثُرت، من أجل سلطانٍ وجاهٍ مهما كثُر، وتكلمت بخلاف الحقّ والعياذ بالله، هذا وقع في مُصيبةٍ كُبرى، فقال: (ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ) كذبوا، هذا ليس من عند الله، دين الله واضحٌ جلي. |
{ لقد تركتُكم على البيضاءِ، ليلِها كنهارِها، و لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالكٌ، و من يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتُم من سُنَّتي، وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدين المهديِّينَ، عضُّوا عليها بالنواجذِ، وعليكم بالطاعةِ، و إن عبدًا حبشيًّا، فإنما المؤمنُ كالجملِ الأَنِفِ، حينما قِيدَ انقادَ }
(أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد)
| أمّا هذا تحريفكم وتخريفكم والعياذ بالله. |
أعظم الآثام أن يقول الإنسان على الله شيئاً لا يعلمه فيفتري على الله كذباً:
| قال: (فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ) ويلٌ، وهلاكٌ، ودمارٌ، وثبور، لكل من يكتُب بيده شيئاً أو يقول بلسانه شيئاً، ويوهِم الناس أنه دين الله وهو ليس دين الله تعالى، وإنما هو فهمه السقيم لدين الله تعالى، أعظم الآثام التي يمكن أن تحصُل، أن يقول الإنسان على الله شيئاً لا يعلمه فيفتري على الله كذباً، أعظم إثمٍ. |
| (وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ) أي من الخطايا والآثام. |
وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80)(سورة البقرة)
| أي أنَّها تَمَسَّنَا مسّاً لطيفاً، ليس هناك حريقٌ وجهنم (لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً) أي سبعة، ثمانية، عشرة، هذه عقيدةٌ خاطئة، لقد تحدَّثنا على المنبر في ثلاث خُطبٍ عن العقيدة الخاطئة، التي تولِّد سلوكات وآلاف السلوكات المغلوطة، هُنا ما الذي اعتقدوه؟ (لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً) ماذا يُشبه ذلك عند بعض المُسلمين اليوم؟ يقول أحدهم: ربُّك لن يُحاسبنا نحن أُمة محمد أُمةٌ مرحومة، كلنا إلى الجنَّة في النهاية، هذه تقال، والقرآن يُعلِّمنا ببني إسرائيل، والله كل هذا يحصل معنا، يقول لك: النبي يشفَع لنا ويُخرجنا من النار كلنا، ألم تقرأ الحديث؟ كلنا سيُخرجنا من النار ويدخلنا الجنَّة، كلام حقٍّ أُريد به باطل. |
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(41)(سورة المائدة)
| ألم تقرأ: |
{ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أتى المَقبرةَ، فقال: السَّلامُ علَيكُم دارَ قَومٍ مُؤمِنينَ، وإنَّا إن شاءَ اللهُ بكُم لاحِقونَ، ودِدتُ أنَّا قد رَأينا إخوانَنا، قالوا: أولَسنا إخوانَك يا رَسولَ اللهِ؟ قال: أنتُم أصحابي، وإخوانُنا الذينَ لَم يَأتوا بَعدُ، فقالوا: كيفَ تَعرِفُ مَن لَم يَأتِ بَعدُ مِن أُمَّتِك يا رَسولَ اللهِ؟ فقال: أرَأيتَ لو أنَّ رَجُلًا له خَيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلةٌ بينَ ظَهرَي خَيلٍ دُهمٍ بُهمٍ، ألا يَعرِفُ خَيلَه؟ قالوا: بَلى يا رَسولَ اللهِ، قال: فإنَّهم يَأتونَ غُرًّا مُحَجَّلينَ مِنَ الوُضوءِ، وأنا فَرَطُهم على الحَوضِ، ألا لَيُذادَنَّ رِجالٌ عن حَوضي كما يُذادُ البَعيرُ الضَّالُّ، أُناديهم ألا هَلُمَّ، فيُقالُ: إنَّهم قد بَدَّلوا بَعدَك، فأقولُ سُحقًا سُحقًا! }
(أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي)
يجب أن تقرأ النصوص بشكلٍ مُتكاملٍ:
| هذه الشفاعة حقٌّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، نسأل الله أن يُشفِّعه فينا، نسأل الله أن نُصبِح أهلاً لشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمّا (لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً) والكل سيخرُج من النار، يجب أن تقرأ النصوص بشكلٍ مُتكاملٍ، كل النصوص الشرعية في القرآن والسُنَّة، أين: |
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ(8)(سورة الزلزلة)
| الأصل هو الحساب والعقاب، والشفاعة هي إذنٌ من الله لمَن ارتضى، وعلى رأسهم شفاعة نبينا العُظمى صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله أن نكون أهلاً لها، لكن لا نتكئ عليها ونعصي الله (لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً). |
| قال: (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا) أي هل أخذت صكّاً من عند ربّنا؟! هل قال لك: أنك ستدخُل خمسة أيامٍ في النار وتخرُج؟! (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ) إذا كان هناك عهدٌ فربُّنا لا يُخلِف عهده حاشاه جلَّ جلاله. |
| قال: (أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) هُنا المُصيبة، المُصيبة أن تكون داعيةً، أو تكون شخصاً في موقعٍ أو على الإعلام، ثم تُفتي للشباب أو للنساء بمعاصي وآثام وأنت تعلم الحقّ، لكن لإرضاء المجتمع أو لإرضاء الإعلام، أو لمبلغٍ تأخُذه ثم تقول على الله شيئاً لا تعلمه. |
| أذكُر أنَّ شخصاً ألَّف كتاباً تحدَّث فيه عن المرأة، وهذا الرجُل ذكيٌ جداً، فاستطاع أن يأخُذ من النصوص وأحياناً أنصاف النصوص ليعبَث بالدين، بحجاب المرأة، بعفِّتها، بطهارتها، بتعاملها، فيأخُذ من النصوص ما يُلائمه، أحياناً يجتزئ النَص، أحياناً يقول جلس النبي عند فُلانة وهو لا يُحدِّثنا بأنها عمَّته مثلاً، يعني بذكاءٍ بالغ، فإن قرأه غير مُختَّصٍ يخرُج بنتيجةٍ أننا مُتحجِّرون جداً. |
| حجاب المرأة هو أدب وليس واجب ولا فريضة، هو أدبٌ إسلامي، ممكن أن تتحجَّب مثل شعارٍ كما يضعون اليوم شعار الدولة، الاختلاط مسموح، الغناء مسموح، يخرُج بخلاصةٍ بأنه لا حدود ولا قيود عند المرأة إلا اليسير. |
| فجاء رجُلٌ وألَّف كتاباً ردَّ عليه وفَنَّد النُقاط، وهو صديقه لكنه خالف منهجه، فألَّف كتاباً وردَّ عليه بالأدلة، أذكُر سبعين موضعاً أو أربعةً وسبعين موضعاً من كتابه، ردَّ عليه ردّاً كاملاً، لكن ما لفَت نظري أنه في النهاية خاطبه فقال له: يا فُلان ستأتي يوم القيامة، وسيقف آلاف الشباب، وآلاف الفتيات، بل مئات الألوف ورُبما الملايين ليقولوا لله تعالى: يا ربّ هذا أَضلَّنا، لقد قرأنا كتابه فأخبرنا كذا وكذا فاتَّبعناه، فهل أنت جاهزٌ لهذا الموقف؟! فتأثرت بختام الكتاب بعد أن قرأته، والقصة قديمة منذ أكثر من عشرين سنة. |
| فأسوأ شيءٍ أن يقول الإنسان على الله ما لا يعلَم، ممكن إنسان يقول لك: أنا اضُطررت مثلاً بموضوع مُصافحة النساء، والله لا أعرف ما حصل معي، جاءت ومدَّت يدها فارتبكت وصافحتها، استغفِر ربَّك، هذه ليست كبيرة هي بالنتيجة معصية استغفر الله منها، أمّا أن تقول للناس لا مانع ليس هناك نَصٌ يُحرِّم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: |
{ إني لا أُصافِحُ النِّساءَ يعني حديث: جئتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في نِسوةٍ نُبايعُهُ، فقالَ لَنا: فيما استَطعتُنَّ وأطَقتُنَّ، إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ }
(أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد)
| ويقول: |
{ لَأنْ يُطعَنَ في رأسِ رجلٍ بِمِخْيَطٍ من حديدٍ خيرٌ من أن يمَسَّ امرأةً لا تَحِلُّ له }
(أخرجه الطبراني والبيهقي)
| ثم تأتي أنت فتقول: كانت الجارية تأخُذ بيده إلى حيث تشاء، فتستدل بهذا الكلام الذي لا علاقة له بالقضية نهائياً، وإنما يتحدَّث عن تواضع النبي، ويتحدَّث عن الجارية الصغيرة التي تجري وتأخُذه بيده، وتترُك النصوص الصريحة في تحريم المُصافحة، وتقول للناس لا مانع هذه المُصيبة. |
فرقٌ كبير بين أن نُشرِّع المعصية وبين أن نفعلها:
| كلنا ذو خطأٍ، كلنا يقع في المعصية، لكن فرقٌ كبير بين أن نُشرِّع المعصية وبين أن نفعلها، إن فعلناها تُبنا إلى الله، لكن إن شرَّعناها ماذا نقول لله يوم القيامة، إذا جاء شخصٌ وقال: والله فُلان أنا أثق بعلمه سألته وقال: لا مانع، كيف لا مانع؟! فالإنسان أحبابنا فقط يعصِم لسانه أن يتكلم على الله شيئاً لا يعلمه فقط، تقع بمعصيةٍ ربُّنا غفورٌ رحيم يسمع نداءك، قُل له: يا ربّ بينك وبينه وانتهى، لكن لا تقُل حلال، قُل والله هذا لا يجوز لكن أنا فعلته أسأل الله أن يعفو عنّي، يقول لك: ليس هناك مشكلة لا شيء عليك: كيف ليس هناك مشكلة؟! أنت ما عندك علمٌ بها، طبعاً لا أُخاطبكم أنتم أجلُّ من ذلك، لكن أتحدَّث عن مَن يفعل ذلك، (أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ). |
| قال: |
بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(81)(سورة البقرة)
معنى: (سَيِّئَةً)
| هُنا (سَيِّئَةً) أحبابنا الكرام لفظٌ عام جاء في سياق الشرط، نكرة في سياق الشرط فتعُم (بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً) يعني أي سيِّئة (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) لكن هُنا نعود إلى التفسير بالمأثور، ماذا ورَدَ عن الصحابة وكيف نفهم النَص؟ لأنه أي ذنبٍ صغير كسبه الإنسان فهو من أصحاب النار خالداً فيها، فهذا لا يتوافق مع النصوص الباقية، فما معنى سيِّئة هُنا؟ قال ابن عباسٍ وغيره، وهذه مسألةٌ تقريباً فيها شبه إجماعٍ من المُفسِّرين، قال: هي هُنا الشِرك، أي سيِّئة الشِرك، لأنه ليس هناك سيِّئةٌ تُحيط بالإنسان فلا يغفرها الله له ويخلُد فيها في نار جهنم إلا الشِرك. |
| فهُنا (بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً) أي مَن أشرك بالله تعالى، مَن حرَّم الله عليه الجنَّة بشِركه (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) لم يتخلَّص منها، أصبح مُحاطاً بها من كل جانبٍ، أَسَرَتهُ خطيئته (وَأَحَاطَتْ بِهِ) انظُر إلى التشبيه القرآني، قال: (فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). |
ربُّنا جلَّ جلاله إذا تكلم عن النار تحدَّث عن الجنَّة فوراً ليفتح باب الرحمة فوراً:
| ودائماً ربُّنا جلَّ جلاله، ولو أنه يتحدَّث عن المُنافقين، والمشركين، وبني إسرائيل وكل ما فعلوه، فإذا تكلم عن النار تحدَّث عن الجنَّة فوراً، يفتح باب الرحمة فوراً، يُعلِّمنا أنك لا تتحدَّث في الترغيب إلا تحدَّث في الترهيب، ولا تتحدَّث في الرَغَب إلا تحدَّث في الرَهَب، ولا تتحدَّث في الخوف إلا تحدَّث في الطمع، توازنٌ دائم، ففوراً قال تعالى: |
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(82)(سورة البقرة)
| إيمانٌ وعمل (أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) انظُر ربُّنا هناك قال: (أَصْحَابُ النَّارِ) أي كأنهم المالكون لها، هي لهم، وهُنا تكريمٌ: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) هُم أصحابها يدخلون إليها يتمتَّعون بكل ما فيها، كيف صاحب البيت، فإذا صاحب النار والعياذ بالله، وإذا صاحب الجنَّة فقد أفلَح ونجا (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). |
| هذا والله تعالى أجلُّ وأعلم، والحمد لله ربِّ العالمين. |
| اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافِنا واعفُ عنّا، وإلى غيرك لا تكلنا، ومن شرور أنفسنا نجِّنا وسلِّمنا، اللهم اكتُب لنا أجر اعتكافنا في مسجدنا هذا في ساعتنا هذه واجعلها حُجَّةً لنا يوم لقائك يا أرحم الراحمين، والحمد لله ربِّ العالمين. |

