سورة البقرة - 12: شرح الآيات 62-66
سورة البقرة - 12: شرح الآيات 62-66
| بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
| اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً وعملاً مُتقبَّلاً يا ربَّ العالمين. |
| وبعد أيُّها الإخوة الكرام: فهذا لقاؤنا الحادي عشر من تدبُّر سورة البقرة، ومع الآية الثانية والستين من السورة وهي قوله تعالى: |
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)(سورة البقرة)
أربعةُ أصنافٍ من أتباع الشرائع السماوية:
| أيُّها الكرام: في هذه الآية يذكُر المولى جلَّ جلاله أربعةُ أصنافٍ من أتباع الشرائع السماوية، فيبدأ جلَّ جلاله بالمؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) وهُم الذين آمنوا برسالة الإسلام، واتَّبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم، ثم يذكُر الذين هادوا (وَالَّذِينَ هَادُوا) هُم اليهود، ومناسبة الكلام أنَّ الله تعالى يتحدَّث عن بنو إسرائيل، ويُذكِّرهم بنِعَمه، ويُبيِّن ضلالهم، فأراد المولى جلَّ جلاله أن يُبيِّن أنَّ هناك من اليهود مَن تابوا وأنابوا ولهُم أجرهم عند ربِّهم، فذِكرُ مساوئ بنو إسرائيل لا يعني أنَّهم كلهم كانوا على قلب رجُلٍ واحدٍ في الفجور والبُعد عن أمر الله تعالى، فذَكرَ المولى جلَّ جلاله أصنافاً من أتباع الرسالات السماوية والشرائع، وبيَّن حالهم مع الله تعالى، فليس كلهم على ضلالٍ، فالذين هادوا هُم اليهود، واليهود إمّا أنهم سُمّوا من التهاود وهي التوبة، قال تعالى: |
لماذا سُمّوا اليهود:
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ(156)(سورة الأعراف)
| أي تُبنا إليك. |
| وقيل بل انتسَبوا إلى يهوذا، وهو الابن الأكبر من أبناء إسرائيل يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فابنه الأكبر يهوذا، والعرب عندما تُعرِّب تُغيِّر في اللفظ ليوافِق العربية، فغيِّروا الذال وجعلوها دالاً فأصبحت يهودا، على كل حالٍ (وَالَّذِينَ هَادُوا) أي اليهود. |
مَن هُم النصارى:
| ثم يذكُر النصارى، والنصارى جمع نصراني، وتُذكَر دائماً بياء النسَب فيُقال نصراني، وهي مثل: ندمان وندمانة، نصران ونصرانة، وجمعُها نصارى كندامى، فهي جمعٌ أيضاً إمّا لأنَّ نبي الله عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام نزل في قريةٍ من الشام معروفةٍ إلى اليوم في فلسطين، نسأل الله أن يُفرِّج عن أهلها وهي الناصرة، أو لأنهم تناصروا فيما بينهم فسُمّوا نصارى، انطلاقاً من قوله تعالى لمّا قال عيسى: |
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(52)(سورة آل عمران)
| فسُمّوا النصارى. |
مَن هُم الصابئين:
| ثم ذكر الصنف الرابع وهُم الصابئون، وهؤلاء اختلف المُفسِّرون في تحديد هويتهم اختلافاً كثيراً بأقوالٍ كثيرة، لكن أرجح الأقوال أنهم فِرقةٌ من فِرق النصارى، أي عطفهم الله على النصارى، هُم فِرقةٌ قال كانوا يقرؤون الزبور الذي أُنزِل على داوُد عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، والحقيقة أنَّ الصابئ في الأصل هو مَن مال من دينٍ إلى دين، غيَّر دينه، لذلك كانت العرب إذا أسلم إنسانٌ تقول له: أَصَبَأت؟ فيقول: بل اتبعتُ دين محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فصبأ أي مال من دينٍ إلى آخر وغيَّر دينه، فهؤلاء أربعة أصنافٍ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ) ذَكرَهُم المولى جلّ جلاله. |
| ثم قال: (مَنْ آمَنَ) مِن هؤلاء، سواءً مَن آمن برسالة الإسلام، ولعلَّه آمن بها شكلاً لكنه لم يلتزم بمضمونها، أو مَن قال: أنا من أتباع موسى لكنه لم يتَّبِع موسى، أو قال: أنا من أتباع عيسى لكنه لم يتَّبِع عيسى، أو قال: أنا من الصابئين ولم يتَّبِع الزبور الذي أُنزِل على داوُد عليه السلام. |
العنوان دون مضمون عنوانٌ فارغ:
| كيف أُمثِّلها لكم؟ هناك أربعة محلاتٍ تجاريةٍ في السوق، أول محل كاتب فُلان وشركاه لبيع الأقمشة، والثاني فُلان وإخوته لبيع المُرطبات، والثالث فُلان وإخوته لبيع الألبسة الجاهزة، والرابع شركة فُلان لبيع مواد التنظيف، ثم دخلتَ إلى جميعها فوجدتها فارغة لا شيء فيها، عناوينٌ لا قيمة لها، فأن تنتسِب إلى موسى شيء وأن تكون من أتباعه شيءٌ آخر، أن تنتسِب إلى عيسى شيء وأن تكون من أتباعه شيءٌ آخر، أن تقول أنا من أُمة الإسلام، وأن تتَّبِع نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم شيءٌ آخر، فالعناوين دون مضموناتٍ عناوينٌ فارغة. |
| (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ) مَن تسمّوا بهذه الأسماء على مدار التاريخ، من لدن خلق الله آدم إلى أن بعَثَ محمداً صلى الله عليه وسلم بالرسالة الخاتمة، الناسخة، المُهيمنة على ما قبلها، جميعهم، إنهم جميعاً مَن الناجي منهم عند الله تعالى؟ الذي يُنفِّذ المضمون (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا). |
ربُّنا يريد أن تكون ذو عقيدةٍ سليمة وسلوكٍ مستقيم:
| (آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) العقيدة، التصوُّر، (وَعَمِلَ صَالِحًا) السلوك، فربُّنا يريد منك أن تكون ذا عقيدةٍ سليمة، وسلوكٍ مستقيم، عملك صالحٌ يصلُح للعرض على الله، وعقيدتك سليمةٌ فيها إيمانٌ بالله وملائكته وكتُبه ورُسله واليوم الآخر، وأكثر رُكنين يجمع الله بينهما في القرآن، الإيمان بالله واليوم الآخر، ليس تقليلاً من باقي الأركان، ولكن لأنَّ باقي الأركان مُشتمِلةً ضمناً فيهما، فمَن آمن بالله يؤمِن برُسله، ويؤمِن بكتُبه، ويؤمِن بملائكته، لكن يبقى الإيمان باليوم الآخر شيءٌ قد يُظَن أنه مُنفصِلٌ عن الإيمان بالله، كأن يقول قائلٌ: الله موجود لكنه لن يُحاسِب! لا، معاذ الله: |
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ(116)(سورة المؤمنون)
| معاذ الله. |
الإيمان بالله واليوم الآخر رُكنان يشتملان على باقي الأركان:
| فلذلك يقرِن القرآن كثيراً بين هذين الرُكنين، لأنهما يشتملان على باقي الأركان، الإيمان بالله واليوم الآخر، الإيمان بالله يجعلك مُطيعاً له، مُلتزماً بأمره، والإيمان باليوم الآخر يحجزك عن الظُلم لأنك ستقف بين يدي الله، فلن تظِلم مخلوقاً يُقاضيك أمام الله، فقال: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) هذه العقيدة، (وَعَمِلَ صَالِحًا) الصلاة صالحة، الصيام صالحاً، غضّ البصر صالحاً، كل عملٍ يصلُح للعرض على الله فهو عملٌ صالح، ولا يصلُح العمل للعرض على الله، إلا إذا كان خالصاً ابتُغي به وجه الله، وصواباً وافق سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
| قال: هؤلاء الذين اجتمعت فيهم هذه الصفات من العقيدة والسلوك (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ) هؤلاء الذين يُثيبُهم الله، ولم يقُل فلهم أجرٌ، بل قال: (أَجْرُهُمْ) أي: |
{ أعطوا الأجيرَ أجْرَه قَبلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُه }
(صحيح ابن ماجه)
| اعطِه أجره، تقول: والله أعطيته، هو يريد أُجرة عمله ألفاً وأنت أعطيته خمسمائة، فأنت أعطيته نصف أجره وليس أجره، فقال: (أعطوا الأجيرَ أجْرَه) أي المُكافئ لعمله، وإذا كان المولى جلَّ جلاله يقول: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) وعند مَن؟ (عِندَ رَبِّهِمْ) الأجر العظيم، الكبير، ليس المُكافئ للعمل، العمل لا يُساوي شيء أمام الأجر الذي سيُعطيه الله لهذا الإنسان، قال: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) أي فيما يُستقبَل (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فيما سيأتي (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) على الماضي، أي استوعب الزمن كله، لا خوفٌ عليهم من المُستقبَل، ولا يحزنون على شيءٍ فاتهم من الدنيا، لأنهم قد عرفوا أنَّ ما عند الله خيرٌ وأبقى (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وهذه الصفة ذكرها المولى مع أولياء الله، فقال: |
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)(سورة يونس)
| أولياء الله ليس مَن يطير في الهواء، ولا مَن يمشي فوق سطح الماء، ولا مَن تُجعَل له الكرامات وتُنسج حوله القصص، الولي كل الولي مَن تجده عند أمر الله ونَهيه، أنتم أولياء الله، مَن تأتون المساجد، تُصلّون الفجر، تمتنعون عن ما حرَّم الله، هذا وليُّ الله، نعم هناك صالحون، هناك إنسانٌ أكثر صلاحاً من إنسانٍ، لكن الأولياء هُم الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. |
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63)(سورة يونس)
| وهذه الكلمات تتنزَّل بها الملائكة علينا عند الموت إن شاء الله: |
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ(30)(سورة فصلت)
| (قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ) العقيدة، (ثُمَّ اسْتَقَامُوا) السلوك، (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا) لم يعُد هناك خوفٌ ولا حزنٌ. |
وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ(30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)(سورة فصلت)
لمّا جاء الإسلام وجب على كل أتباع الشرائع السابقة أن يؤمنوا بسيدنا محمد:
| هذه الآية أيُّها الكرام، يستدِل بها بعض المُنحرفين على قضيةٍ لا تصِحُّ أبداً، فيستدلّوا فيها أنه إذا اليوم هناك يهوديٌ أو نصرانيٌ آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً ولم يتَّبِع محمداً فقد نجا، لا، قال صلى الله عليه وسلم: |
{ والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه لا يَسمَعُ بي أحَدٌ مِن هذه الأُمَّةِ يَهوديٌّ ولا نَصرانيٌّ، ثُمَّ يَموتُ ولَم يُؤمِنْ بالذي أُرسِلتُ به، إلَّا كانَ مِن أصحابِ النَّارِ }
(صحيح مسلم)
إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(19)(سورة آل عمران)
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(85)(سورة آل عمران)
| فهذه الآية تتحدَّث عن اليهود والنصارى والصابئين، قبل أن يأتي الإسلام العظيم، ولمّا جاء الإسلام وجب على كل أتباع الشرائع السابقة أن يؤمنوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، للنجاة بين يدي الله، لأنَّ هذه الآية البعض يكتُب ويستدِل فيها، والبعض ما عنده عِلمٌ شرعيٌ رصين، ولا يجمَع الآيات، فيقول أحدهم: هذه الآية جميلةٌ: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ) حتى الصابئين الذي ليس لديهم دين، حتى إن لم يكن عندك دين، البعض يُفسِّرها إذا آمنت بالله وعملتَ صالحاً تدخُل الجنَّة، لا، نقرأ القرآن بشكلٍ مُتكامل، المقصود هُنا أتباع الديانات قبل أن يأتي محمدٌ صلى الله عليه وسلم، فينجون عند ربِّهم باتباعهم لموسى أو باتباعهم لعيسى، أصلاً لا ننجو نحن المُسلمين عند ربِّنا، إلا بإيماننا بموسى وعيسى عليهما السلام، فلو قال اليوم مسلمٌ: أنا أؤمن بمحمدٍ ولكن لا أؤمن بموسى وعيسى، نقول له: أنت لم تستكمل أركان الإيمان، فالجميع مؤمنون بالإيمان بجميع أنبياء الله ورُسله، والجميع ملتزمون ويجب أن يؤمنوا برسالة محمدٍ صلى الله عليه وسلم لأنها الناسخة. |
| هناك وزيرٌ عيَّن مدير عام ولله المثل الأعلى، وزير عيَّن مدير لمُديريةٍ من المُديريات، ثم جاء رئيس الجمهورية الرئيس أو الملِك وعزل الوزير ووضع وزيراً آخر، فالمُدير لم يسمَع لكلام الوزير الجديد، قال له: أنا علاقتي مع الوزير القديم، هل يقبلها أحد؟! يقول له: يجب أن تستمِع له هذا الرئيس عيَّنه، لله المثل الأعلى. |
| لمّا أراد الله تعالى أن يأتي برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وجعل رسالته خاتمةً ومُهيمنةً على كامل الشرائع وناسخةً لها، فالآن لا يستطيع أحد أن يتمرَّد ويقول: أنا علاقتي مع القديم، لا، القديم له مكانته وتقديره والإيمان به، لكن الآن يجب أن تتَّبِع من جعله الله تعالى رسولاً خاتماً مُشرِّعاً وشريعته مُلزِمةٌ لكل مَن سَمِعَ به، فيجب أن نؤمِن به. |
معنى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ):
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(63)(سورة البقرة)
| لمّا رجع موسى عليه السلام وأتى بالألواح: |
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ(154)(سورة الأعراف)
| التوراة في الألواح، وفيها هُدىً للناس كما أنَّ القرآن هُدىً للناس، التوراة كان فيها هُدىً للناس، فجاء بها لقومه وأخذ عليهم الميثاق، العهد (أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ) أن يعملوا بما في التوراة، فجعل بنو إسرائيل كعادتهم يتملَّصون من الأمر: لا طاقة لنا به، لا نستطيع، فوق وِسعنا. |
| قلت لكم سابقاً: سورة البقرة تُعلِّمنا باليهود، ربُّنا جعلهم وسيلةٌ تعليمية، انتبهوا، واليوم بعض المسلمين يقول: نحن ليس في وِسعنا تطبيق التكاليف، وكأنه هو يعلَم وِسعَه، الله يعلم وِسعَك، ما دام الله كلَّفك فهو في وِسعِك. |
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(286)(سورة البقرة)
| فأخذ الله عليهم الميثاق، قال: (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) الطّور إمّا أنه اسمٌ للجبل الذي كلَّم الله تعالى عليه موسى، أو قيل هو اسمُ الجبل بالسريانية، كل جبلٍ يُقال له طور، حتى جبل قاسيون اسمُه طور بالسريانية، والله أعلم، أو هو اسمٌ خاص بالجبل الذي كلَّم الله به موسى. |
| هذه الآية وضَّحتها آيةٌ أُخرى في الأعراف: |
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(171)(سورة الأعراف)
ثبَّت الله عزَّ وجل الأرض بالجبال:
| (نَتَقْنَا) أي مثلاً: كيف إذا كان هناك وتدٌ عصا غليظةٌ مزروعةٌ بمكانٍ ومحاطةٌ بالإسمنت وتريد أن تنتزعها، فتُحرِّكها وتهزّها أكثر من مرةٍ ثم ترفعها، هذا معنى (نَتَقْنَا) أي رفعنا بقوةٍ بعد زحزحةٍ، لأنَّ الجبل في الأصل ما نراه منه هو ثلثه والثُلثان تحت الأرض، لذلك قال تعالى: |
وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا(7)(سورة النبأ)
| يُثبِّت الأرض، الأرض تتحرك وتمشي بنا ثلاثين كيلو متراً بالثانية، تدور حول نفسها ونحن لا نشعُر، فثبَّت الله الأرض بالجبال، حتى الجبال قال تعالى: |
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88)(سورة النمل)
| بعض المُفسِّرين فهموا: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) قالوا: هذا يوم القيامة عندما تتغيَّر. |
وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ(3)(سورة التكوير)
| لا، هذا الحديث عن الدنيا، والدليل تتمة الآية: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) فالله تعالى إن كان يتحدَّث عن ما سيحصُل يوم القيامة لا يقول: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) عندما يختل النظام الكوني وتُسيَّر الجبال، يتكلم الله عن الصَنعة الدنيوية، لكن عندما ما فهموا كيف تمشي، أمّا نحن اليوم نفهم أنها تمرُّ مرَّ السحاب، لأنَّ الأرض تتحرك، تدور حول نفسها وتدور حول الشمس، فهي تمرُّ مرَّ السحاب (تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) فرفع الله فوقهم الطور، نتقَه وجعله ظُلَّةً أي غمامة، وقال: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم). |
ربُّنا عزَّ وجل أحياناً يسوق العذاب للبعض ليرحمهم:
| أحبابنا الكرام: أنت أحياناً يكون عندك ولدان، واحدٌ منهم يُريحك كثيراً، تقول له: ادرُس يدرُس، اذهب يذهب، تعال يأتي، يعني ربُّنا أكرمك بولدٍ طاعةً مُطلقة لا يُتعِب قلبك، وعندك ولدٌ مُتعِبٌ جداً، لا بُدَّ من أن تُمسِك العصا وتضعها فوق رأسه، لا يحفظ إلا بذلك، فالأول يتعامل بالنَص، ادرُس لمصلحتك يا بُنَي، أيهما أيسَر وأفضل؟ الأول بلا شك، والثاني يحتاج إلى العصا. |
| فبنو إسرائيل لا يريدون أن يؤدّوا الميثاق الذي أخذه الله عليهم، رحمة الله بهم لأنه يريدهم، لأنه لا يُريد أن يُعذبهم في النار رفع الجبل فوقهم، قال لهم: إن تُطيعوا تكون الأمور بخير، وإن تتركوا الميثاق ينزل الجبل فوقكم وتنتهوا، فاتَّبعوا، انظُر إلى رحمة ربّنا، البعض ممكن أن يقول لك: هل أجبرهم الله؟ لا لم يُجبرهم، رحمهم. |
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256)(سورة البقرة)
| لكن أحياناً ربُّنا عزَّ وجل يقول لك: هناك عذابٌ لأنه يُريد أن يرحمك. |
فَقَسَا لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِمًا فَلْيَقْسُ أَحْيَانًا عَلَى مَنْ يَرْحَمُ{ أبو تمام }
| إذا كنت تُحبُّه وترحمه كُن حازماً معه، فالله تعالى لا يُريد أن يُدخلهم النار يُريد لهم الجنَّة، وهُم لا يريدون أن يتَّبعوا، فرفع الجبل فوقهم، نحن اليوم عندنا جبالٌ تُرفَع فوقنا، ولكن الحمد لله ليس كمثلهم، لأننا نحن أُمة الإيمان بالغيب، يجب ألّا يُرفَع الجبل فوقنا يكفي النَص، نحن الولد الأول، ربُّنا يقول لنا في سورة البقرة: كونوا مثل الولد الأول الذي حدَّثتكم عنه قبل قليل، الذي يسمَع الكلمة بالنَص ولا ينتظر العذاب، كونوا أُمة الغيب، لذلك بدأت سورة البقرة: |
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)(سورة البقرة)
| ربُّنا يقول لك: هناك عذاب، لا داعي أن ينزِل العذاب فوق رأسك حتى تسمَع الكلام. |
خذوا القرآن بقوةٍ:
| قال: (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) أي التوراة، وكأن الله يقول لأُمة الإسلام: خذوا ما آتيتكم بقوةٍ أي القرآن، تأخذه بقوةٍ بمعنى أن تُطبِّق ما فيه، بأن تعمل فيه. |
| أنت أحياناً تقرأ روايةً، مساءً ما عندك شيء والدنيا صيف، قالوا لك: هذه الرواية جميلة، فتقرأها، شيءٌ يُعجبك وشيءٌ لا يُعجبك، وأنت تقرأ لا تحتاج لقوةٍ، أو مللت في المساء فتقرأ جريدةً، لا تحتاج الأخبار السياسية (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) تقرأ تحليلات، أمّا عندما يكون عندك امتحانٌ في الكتاب المُقرَر بين يديك، فتقرأه حرفاً حرفاً، وإن لم تفهم شيئاً تتصل فوراً بزميلك أو بمُعلِّمك، تقول له: اشرح لي لعلّ يأتي السؤال من هُنا، فإذا علِمت أنَّ هذا الكتاب الأسئلة كلها منه وعنه يوم القيامة، هل تأخُذه بضَعفٍ؟ لا، بل بقوةٍ. |
يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا(12)(سورة مريم)
| خُذه بقوةٍ، اقرأ، تمعَّن، تدبَّر، اخشَع، ابكِ، نفِّذ (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) من الأوامر، من النواهي، من المواعظ، من القصص (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) كما نفعل نحن الآن، هذه الجلسة عنوانها خذوا القرآن بقوةٍ، نُريد أن نفهم كتاب ربِّنا، أن نتدبَّره، أن نعمل به، أن نفهم مضمونه. |
| لماذا يُحدِّثنا الله عن بني إسرائيل؟ ما علاقتنا بهم؟ (خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) الأسئلة منه وعنه، يجب تلاوةٌ يومية، تدبُّر. |
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(121)(سورة البقرة)
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(146)(سورة البقرة)
| (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي رجاء أن تتقوا عقاب الله تعالى وعذابه بطاعته. |
ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ(64)(سورة البقرة)
| أي أَعرضتم، تولّى أي أَعرَضَ، قال تعالى: |
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205)(سورة البقرة)
الفضل هو الزيادة والرحمة هي مُطلَق العطاء:
| (ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ) عندنا فضلٌ وعندنا رحمة، الفضل هو الزيادة، والرحمة هي مُطلَق العطاء، يُقال هذه فضلة الماء أي ما زادَ منه، الفضل هو الزيادة والرحمة هي مُطلَق العطاء، قال: (فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ) فضله أنه قَبِلَ توبتكم بعد كل ما صنعتم، وبعد تولّيكم، وبعد إعراضكم، هذا فضلٌ من الله زيادة. |
| ربُّنا جلَّ جلاله إذا أردنا أن نتكلم عن رحمته، رحمهم ورحمنا بما فيه الكفاية، الزوجة رحمة، الولد رحمة، الغيث من السماء رحمة، الرزق رحمة، كلها رحمة من الله عزَّ وجل، لكن أن تُعرِض ثم يشدُّك إليه، أن تتولى وتُعرِض ثم يسوق لك من المصاعب والشدائد ما يحملك على الرجوع، هذا فضل. |
| للتقريب: مُعلِّم مدرسة، من رحمته أنه عَلَّم الطلاب جميعاً تعليماً مُتقَناً، أوصل لهم المعلومة، أجاب على أسئلتهم، أعطاهم الفُرَص، حلّ أسئلة الدورات السابقة، بيَّن لهم الأسئلة المتوقعة للامتحان، انتهى دوره، لكن المُعلِّم عنده فضلٌ أيضاً، الفضل أنَّ هناك بعض الطلاب المُقصِّرين، قال لهم: تعالوا بعد الدوام، هذا غير مطلوبٍ منه، لا قانوناً ولا شرعاً، هو دوره من الساعة الثامنة إلى الساعة الثانية قام بكل المطلوب منه، بعض الطلاب مُقصِّرون، تلهّوا أثناء الدرس لم يفهموا فدعاهم، هذه الدعوة فضلٌ وزيادة. |
| فربُّنا جلَّ جلاله له فضلٌ ورحمة على جميع الناس جلَّ جلاله، قال: (فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ) لو أنَّ الواحد فينا بعد أن هدانا الله، وساقَ لنا الأنبياء والرُسل والكتُب، وبيَّن لنا ثم أعرَض فتركه، لكن هذا لا يتوافق مع أنه ربُّ العالمين، المُربّي جلَّ جلاله، لا، المُربّي يعتني، المُربّي يسوق أحياناً مُصيبة، شدة، شيءٌ ما، حتى يُرجِع الناس إلى جادة الصواب، هذا الفضل قال: (فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ). |
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(65)(سورة البقرة)
| أي علِمتموهم وعلِمتُم أحوالهم بالأعيان، لأنه عندنا في اللغة عَرَف وعَلِم، إذا قلت لك: عَرَفتُ زيداً يعني أنا أعرفه، أعرف ذاته، إذا قلت لك: عَلِمتُ زيداً فأنا أعلم أحواله، العِلم فوق المعرفة، فالمعرفة معرفة ذات والعِلم علم حال، فأنا عَلِمت زيداً، يعني زيد أتكلم عنه تماماً، عن أهله، عن وضعه، عن حالته الاجتماعية، عَلِمته، قال تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ) علِمتُم حالهم، وأعيانهم، وذواتهم، وما حلَّ بهم. |
| (الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ) اعتدوا أي تجاوزوا الحدود، وضَع الله لهم حدّاً فاعتدوه، الاعتداء هو مُجاوزة الحد (فِي السَّبْتِ) يوم السبت، الأيام سبعة لم يُذكَر منها في القرآن إلا يومان: السبت والجمعة، أمّا الأيام الأُخرى لم تُذكَر، الأيام الخمسة الأُخرى مأخوذةٌ من الأعداد، الأحد واحد، الاثنين اثنان، الثلاثاء من الثلاثة، الأربعاء من رقم أربعة، والخميس من خمسة، فمعدودة، إلا الجمعة والسبت، الجمعة عيدنا نحن أهل الإسلام، عيدنا نجتمع فيه، يجتمع فيه الإنسان مع أخيه المُسلم في المساجد، مع العائلة، فنحن عيدنا الجمعة. |
| فلذلك نحن نُهينا عن إفراد الجمعة بصومٍ، ونُهينا عن صيام السبت، السبت لكي لا نتشبَّه باليهود، والجمعة لأنَّ هذا عيدٌ فلا نخصُّه بصيامٍ، إلا أن نصوم قبله أو بعده، يعني لا نقول: أنا أصوم لفضل الجمعة، لا، السبت أيضاً ذُكِر في القرآن وهو ليس من الأيام التي فيها عدد، لأنَّ السبت هو انقطاع العمل، سَبَت أي انقطع عن عمله، فاليهود كانوا ينقطعون عن العمل في السبت فسُمّيَ سبتاً، قال تعالى: |
وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(163)(سورة الأعراف)
| أي يدخلون في السبت الذي هو الانقطاع عن الحركة، فهو لليهود عيدهم، والجمعة عيدنا أهل الإسلام. |
امتحان الله عزَّ وجل لبنو إسرائيل يوم السبت:
| الآن قال: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ) ماذا فعلوا؟ تعرفون القصة، الذي حصل أنَّ الله عزَّ وجل امتحنهم في يوم السبت، يوم العطلة، يوم الراحة، الإجازة، قال: هذا اليوم ليس فيه عملٌ، وبالنتيجة ليس هناك صيدٌ، وهُم (حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) يعني هُم على الشاطئ، فيوم السبت ربُّنا يمتحنهم، يُرسِل لهم الحيتان (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا) مُشرَّعةً كما ترى شِراع السفينة، فيمرّوا من أمامهم واليوم السبت، ويوم السبت ليس هناك صيدٌ، مثل المُحرِم ما عنده صيدٌ بالإحرام، وهُم يوم السبت ما عندهم صيد، والحيتان تمُرّ أمامهم، وهُم محتالون كعادتهم يُريدون أن يصيدوا السبت، فعملوا حوضاً في الماء ويوم السبت دخلت الحيتان فسوَّروهم ويوم الأحد أخرجوهم، بمعنى أنه نحن لم نصطاد السبت، حيلةٌ شرعية، ألا يقول المسلمون اليوم: حيلةٌ شرعية؟! يحتالون على الرِبا، ويحتالون على الغيبة، ويحتالون على النميمة، ويقول لك: يُعلِّمنا ربُّنا بيهود، ببني إسرائيل. |
| كانوا سابقاً والآن هناك وعيٌ أكثر، لا يُريد أن يدفع زكاة ماله، فيضعها داخل كيس الخبز ويذهب إلى مسجدٍ من المساجد، فيجد فقيراً ويُعطيه إيّاها، فيكون قد سلَّمه زكاة المال، ثم يُرسل له شخصٌ بعد دقيقةٍ يقول له: أتبيعني كيس الخبز؟ خُذ ألف ليرة وبِعها، وهي بداخلها يوجد عشرون ألفاً، فيُعطيه ألفاً ويسترجعها، واعتبر نفسه أنه دفع زكاة المال، وكأن الله عزَّ وجل حاشاه جلَّ جلاله لا يعلَم ما جرى. |
الاحتيال على ما أنزل الله تعالى فيه اجتراءٌ على مقام الألوهية:
| واليوم بعض البنوك الإسلامية تعمل حيَّل رِبوية، يحتالون على الرِبا نفسه بطريقةٍ ثانية، البعض ببعض المُعاملات، وبعض المُسلمين اليوم يحتال على الرِبا نفسه، يقول لك: أنا أخذت البيت رهنية، يرهنه ويؤجِّره وينتفِع به، والرهن لا يُنتفَع به، فيكون قد أقرضه المال ورهن البيت وصار يؤجِّر البيت ويأخُذ أُجرة البيت، بدلاً من أن يُعطيه المال، أي يُعطيه مئة ويأخُذ مئةً وعشرين، هذا رِبا صريحٌ واضح، يُعطيه المئة ويقول له: أعطني بيتك رهنٌ، وخلال فترة الرهن اسمَح لي أن أؤجره، فيؤجِّر البيت بالشهر بمئة، فهو عملياً دفع الألف وأخذها ألف ومئتان نفس الرِبا، لكن أخذهم من أُجرة البيت وليس منه مباشرةً. |
| أنا أقول: هذه الحيلة فيها اجتراءٌ على مقام الألوهية، لأنه هو بداخله كأن ربُّنا عزَّ وجل حرَّم شيئاً وأنا جعلت طريقةً للالتفاف عليه، كيف يصحُّ ذلك؟! فهؤلاء فعلوا ذلك، والله عزَّ وجل ابتلاهم فقال: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ) أي تجاوزا الحدّ (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) البعض يسأل إذا صاروا قردةً فمن أين جاءنا هؤلاء من نسلهم حتى اليوم؟ لا ليس كلهم، ربُّنا قبل قليلٍ قال لك: (وَالَّذِينَ هَادُوا)، (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) ليس الجميع، لكن جزءٌ منهم الذين اعتدوا في السبت. |
| (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) القرد حيوانٌ ظاهر العورة، وهمُّه بطنه وطعامه، والخنزير حيوانٌ همُّه فَرجه، فصارت همومهم الطعام والشراب والجنس، وهذا للأسف ما نجده اليوم، همّ البعير المُنحرِف عن الله بطنه وفَرجه، طبعاً جعلهم مَسَخَهم قِردةً وخنازير حقيقةً، لكن مَسَخَهم خَلقاً وأخلاقاً (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ). |
معنى (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا):
| قال: |
فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ(66)(سورة البقرة)
| أي العقوبة (نَكَالًا) والنكال هو الزجر والعذاب، والأنكال هي القيود التي يُقيَّد بها الإنسان، (فَجَعَلْنَاهَا) تلك العقوبة، أو تلك الأُمة التي صُنِعَ بها ذلك (نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) أي الأُمم التي شاهدت ما حلَّ بها، هناك أقوامٌ شَهِدوا ذلك، شَهِدوا تلك العقوبة (وَمَا خَلْفَهَا) لنا نحن (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا) لمَن يأتي بعدها فيُحدَّثوا عنها، وفي الوقت نفسه هي عذابٌ لقومٍ وهي موعظةٌ للمُتَّقين، (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) يتَّعظوا بها ويخافوا بها مَن يخاف الله تعالى، الوعظ هو الزجر، فالإنسان يتَّعِظ، المُتَّقي يتَّعِظ بهذا الأمر، فيخشى عذاب الله تعالى ويُقبِل على طاعته. |
| هذا والله تعالى أجلُّ وأعلم، والحمد لله ربِّ العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
الدعاء:
| اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافِنا واعفُ عنّا، وإلى غيرك لا تكلنا، ومن شرور أنفسنا نجِّنا وسلِّمنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا، والحمد لله ربِّ العالمين. |

