سورة البقرة - 11: شرح الآيات 57-61

  • 2026-06-05
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

سورة البقرة - 11: شرح الآيات 57-61

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً وعملاً مُتقبَّلاً يا ربَّ العالمين.
أيُّها الإخوة الكرام: مع اللقاء العاشر من لقاءات سورة البقرة، ومع الآية السابعة والخمسين من السورة وهي قوله تعالى:

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57)
(سورة البقرة)


فحوى قصة بني إسرائيل في سورة البقرة لنتعلَّم من أخطائهم فلا نقع بها:
مازالت الآيات تتحدَّث عن نِعَم الله تعالى على بني إسرائيل، ومازالت الآيات تُعلِّمُنا ببني إسرائيل، تصف لنا حال قومٍ مع أنبيائهم، مع رُسلهم، مع نِعَم الله عليهم، وكيف كان ردُّ فعلهم لنتعلَّم من أخطائهم فلا نقع بما وقعوا به، هذا فحوى ذِكر قصة بني إسرائيل في سورة البقرة، وقد أسلفنا أنها كانت من أول ما نَزَل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد دخوله المدينة، فالمسلمون في طورٍ جديد، في طور اختلاطٍ ببقية الناس، بخلاف ما كانوا في مكَّة، هناك خزرج، وهناك أوس، وهناك نصارى، وهناك غير ذلك، وهناك يهود في المدينة، فكان لا بُدّ من بيان الأمراض التي وقع بها بنو إسرائيل لنتعلَّم منها.

الظِلّ نِعمةٌ من نِعَم الله تعالى على الإنسان:
يُعدِّد الله نِعَمه والآن من نِعَم الله تعالى على بني إسرائيل قال: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) من نِعَم الله تعالى الظِلّ، الظِلّ نِعمةٌ من نِعَم الله تعالى على الإنسان، قال تعالى:

أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا(45)
(سورة الفرقان)

وقال تعالى:

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ(81)
(سورة النحل)

الظِلّ نِعمةٌ، يقول لك: مكانٌ ظليل يجلس به الإنسان فيستظِلّ به من حرارة الشمس، ورُبما يقيه أحياناً من البرد، فالظِلّ مُهمٌ جداً، وربُّنا جلَّ جلاله يمتنُّ على بني آدم بالظِلّ، لأنه خَلقَ لنا ظِلالاً، وفي الجنَّة مِن مِنَّة الله على عباده الظِلّ، قال تعالى:

وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ(30)
(سورة الواقعة)

قال صلى الله عليه وسلم:

{ إن في الجنةِ لشجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلّها مائةَ عامٍ لا يقطعُها واقرأوا إن شئتُم وْظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ }

(أخرجه البخاري والترمذي وأحمد)

أنت إذا كنت تمشي في الطريق، ووجدت أشجاراً عن اليمين وعن اليسار الساعة الثانية عشر ظهراً، وتكاتفت الأشجار مع بعضها لمسافة مئة مترٍ تقريباً تقول: ما شاء الله ما هذا الظِلّ مئة مترٍ! خمس دقائقٍ لم أخرُج منه، كما كان حال الغوطة من الشجر، يوم القيامة في الجنَّة شجرةٌ (يسيرُ الراكبُ في ظلّها مائةَ عامٍ لا يقطعُها) قال تعالى: (وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ) هذه مِن النِعَم، لكن من أعظم نِعَم الله عزَّ وجل أن يُظِلّنا بظِلّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه، ظِلّ العرش، نسأل الله تعالى أن يُظِلّنا بظِلّه، وكما قال صلى الله عليه وسلم:

{ سَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه: الإمامُ العادِلُ، وشابٌّ نَشَأ في عِبادةِ رَبِّه، ورَجُلٌ قَلبُه مُعَلَّقٌ في المَساجِدِ، ورَجُلانِ تَحابَّا في اللهِ اجتَمعا عليه وتَفَرَّقا عليه، ورَجُلٌ طَلَبَتْه امرَأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمالٍ، فقال: إنِّي أخافُ اللهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ، أخفى حتَّى لا تَعلَمَ شِمالُه ما تُنفِقُ يَمينُه، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خاليًا ففاضَت عَيناه }

(أخرجه البخاري ومسلم)

وكما قال أيضاً:

{ من أنظر معسرًا أو وَضع له، أظلَّه اللهُ يومَ القيامةِ تحتَ ظلِّ عرشهِ، يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه }

(أخرجه البخاري ومسلم)

أي أمهَلهُ، قال له: والله ما معي أن أسدُّ لك دَينَك، أمهلني شهراً آخر، فأمهَلهُ قال له: معك شهرٌ آخر، قال: (من أنظر معسرًا أو وَضع له) قال له: سامحتك بالنصف أو بالكل، قال: (أظلَّه اللهُ يومَ القيامةِ تحتَ ظلِّ عرشهِ، يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه).
فهناك ظِلٌّ عند الله تعالى لا يعلَم عَظَمته إلا الله، هو ظِلُّ الله، إذا ظِلّ الشجرة قُلنا ما شاء الله مئة عامٍ ما يقطعها الإنسان، فما بالك بظلِّ الله؟! فما بالك أن نقف في ظلِّه جلَّ جلاله، ما هذا الظِلّ العظيم؟!

{ تدنو الشمسُ يومَ القيامةِ من الخلقِ، حتى تكونَ منهم كمقدارِ مَيلٍ، فيكون الناسُ على قدرِ أعمالهم في العَرقِ، فمنهم من يكونُ إلى كعبَيه، ومنهم من يكون إلى ركبتَيه، ومنهم من يكون إلى حِقْوَيه، ومنهم من يلجُمه العرقُ إلجامًا }

(أخرجه مسلم والطبراني والبيهقي والترمذي وأحمد)

فإذا أظلَّنا الله في ظِلّه بعفونا، بتسامحنا، بـ (شابٌّ نَشَأ في عِبادةِ رَبِّه، ورَجُلٌ قَلبُه مُعَلَّقٌ في المَساجِدِ)، (ورَجُلٌ تَصَدَّقَ، أخفى حتَّى لا تَعلَمَ شِمالُه ما تُنفِقُ يَمينُه)، بإمامٍ عادل، (ورَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خاليًا ففاضَت عَيناه) كل هذه الأمور تجعل الإنسان في ظِلِّ الله.

معنى (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ):
قال تعالى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) الغمام جمع غمامة، والغمامة هي السحاب الأبيض البارد الذي يغمُّ السماء، ما معنى يغمُّها؟ أي يسترها ويواريها، تنظُر فلا ترى السماء لأنَّ السحاب قد غمَّها، ومنه الغمّ، نقول: اللهم فارِج الهمّ كاشف الغمّ، لأنَّ الغمّ يستُر القلب فيمنَع صلاحه، ويمنَع اتقاده، ويمنَع فرحه، يغمُّه الغمّ، فالغمّ من الستر: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ).
(وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ) المَنّ في الأصل بمعنى المَنّ في اللغة: هو أن تأخُذ شيئاً بغير مُقابل، أن يأتيك هكذا مِنَّةً، لذلك قال صلى الله عليه وسلم:

{ الكَمأةُ مِنَ المَنِّ، وماؤُها شِفاءُ العَينِ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

أي لا أحد يزرع الكمأة، يحفرون الأرض ويخرجونها فهي مِن المَنّ، عطاءٌ من الله، هو كله عطاءٌ من الله لكن أحياناً يجب أن تضَع البِذرة وأن تسقي، وقد تقول لي فيها شيءٌ، أي تعبتُ عليها، أمّا مَنٌّ مِن الله عزَّ وجل من غير سببٍ منك (الكَمأةُ مِنَ المَنِّ، وماؤُها شِفاءُ العَينِ) كما قال صلى الله عليه وسلم، فالمَنّ هو العطاء الذي ليس له مُقابل، قال تعالى:

فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ(4)
(سورة محمد)

(الْوَثَاقَ) أي الأسر، أي إذا أردتم أن تمنّوا عليهم بعد الأسر، يمكن أن تمُنَّ عليه بلا مُقابل، اذهب لا نُريد منك شيئاً، أو فداءً، نُريد منك مالاً، نُريد منك أن تُعلِّم بعض المسلمين، نُريد في مُقابلك شيئاً ما (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً).
(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ) المَنّ هو نباتٌ يعرفه بعض الناس حتى الآن في العراق، من بعد طلوع الفجر وحتى طلوع الشمس ينزل على ورق الشجر مثل العسل، من غير أي جُهدٍ يذهبوا ويجمعوه من ورق الشجر، (وَالسَّلْوَى) هو طائرٌ طعمه لذيذٌ جداً، لحمه لذيذ يُسمّونه طائر السُمانَ، هذا الطائر طعام، والمَنّ عسلٌ كأنه شراب:

ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(69)
(سورة النحل)

مثل العسل، فقال: (وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) اليوم هناك أكلاتٌ لذيذة يُسمّونها المَنّ والسلوى تأسّياً بهذا النَص القرآني.
(كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) هذا أمرٌ ليس للوجوب، هذا أمرٌ للإباحة والامتنان، أي أباحه لهم وامتنَّ عليهم به.
(كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) أي لمّا أعرضوا عن الشُكر، وأعرضوا عن ذِكر الله عزَّ وجل فيما وهبهم، لم يظلموا الله تعالى.

يظلم الإنسان نفسه حينما ينشغِل بالنِعمة عن المُنعِم:
إذا طبيبٌ قال للمريض: خُذ هذا الدواء، فصار كل يومٍ يُلقي الدواء في القمامة ولا يأخُذه، قال لك: أنا أظلم الطبيب، لا، أنت تظلم نفسك لأنَّ المرض عندك يزداد (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) فالإنسان عندما لا يشكُر الله على نِعَمه لا يظلم ربّه لأنَّ الله تعالى عطاؤه بغير حساب.

{ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما رَوى عَنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أنَّه قال: يا عِبادي، إنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ على نَفسي، وجَعَلتُه بينَكُم مُحَرَّمًا، فلا تَظالَموا، يا عِبادي، كُلُّكُم ضالٌّ إلَّا مَن هَدَيتُه، فاستَهدوني أهدِكُم، يا عِبادي، كُلُّكُم جائِعٌ إلَّا مَن أطعَمتُه، فاستَطعِموني أُطعِمكُم، يا عِبادي، كُلُّكُم عارٍ إلَّا مَن كَسَوتُه، فاستَكسوني أكسُكُم، يا عِبادي، إنَّكُم تُخطِئونَ باللَّيلِ والنَّهارِ، وأنا أغفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا، فاستَغفِروني أغفِرْ لَكُم، يا عِبادي، إنَّكُم لَن تَبلُغوا ضَرِّي فتَضُرُّوني، ولَن تَبلُغوا نَفعي فتَنفَعوني، يا عِبادي، لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنسَكُم وجِنَّكُم كانوا على أتقى قَلبِ رَجُلٍ واحِدٍ مِنكُم، ما زادَ ذلك في مُلكي شيئًا، يا عِبادي، لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنسَكُم وجِنَّكُم كانوا على أفجَرِ قَلبِ رَجُلٍ واحِدٍ ما نَقَصَ ذلك مِن مُلكي شيئًا، يا عِبادي، لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنسَكُم وجِنَّكُم قاموا في صَعيدٍ واحِدٍ فسَألوني، فأعطَيتُ كُلَّ إنسانٍ مَسألَتَه، ما نَقَصَ ذلك ممَّا عِندي إلَّا كما يَنقُصُ المِخيَطُ إذا أُدخِلَ البَحرَ، يا عِبادي، إنَّما هي أعمالُكُم أُحصيها لَكُم، ثُمَّ أوفِّيكُم إيَّاها، فمَن وجَدَ خَيرًا فليَحمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ غيرَ ذلك فلا يَلومَنَّ إلَّا نَفسَه. وفي روايةٍ: إنِّي حَرَّمتُ على نَفسي الظُّلمَ وعلى عِبادي، فلا تَظالَموا }

(أخرجه مسلم)

لكنه يظلم نفسه حينما يحجبها عن ربِّها، وحينما ينشغل بالنِعمة عن المُنعِم (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(58)
(سورة البقرة)

أي واذكُر يا محمد - صلى الله على سيدنا محمد - أو واذكروا إذ قُلنا على لسان موسى، موسى هو قال لهم لكن بأمر الله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ) القرية هي بيت المقدِس، لأنَّ الله تعالى قال في آيةٍ أُخرى:

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ(21)
(سورة المائدة)

فالقرية بإجماع المُفسِّرين هي بيت المقدِس، ادخلوها أي ادخلوها للسكن، لقوله تعالى في سورة الأعراف:

وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(161)
(سورة الأعراف)

والسَكَن هو هدوء، فيه سكن فيه راحة، يسكُن الإنسان في بيته فسُمّيَ البيت سكناً، ويسكُن الرجُل مع زوجته فسُمِّيَت المرأةُ سكناً.

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21)
(سورة الروم)

وتسكُن مع زوجها فسُمّي زوجها سكناً لها، والإنسان دائماً يسكُن لشيءٍ ينقصه، لذلك يجد في زوجته ما يُكمِّل نقصه، وتجد فيه ما يُكمِّل نقصها، فيسكُن كلٌ منهما للآخر، والبيت سَكَن لأنه يكون مُتعَباً ينقصه الراحة والهدوء، فيدخُل فيسكُن في بيته، فادخلوها من أجل السكن والإقامة.

معنى القرية بالمُصطلح القرآني:
ما هي القرية؟ بيت المقدِس، ما معنى القرية؟ القرية في الأصل من القِرى وهو التجمُّع، مِقرعة الماء إذا تجمَّع الماء فيها، فالقِرى الجمع، وسُمِّيَت القرية قريةً لتجمُّع الناس فيها.
بالمناسبة كلمة القرية وردت في كتاب الله في ستةٍ وخمسين موضِعاً، وجاءت على القرية الكبيرة والصغيرة، وعدد السكان الكبير والصغير، أي لم تتحدَّد بشيءٍ، مكَّة كانت أكبر البلدان في جزيرة العرب في وقتها، حتى أنها أُم القرى سمّاها الله تعالى:

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ(7)
(سورة الشورى)

أيضاً سمّاها قُرى مع أنها صغيرة الحجم، ومكَّة كبيرة، وسمّى مكّة والطائف قريتين:

وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ(31)
(سورة الأحزاب)

قرية مكّة وقرية الطائف.

وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ(82)
(سورة يوسف)

مصر وما أدراكم ما مصر؟ قرية.
فالتجمُّع السُكاني في اللغة يُسمّى قريةً، بالعُرف الحديث يُسمّوا المكان الذي فيه تجمُّعٌ سُكانيٌ قليل قرية، والذي فيه تجمُّعٌ حضريٌ كبير مدينة، لكن بالمُصطلح القرآني القرية هي المكان الذي يتجمَّع فيه الناس.

وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)
(سورة يس)

سمّاها مدينة هُنا، لكن معظم التسمية القرآنية قرية لأنها مكان تجمُّع، القِرى مكان التجمُّع، وقِرى الضيف لأنهم يتجمَّعون عليه، يُقريهم، يُطعمهم منه.
(فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا) أي المدينة مُباحة لكم بكل ما فيها، هنيئاً مريئاً (حَيْثُ شِئْتُمْ) في أوساطها، في أطرافها.

الإنسان بمواطن الضعف يسجُد ويطلُب المغفرة لكن بمواطن القوة قد يغفَل عن الله:
(وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) هُنا أمرٌ شرعي، أي أن يدخُل من أحد أبواب المدينة المُقدَّسة ساجداً لله.
(وَقُولُوا حِطَّةٌ) وحِطَّةٌ هذا خبرٌ لمُبتدأٍ محذوف، أي قولوا: سؤالنا أو دعاؤنا حِطَّةٌ يا ربّ، أي أن تحُطَّ عنّا خطايانا.
الإنسان يا كرام بمواطن الضعف يسجُد ويخضَع ويطلُب المغفرة، لكن بمواطن القوة قد يغفَل عن الله، لذلك قال تعالى لنبيِّه:

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا(2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا(3)
(سورة النصر)

بهذا الوقت، بلحظة القوة.
فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكَّة مُطأطِئاً رأسه حتى كادت ذؤابة عمامته تُلامِس عُنق بعيره تواضُعاً لله تعالى، ودخل جوف الكعبة فصلّى ثماني ركعاتٍ لله تعالى.
(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) في هذه اللحظة التي قد يعتري الإنسان فيها شيءٌ من الكِبر، أو شيءٌ من أنّي فعلت، أنا تفوقت، أنا نجحت، أنا أخذت الامتحان، أنا بنيت الدار، أنا انتهيت، في هذه اللحظة ينبغي أن تنتبه إلى قلبك، إيّاك أن يُصيبك شيءٌ من الكِبر، فالإنسان يخاف على قلبه في مواطن التفوُّق أكثر ممَّا يخاف في مواطن الضعف، لأنه بالضعف كلنا نفتقر.

كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ(6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ(7)
(سورة العلق)

عندما يظنُّ نفسه مُستغنياً يطغى، فلذلك قال: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) فُتِحت المدينة وأباحها الله لكم، كيف ندخلها؟ قال: (سُجَّدًا) خاضعين، مُتذللين لله، سائلين الله المغفرة من نزوات الكِبر، من نزوات العُنجُهية، من نزوات والعياذ بالله الانتقام أحياناً.
(وَقُولُوا حِطَّةٌ) يا ربّ اغفر لنا خطايانا، حُطَّ عنّا خطايانا، جواب الشرط: (نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ)، خطايا جمع خطيئة، والخطيئة تُجمَع على خطيئاتٍ، كما جاء في سورة الأعراف قال:

وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(161)
(سورة الأعراف)

وهُنا قال: (نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) فهُما جمعان (نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) إن طلبتم من الله المغفرة غَفَر لكم.
قال: (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) أي سنزيد من يُحسِن في العمل فوق غفران الخطايا ثواباً ورفعاً للدرجات.

الإنسان بطبيعته يُحب الزيادة:

لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(26)
(سورة يونس)

الإنسان بطبيعته يُحب الزيادة، ما هي الزيادة؟ النظر إلى وجهه الكريم، والله الزيادة أحلى من الحُسنى، النظر إلى وجهه الكريم هي زيادةٌ لكنها جميلةٌ جداً ورائعة (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ) هُنا قال: (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) سنزيدهم عطاءً، سنزيدهم قُرباً، سنزيدهم مودةً (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ).

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(59)
(سورة البقرة)


إذا احتملت الكلمة معنَيَين فدعها وانتقل إلى كلمةٍ لا تحتمل إلا معنىً واحداً:
غيَّروا وبدَّلوا، قال لهم: (قُولُوا حِطَّةٌ) فدخلوا فقالوا: حِنطة، كما ورد في بعض الروايات:

{ قِيلَ لبنِي إسرائِيلَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا، وقُولُوا حِطَّةٌ فبدَّلُوا، فدخلُوا يزحَفُونَ على أسْتاهِهِم، وقالُوا: حبَّةٌ في شَعيرَةٍ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

وربُّنا وصَفَهم:

مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا(46)
(سورة النساء)

حتى كلمة راعنا نهى الله عنها، قال:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ(104)
(سورة البقرة)

لأنه في لغة اليهود لها معنىً آخر، فصاروا يقولونها للنبي صلى الله عليه وسلم يعنون بها لغتهم، فإذا احتملت الكلمة معنَيَين فدعها وانتقل إلى كلمةٍ لا تحتمل إلا معنىً واحداً.
لمّا سيدنا عُمر رضي الله عنه كان يتفقَّد رعيته ليلاً، وجد قوماً قد أشعلوا ناراً، قال: السلام عليكم يا أهل الضوء، قال حاجبه: وكَرِه أن يقول يا أهل النار، هُنا لغةً صحيحة، لكن تُفهم على معنىً آخر، فإذا احتملت الكلمة معنَيَين فدعها وانتقل إلى كلمةٍ تحتمل معنىً واحداً.

المؤمن يحاول في عبارته أن يجعل الرسالة والعبارة مُتحدتان معاً:
كثيرٌ من مشاكلنا مشكلتها أنَّ الإنسان يقول شيئاً فيصل إلى الآخرين بطريقةٍ أُخرى غير التي أرادها، والإنسان دائماً يا كرام، عنده في كلامه عبارة وعنده رسالة، والعبارة قد تكون شيئاً والرسالة قد تكون شيئاً آخر، وبلغتنا نحن أهل الشام عندنا منها كثيراً، فممكن أن يقول له: هل رأيت ما حدث يا فهيم؟ وهو لا يقصد فهيم بل عكسها تماماً، لكن يقول له يا فهيم، فالعبارة يا فهيم والرسالة والعياذ بالله.
أو يقول له: ما شاء الله حولك، هي جميلةٌ جداً ما شاء الله حولك، وهو يقول له: هذا الذي رأيته؟! فأحياناً الرسالة غير العبارة، والمؤمن يحاول في عبارته أن يجعل الرسالة والعبارة مُتحدتان معاً.
يذكروا في علوم الإدارة، أنَّ المدير كان جالساً خلف مكتبه، فدخل إليه أحد الموظفين وقال له: أنا عملي مُتعِبٌ جداً، وأنا منزعجٌ جداً، وأنا وأنا..، فقال له: والله يجب أن تصبِر العمل صعب، فخرج الرجُل، وفي اليوم الثاني دخل وقال له: زُملائي في العمل يزعجونني ويُضايقونني ويُعيقونني عن العمل، فقال له: يجب أن تصبِر ما عندي حلٌّ، فكان هناك رجُلٌ جالسٌ أمامه، قال له: إذا دخل غداً وشكى لك عن عمله فقل له: الآن لا أستطيع أن أزيد لك في الراتب شيئاً، هذا هو الراتب الذي عندي، فدخل الرجُل وقال له: أمس هناك موظفٌ أزعجني جداً وضايقني، فقال له: والله هذا هو الراتب الذي عندي، فخرج ولم يعُد يأتي، بمعنى أنَّ الرجُل كانت عبارته أنه منزعجٌ من ضغط العمل، وكانت رسالته أنَّ الراتب غير كافٍ، والمدير ما عنده إمكانيةٌ للزيادة، فلمّا أجابه على الرسالة انتهت المُشكلة.

مُهمة الداعية أو المُربّي أن يفهم الرسالة من العبارة:
كثيرٌ من المُشكلات أحياناً بين الزوجين مثلاً، يكون العبارة شيء والرسالة شيءٌ آخر، مُهمة الداعية أو المُربّي أن يفهم الرسالة من العبارة.

{ آخَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بينَ سَلمانَ وأبي الدَّرداءِ، فزارَ سَلمانُ أبا الدَّرداءِ، فرأى أُمَّ الدَّرداءِ مُتَبَذِّلَةً، فقال: ما شأنُكِ مُتَبَذِّلَةً؟! قالتْ: إنَّ أخاكَ أبا الدَّرداءِ ليس له حاجةٌ في الدُّنيا، قال: فلمَّا جاءَ أبو الدَّرداءِ، قرَّبَ إليه طعامًا، فقال: كُلْ، فإنِّي صائمٌ، قال: ما أنا بآكِلٍ حتَّى تأكُلْ، قال: فأكَلَ، فلمَّا كان اللَّيلُ، ذهَبَ أبو الدَّرداءِ ليقومَ، فقال له سَلمانُ: نَمْ، فنامَ، ثمَّ ذهَبَ يقومُ، فقال له: نَمْ، فنامَ، فلمَّا كان عِندَ الصُّبحِ، قال له سَلمانُ: قُمِ الآنَ، فقامَا فصلَّيَا، فقال: إنَّ لنَفْسِكَ عليكَ حقًّا، ولِرَبِّكَ عليكَ حقًّا، ولِضَيْفِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لِأهلِكَ عليكَ حقًّا، فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فأَتَيَا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فذكَرَا ذلكَ، فقال له: صَدَقَ سَلمانُ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

في حالةٍ أُخرى قالت: أنه صوَّامٌ قوام، هُنا أدبٌ عالٍ جداً، صوَّامٌ قوام، لكن صوَّامٌ قوام هُنا هي تتكلم عن قصةٍ ثانية، الرسالة أنه هو غير مُهتم بزوجته نهائياً، لكن العبارة صوَّامٌ قوام، ففهِم، فأتى به صلى الله عليه وسلم، صوَّامٌ قوام ليس المقصود أنه يُكثِر الصيام والقيام، المقصود أنه لا يلتفِت لزوجته ولا لحاجاتها، فهناك رسالةٌ وهناك عبارةٌ دائماً.

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(59)
(سورة البقرة)


فرق المعنى بين الرجز والرجس:
الرجز غير الرجس، الرجس النَجَس والقَذَر، الرجز العذاب.

هَٰذَا هُدًى ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ(11)
(سورة الجاثية)

أي عذاب، (مِّنَ السَّمَاءِ) أي الصواعق، الرياح القوية.
(رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) الباء للسبب، أي بسبب فسقهم، والفسق نوعان: فِسقٌ ضد الإيمان وهذا قد يُدخِل النار، قال تعالى:

وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ(20)
(سورة السجدة)

الفسق في الأصل هو الخروج عن المنهج، والرُطبة عندما تفسُق تخرُج قشرتها عن لُبِّها، والحشرات الفواسق لأنها تخرُج من جِحرها وتفعل أذاها، فيحل قتلهنَّ في الحلِّ والحَرَم، الفواسق الخمسة.
والفسق الآخر ضد العدالة، قال:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)
(سورة الحجرات)

هذا فسقٌ أصغر، أي غيرُ عدلٍ، رجُلٌ يتكلم بأي شيءٍ يسمعه فهذا فاسق، ليس فاسق بمعنى أنه خارج عن منهج الله، أي غيرُ عدلٍ، أي كلامه قد لا يُصدَّق قد يكذب فيه (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا).

وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ(60)
(سورة البقرة)


الاستسقاء سُنَّة الأنبياء:
اسْتَسْقَىٰ طلب السُقيا، واستطعَم طلب الطعام، واستشفى طلب الشفاء، كل فعلٍ أوله همزةٌ وسينٌ وتاء، بمعنى الطلب في الأعمّ الأغلب، إلا في حالاتٍ نادرة (اسْتَسْقَىٰ) طلب الماء (وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ) والسُقيا أو الاستسقاء سُنَّة الأنبياء، ونبينا صلى الله عليه وسلم استسقى لقومه:

{ بينَما النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَخطُبُ يَومَ الجُمُعةِ إذ قامَ رَجُلٌ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، هَلَكَ الكُراعُ، وهَلَكَ الشَّاءُ، فادعُ اللهَ أن يَسقيَنا، فمَدَّ يَدَيه ودَعا }

(أخرجه البخاري ومسلم)

فالاستسقاء سُنَّةٌ من سُنَن الأنبياء، وموسى عليه السلام استسقى لقومه، أي طلب السُقيا لهم، وكل ما نتحدَّث عنه الآن حصل في سنوات التيه، السنوات الأربعين:

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(26)
(سورة المائدة)

في صحراء سيناء، فطلب لهُم الماء.

عصا موسى عليه السلام كان لها أربعة مواقف:
(فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ) هذه العصا عصا موسى عليه السلام كان لها أربعة مواقف، الموقف الأول ليس بالترتيب أي كل المواقف، الموقف الأول ضَرَبَ البحر فانفلق:

فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ(63)
(سورة الشعراء)

هي العصا نفسها لأنها أصبحت عصا معهودة بالذهن، العصا يتحدَّث عنها الله تعالى، والعصا تحولت إلى أفعى، والعصا:

وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ(117)
(سورة الأعراف)

ألقاها فأخذت سحر فرعون كاملاً، وهُنا ضرب بها الحجر (فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) هُنا قال: فانفجرت، في الأعراف:

وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(160)
(سورة الأعراف)

الانفجار هو التبعثُر والانفتاح، الانشقاق ثم التبعثُر، الانبجاس هو أول الانفجار، أول ما ينفجر يُسمّى انبجست، ثم يتبعثر فيُسمّى انفجاراً، فذكر المولى: (فَانبَجَسَتْ) وذكر: (فَانفَجَرَتْ).
(فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) لأنَّ الأسباط اثنتا عشرة سِبطة، فكل سِبطٍ أي كل فخذٍ أو قبيلةٍ لها مشربٌ (فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ) كل قبيلةٍ لها مشربٌ.
(كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ) وهُنا شُربٌ فقط، لكن لأنه ذَكرَ قبل آياتٍ المَنَّ والسلوى (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ).

أي خروجٍ عن منهج الله تعالى هو إفساد:
تعثوا في الأرض، العثو هو شدّة الإفساد، أي لا تُفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، الله تعالى أباح لك ما في الأرض، ممكن أن نقول هناك إفساد بيئةٍ (فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) إذا كل واحدٍ سيشرب من الماء ثم سيلقي بنفاياته في الماء فهذا إفسادٌ، من هُنا يبدأ الإفساد.

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)
(سورة الروم)

وإذا كان يُفسِد المرأة فيُخرجها عن طبيعتها إفساد، وإذا كان يُسرِف في الطعام إفساد، وإذا كان يُبذِّر يُنفِق في الحرام إفساد، فأي خروجٍ عن منهج الله تعالى هو إفساد، تحدَّثنا عن ذلك بالتفصيل في مَطلَع سورة البقرة:

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ(11)
(سورة البقرة)

وقُلنا إنَّ الإفساد هو أن تضَع الشيء في غير موضِعه، وضربنا مثالاً وقتها إذا وضعت السُكَّر مع الأرز في الطبخ أفسدته، وإذا وضعت الملح مع الحلويات أفسدتها، الملح مُهم والسُكَّر مُهم، لكن وضعه في غير موضعه يُفسِد، فالله تعالى خَلقَ المرأة أُمَّاً، بنتاً، أُختاً، عمَّةً، خالةً، جدةً لها مكانتها لها موضعها في البيت، فأفسدوها أخرجوها عن مهمتها وقالوا لها: يجب أن تعملي، وهناك أعمالٌ لا تُناسب أنوثتها، ثم جعلوها إعلاناً، صوَّروها ووضعوها على مُنتجاتٍ حتى يبيعوا للناس، أفسدوها لأنهم وضعوها في غير موضِعها، وكل شيءٍ يوضَع في غير موضِعه يَفسُد ويُفسِد، فقال: (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ).

طبيعة بني إسرائيل وقوم موسى أنهم كثيرو التذمُّر والسؤال:
لكن طبيعة بني إسرائيل وطبيعة قوم موسى، أنهم كثيرو التذمُّر وكثيرو السؤال، ويسألون عن أشياءٍ كثيرةٍ، أهلكهم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فما أعجبهم ذلك، كل هذا الإكرام المَنّ والسلوى، والماء نَبَعَ، وكل شيءٍ لكنهم لم يقبلوا بذلك.

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ(61)
(سورة البقرة)

مَنٌّ وسلوى كل يوم؟ عسلٌ كل يوم؟ نريد القليل من الخل، الإنسان عندما يُبالِغ في الدنيا ويستهدِفُها لا يُعجبه شيء، الدنيا إذا استُهدِفَت، ما معنى استُهدِفَت؟ أي لم تُستخدَم مطيةً، أصبحت هي مبلَغ العِلم.

{ قَلَّما كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقومُ من مجلِسٍ حتى يدعُوَ بهؤلاءِ الدَّعَواتِ لِأَصحابِهِ: اللهمَّ اقسِمْ لنا مِنْ خشيَتِكَ ما تحولُ بِهِ بينَنَا وبينَ معاصيكَ، ومِنْ طاعَتِكَ ما تُبَلِّغُنَا بِهِ جنتَكَ، ومِنَ اليقينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ علَيْنَا مصائِبَ الدُّنيا، اللهمَّ متِّعْنَا بأسماعِنا، وأبصارِنا، وقوَّتِنا ما أحْيَيْتَنا، واجعلْهُ الوارِثَ مِنَّا، واجعَلْ ثَأْرَنا عَلَى مَنْ ظلَمَنا، وانصرْنا عَلَى مَنْ عادَانا، ولا تَجْعَلِ مُصِيبَتَنا في دينِنِا، ولَا تَجْعَلْ الدنيا أكبرَ هَمِّنَا، ولَا مَبْلَغَ عِلْمِنا، ولَا تُسَلِّطْ عَلَيْنا مَنْ لَا يرْحَمُنا }

(أخرجه الترمذي والنسائي والطبراني)

لمّا يُصبِح الإنسان أكبر همِّه الدنيا ومبلَغ عِلمه الدنيا، قال تعالى:

ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ(30)
(سورة النجم)


أي مُتعةٍ تُستهدَف بذاتها تنقلب إلى ألمٍ:
هذا ما يعرفونه، أي مُتعةٍ تُستهدَف تنقلب إلى ألمٍ، أي مُتعةٍ تُستهدَف بذاتها بعد حين تُصبِح شيئاً مألوفاً، وقد تُصبِح ألماً بدلاً من أن تكون مُتعةً، الغرب والعياذ بالله لمّا استهدَف الشهوة وجعلها هي مُنتهى الآمال شهوة المال والنساء، لم يعُد يُعجبه شيء، فانتقل كما فعل قوم لوط والعياذ بالله، ثم انتقلوا والعياذ بالله إلى البهائم كما نسمع، لأنَّ اللّذة عندما تُستهدَف لذاتها وليست سبباً لما بعدها، تُهلِك الإنسان والعياذ بالله، تُهلكه شهوته، أمّا المُسلم يأخُذ من الدنيا ويتمتَّع بها لكنه لا يَستهدفها، يَستهدِف الآخرة، ويجعل الدنيا مطيةً الآخرة، فلا يخرُج عن منهج الله تعالى، يغضُّ بصره عن الحرام، يكتفي بما أحلَّه الله تعالى له، ولا يستهدِف المُتعة لذاتها، لذلك ورد في بعض النصوص:

{ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا بعَث به إلى اليمنِ قال له إيَّاك والتَّنَعُّمَ فإنَّ عبادَ اللهِ ليسوا بالمُتَنَعِّمينَ }

(أخرجه أحمد والبيهقي)

أي لا يستهدفون التنعُّم يعني الرفاهية لذاتها، إذا ربُّنا أكرمني بشيءٍ أنتفِع به، لكن أنا ليس هدفاً لي التنعُّم فقط، هدفي هو الله ورضا الله تعالى، فلم يُعجبهم:

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ(61)
(سورة البقرة)

(يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا) هذه المِن للتبعيض، يعني من بعض مما تُنبِت الأرض، من الثانية: (مِن بَقْلِهَا) نُسمّيها في اللغة من بيانية، أي ما هي الأشياء؟ قال: (مِن بَقْلِهَا) والبقل هو كل نباتٍ ليس له ساق، فإذا كان له ساقٌ سُمّيَ شجرةً، يعني الكُرَّاث والذي هو البراصيا بلغة أهل الشام، والبقلة، والنعنع كل هذا اسمُه بَقلٌ (مِن بَقْلِهَا)، (وَقِثَّائِهَا) أي الخيار، (وَفُومِهَا) الثوم، (وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) المعروفان، (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) ربُّنا جلَّ جلاله أعطاكم نِعَماً عظيمة ثم تُريدون الأشياء البسيطة؟!

بنو إسرائيل تركوا الذي هو خير وأخذوا الذي هو أدنى:
(أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) والباء في اللغة تدخُل دائماً على المتروك، ما هو الذي تركوه؟ الذي هو خير، تدخُل عليه الباء، فأنت إذا كان عندك سيارةٌ قديمة وتريد أن تشتري سيارةً جديدة، فتقول: استبدلتُ سيارةً جديدة بسيارتي القديمة، التي تركتها تضع فيها الباء، باللغة العامية يضعوا الباء بالذي أخذته، لا، الباء تدخُل على المتروك (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) أي تتركون الذي هو خيرٌ وتأخذون الذي هو أدنى، وهذا من قِلة عقلكم وقلة فهمكم.

معنى (اهْبِطُوا مِصْرًا):
(اهْبِطُوا مِصْرًا) هل مصراً يعني مصر البلد المعروف؟ لا، ما الذي دلَّنا على ذلك؟ دلَّنا على ذلك أنَّ مصراً جاءت منونة، أي غير ممنوعةٍ من الصرف، يعني اهبطوا بلداً، يعني أي بلدٍ من البلاد تُريدونه انزلوا إليه، من مرتبةٍ أعلى إلى مرتبةٍ أدنى انزلوا، أمّا لمّا ربُّنا عزَّ وجل ذكر مِصر بذاتها فقال جلَّ جلاله:

وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(87)
(سورة يونس)

منعها من الصرف، أي مصر التي هي مصر التي تُسمّى مصر إلى اليوم (بِمِصْرَ بُيُوتًا) أمّا (اهْبِطُوا مِصْرًا) مُنونةً أي غير ممنوعةٍ من الصرف، ما معنى ممنوع من الصرف؟ أي لا يُنوَّن، ويُجَر بالفتحة نيابةً عن الكسرة، هذا هو الممنوع من الصرف، أي لا يأخُذ التنوين.
أحد النحويين جاء إليه طالبه فطرق الباب، قال: من بالباب؟ قال: أحمد، وأحمد اسمٌ ممنوعٌ من الصرف لأنه على وزن الفعل أفعَل، فقال: من بالباب؟ قال: أحمد، قال: انصرِف، لا يُريد أن يستقبله، قال: اسمي لا ينصرف، قال: أضِفه وانصرِف، لأنَّ الممنوع من الصرف إذا أُضيف وجاء بعده مضاف إليه ينصرِف، فقال: أضِفه وانصرِف، لا يُريده.
فمِصراً هُنا مصروفة، ولمّا كانت مصروفة إذاً هي بلدٌ من البلدان.

معنى (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ):
(اهْبِطُوا مِصْرًا) أي بلداً من البلدان (فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) موجود ما تُريدونه: البقل، والقِثاء، والفوم، والعدس، والبصل، قال: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) والعياذ بالله، أي المَذلَّة والهوان، وهذا أعظم ما يُصيب الإنسان، ثم قال: (وَالْمَسْكَنَةُ) والمسكنة هي الفقر، من المسكين ومن السكون، لأنَّ المسكين لا يجد رزقه لا يتحرك، عنده إشكال، فسُمّيَ مسكيناً لأنه ساكن، لا يتحرك لرزقه (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا) أي رجعوا، وتُطلَق باءوا غالباً على الرجوع بالشرّ وليس بالخير، يعني لا يقول: باء بمغفرةٍ وإنما باء بسوءٍ.
(وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ) والعياذ بالله (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ) باء السبب، أي لماذا ضُرِبَت عليهم الذِلَّة والمسكَنة؟ لأنهم (كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ) لا يؤمنون بآيات الله.
(وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) النبيين قراءة، وهناك قراءةٌ متواترة: النبيئين من النبأ، والنبي عنده نبأٌ عظيمٌ يأتي بالنبأ من الله، أو النبيين من النَبوة وهي ما ارتفع من الأرض، لمكانة الأنبياء عند الله، فالنبيء فيها معنىً زائد وهو النبأ، والنبيين فيها معنىً آخر وهو النَبوة، وهو ما ارتفع من الأرض، لأنَّ الأنبياء لهم مكانةٌ كبيرةٌ عند الله تعالى.

معنى (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ):
(وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) هل هناك قتلٌ للنبيين بحقّ؟! قال: نحن قتلنا النبيين لكن بحقّ! لا، هذا القيد ليس قيداً احترازياً هذا قيدٌ وصفي، أي كل قتلٍ للأنبياء فهو بغير حقّ، نحن باللغة عندنا قيدٌ احترازي وقيدٌ وصفي، القيد الاحترازي:

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(97)
(سورة آل عمران)

ومَن لم يستطِع؟ لا حجَّ عليه.
ربُّنا عزَّ وجل قال في القرآن عن الربائب، الربيبة التي يَحرُم الزواج منها، قال:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا(23)
(سورة النساء)

وإن لم تكن الربيبةُ في حِجري فهل يحلُّ لي أن أتزوجها؟ لا، هذا قيدٌ وصفي خرَج مخرَج الغالب، أي في الغالب أنَّ الربيبة تُربّى في بيت أُمها، أو هكذا ينبغي أن يكون، أن تُربّى في بيت زوج أُمها مع أُمها، هكذا ينبغي أن يكون، فالفقهاء الأربعة على أنَّ الربيبة تَحرُم وإن لم تُربّى في بيت زوج أُمها، وخالف في ذلك الظاهرية ابن حزم فقال: (اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم) القيد هُنا احترازي، أي إن كانت في غيرها لا تَحرُم، وهذا طبعاً خلاف الصحيح لا يصحُّ ذلك، الربيبةُ تَحرُم على زوج أُمها، سواءً رُبّيَت في حِجره أو في غير حِجره.
فهُنا أيضاً القيد وصفي وليس احترازياً، أي كل قتلٍ للأنبياء فهو بغير الحقّ، لا يُقتَل الأنبياء بحقٍّ معاذ الله (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ).
هذا والله تعالى أعلم، والحمد لله ربِّ العالمين.

الدعاء:
اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافِنا واعفُ عنّا، وإلى غيرك لا تكلنا، ومن شرور أنفسنا نجِّنا وسلِّمنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا، والحمد لله ربِّ العالمين.