سورة البقرة - 10: شرح الآيات 47-56
سورة البقرة - 10: شرح الآيات 47-56
| السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
| بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
| اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً وعملاً مُتقبَّلاً يا ربَّ العالمين. |
| اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات. |
| وبعد أيُّها الكرام: فهذا لقاؤنا التاسع من لقاءات سورة البقرة، ونحن مع الآية السابعة والأربعين من السورة وهي قوله تعالى: |
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ(47)(سورة البقرة)
| هناك عدة نقاطٍ يجب توضيحها في تفسير هذه الآية أو في تدبُّرها. |
| الأمر الأول كما أسلفنا، إسرائيل هو يعقوب عليه وعلى نبينا السلام، وبنوه هُم ذريته، وإسرائيل بالعبرانية بمعنى إسرا ئيل أي عبد الله أو صفوة الله. |
| والله تعالى يُخاطِب هُنا بني إسرائيل ويأمُرهم أن يذكروا نِعمة الله تعالى عليهم، وخاطب أُمة الإسلام وأمَرَهُم أن يذكروا الله: |
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)(سورة الأحزاب)
ينبغي ألّا نكتفي بالنِعمة بل أن ننتقل من النِعمة إلى المُنعِم:
| أنت إذا ذكرت الله فقد وصلت، لأنَّ الله عزَّ وجل هو المُنعِم، المُتفضِّل، المُوجِد، الخالق، البارئ، المُصوِّر، وأنت إذا ذكرت نِعمته عليك فوصلت إليه من خلالها فقد وصلت، لكن المُصيبة كل المصيبة أن تذكُر النِعمة وتبقى فيها، أن تذكُر النِعمة فقط ثم لا تخرُج من النِعمة إلى المُنعِم، فهذه هي مُصيبة المصائب، ويبدو أنَّ بني إسرائيل كان انشغالهم بالنِعمة واضحاً، فكانوا لا يلتفتون إلى المُنعِم، لذلك يُذكِّرهم الله تعالى بنِعمته (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) أي لا تكتفوا بالنِعمة وإنما انتقلوا من النِعمة إلى المُنعِم. |
| اليوم مُعظم الناس يعيشون النِعمة، يمشي، يذهب، نِعمة الصحة، عنده كفاية يومه، عنده زوجته، عنده طعامه، عنده شرابه، يعيش مع النِعمة، لكن مَن ذا الذي تنقله النِعمة إلى المُنعِم؟ هذا هو القصد من ذِكر نِعمة الله. |
| (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) وهذا تكرارٌ لما سبق، لكن الآن سيعطِف عليه شيئاً جديداً، وهذا من روائع اللغة، أنك إذا أردت أن تذكُر معنىً جديداً، أن تُعيد القديم وأن تعطِف عليه، فقبل آياتٍ قال: |
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ(40)(سورة البقرة)
| أي إنَّ إيفاءكم بعهدي هو شكرٌ لنعمتي عليكم، الآن كرَّر المولى (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) وعطف شيئاً جديداً: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) اذكروا هذه النعمة. |
التفضيل لا يقتضي دائماً الأفضلية:
| (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) يا كرام التفضيل لا يقتضي دائماً الأفضلية، سأضرِب مثالين ليتضِح ذلك: |
| أنت عندك ولدان وتُحب واحداً أكثر من واحد، وهذا لا ينبغي عند الأب أن يميل إلى ولدٍ أكثر من ولد، لكن نقول من واقع الحياة، فتميل إلى أحدهما لأنه مُتفوقٌ، لأنه جميل الصورة، لأنه يرعاك، لأنه يُلبّي طلباتك، تميل إليه أكثر، ففضَّلته بهديةٍ، أهديته هديةً لم تُعطِها لأخيه، أعطيته شيئاً خاصاً به، هُنا التفضيل يقتضي الأفضلية، لأنه أفضل عندك من الثاني، أعطيته شيئاً وفضَّلته به على الثاني هذا واضح. |
| لكن لو أنَّ عندك ولدين واحداً منهما مُتفوِّقٌ ومُتميز، ودائماً علامته مئةٌ من مئة، والثاني كسول ودائماً علامته أربعون وخمسة وأربعون، بالكاد ينجح، ففضَّلت الثاني الكسول على الأول بأساتذةٍ خاصين، جئت له بمُدرِّس خصوصي، والمُدرِّس الخصوصي يحتاج إلى مبلغٍ مالي، واعتنيت به عنايةً زائدة، وسجَّلته في دورةٍ لمادة الرياضيات، وأُخرى للإنكليزي، فأنت فضَّلته لكن هل هو أفضل من أخيه؟ لا، على العكس أخوه أفضل منه، لكن فضَّلته لعِلَّة فيه، لأنه بحاجة دعمٍ أكثر، لأنه مُتكاسلٌ، ففضَّلته بأشياءٍ لم تُعطِها لأخيه. |
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا(34)(سورة النساء)
| فالتفضيل لا يقتضي الأفضلية، ففضَّل الله الرجُل بالقُدرة على الإنفاق، وفضَّله بالقُدرة على الحكمة والقيادة، وفضَّله بالقُدرة على إدارة شؤون الأُسرة، وفضَّلها عليه بالقُدرة على رعاية الأولاد والعاطفة الشديدة، والقُدرة على تحمُّل الأبناء وما فيهم من مشاقٍ، فضَّل الله بعضهم على بعضٍ، لذلك: |
وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا(32)(سورة النساء)
| كل واحدٍ يقنَع ويرضى بما فضَّله الله به، فكلنا مُفضَّلون وكلنا مُفضَّلٌ علينا، فأنا مُفضُّلٌ بشيء وغيري مُفضَّلٌ عليَّ بشيءٍ آخر، والتفضيل لا يقتضي الأفضلية. |
| فبنو إسرائيل لمّا قال تعالى: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) لا يُفهَم من ذلك أنهم الأفضلية، ما الدليل؟ |
أكذوبة شعب الله المُختار:
| قال تعالى: |
وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(18)(سورة المائدة)
| هُنا أبناءه بمعنى نحن كأبنائه في شدَّة القُرب منه، أي يُحبُّنا كثيراً (وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ) أي أنَّ هذا الادعاء لا أصل له، الله لا يُعذِّب أحبابه، فما دمتُم ستُعذَّبون بسبب ذنوبكم فأنتم لستم أحباب الله تعالى، أحبابه لا يُعذِّبهم، الحبيب لا يُعذِّب محبوبه، ونحن نُحب الله تعالى ونرجو الله تعالى ألّا يُعذِّبنا. |
| قد يبتلينا، قد يُصيبنا ببعض المصائب، قد يمتحننا، هذا ليس عذاباً، هذا ارتقاءٌ ورفع درجاتٍ وتكفير سيئات، لكن الحبيب لا يُعذِّب محبوبه (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ). |
| فقال: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) فهذه الأكذوبة شعب الله المُختار، هذه من عندهم، الله لا يختار شعباً على شعبٍ، ولا أُمةً على أُمة. |
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)(سورة الحجرات)
| وانتهى. |
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ(48)(سورة البقرة)
| (وَاتَّقُوا يَوْمًا) هو يوم القيامة، ونكَّره للتهويل والتعظيم، التنكير أحياناً يُقصَد به التهويل والتعظيم. |
| (وَاتَّقُوا يَوْمًا) أي يوماً عظيماً: |
إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا(10)(سورة الإنسان)
عندنا نفسان نفسٌ جازيةٌ ونفسٌ مَجزيٌ عنها:
| يومٌ تشيبُ لهوله الوِلدان (لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا) إذاً عندنا نفسان، نفسٌ جازيةٌ ونفسٌ مَجزيٌ عنها. |
| رئيس مخفرٍ التُقِطتَ مُتهمٌ بسرقةٍ وجيء به إليه، هذه نفس، الآن جاءت نفسٌ أُخرى تريد أن تشفَع له، ما الذي يحصُل أولاً؟ أولاً يُحاول هذه النفس أن تجزي عنه، يمكن أن يقول له: هذا الرجُل مُهمٌ عندنا خُذ أحدنا مكانه - وهذا معاذ الله - أنا أجلس مكانه (لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا). |
| المحاولة الثانية يقول له: أنا أشفَع له، أنا فُلان بن فلان هل تقبَل شفاعتي؟ يقول له: لا، هذا سارق يجب أن يُحاسَب. |
| الحالة الثالثة يقول له: كم تُريد فديةً نُعطيك (وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) فديةٌ (وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ) ليس لهم ناصرٌ ولا مُعين من الله عزَّ وجل. |
| فهُنا يتحدَّث الله عن النفس الجازية التي جاءت تُريد أن تفعل شيئاً لتفُك نفساً أُخرى، قال: لا، ممنوع. |
| في الآية مئة وثلاث وعشرون من سورة البقرة يقول تعالى: |
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ(123)(سورة البقرة)
| مثل هذه تماماً، ثم يقول: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ) هناك يتحدَّث عن النفس المجزية، عن النفس الأُخرى (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ). |
ليس هناك تكرارٌ بالقرآن:
| نعود لمثال رئيس المخفر، يقول له المأسور: أدفع لك المال أخرجني، يقول له: لا (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ) يأتيه مَن يشفَع له: (وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ) ليس هناك تكرارٌ بالقرآن، هُنا يتحدَّث عن النفس الجازية التي جاءت لتفدي نفساً أُخرى. |
| في الآية مئة وثلاث وعشرين يتحدَّث عن النفس المجزية التي وقعت وأُلقيَ القبضُ عليها فلا فكاكَ لها. |
| فلذلك هُنا قال: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) وهناك قال: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ) يقول: أخرجني، يقول له: لا، ولا تنفعها شفاعة مَن جاء ليشفَع له، انظروا إلى الدقة القرآنية. |
نِعَم الله المُتتالية على بني إسرائيل:
| ثم يشرَع المولى جلَّ جلاله بتعداد نعماءه على بني إسرائيل، وقد قُلنا إذا قرأت في القرآن "وإذ" معناها: واذكروا إذ. |
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ(49)(سورة البقرة)
| أي من جماعته، من حزبه، من أتباعه ممَّن معه (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) يُذيقونكم أسوأ أنواع العذاب، ما هو هذا العذاب؟ شرحه قال: (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) إمعاناً في الإذلال يُبقون النساء للخدمة ويذبحون الأبناء، لكي لا يأتي منهم هذا الولد الذي سيقضي على مُلك فرعون، لكن الذي سيقضي على مُلكِه ربّاه فرعون في قصره. |
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)(سورة يوسف)
البلاء هو الامتحان:
| أراد الله أن يُربّي فرعون في قصره مَن سيقضي على مُلكِه (وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) بلاءٌ وامتحانٌ عظيم أن تكون تحت قهر جهةٍ قويةٍ مُتغطرسةٍ، كما كان الحال في بلادنا قبل سنةٍ ونصف وأكثر، قهرٌ شديد، جهةٌ ظالمةٌ مُتغطرسة تُريد أن تفعل ما تُريد في هذا البلد، وتُريد أن تقتُل وأن تسجن وأن تعتقل وألّا ينطِق إنسانٌ بكلمةٍ واحدة، قهر (وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ) البلاء هو الامتحان. |
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ(35)(سورة الأنبياء)
| حتى إنَّ بعض المُفسّرين قالوا: (وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ) تعود على (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم) أي البلاء في النجاة، لأنَّ الإنسان يُمتحَن عندما ينجو ويُمتحَن عندما يُقهَر، البعض من المُفسّرين قالوا: (وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ) تعود على (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم) وليس: (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) معنىً جميل، أي أنَّ البلاء في أننا نجيناكم بلاءٌ عظيمٌ أيضاً. |
| الآن نحن ربُّنا عزَّ وجل نجّانا من هؤلاء القوم الظالمين، هذا بلاءٌ عظيم. |
قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(129)(سورة الأعراف)
| وما كان منهم أيضاً بلاءٌ عظيم، فتعود: (وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) على النجاة، هذه: وَنَبْلُوكُم بالْخَيْرِ، وتعود على: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) وهذه: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ، وكلاهما معنىً صحيح ويحتمله النَص. |
| (وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) امتحان، لكن عندما يقول لك الله تعالى: (بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ) بلاءٌ من الربّ يخف، لأنَّ الربّ هو المُربّي، يُربّيك، يُحبُّك، يُريد لك الخير، يمتحنني فما دام من الله فهو مقبولٌ، في الظاهر أنَّ بلاء الشر من فرعون، لكن في الحقيقة: (بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ) فما دام الربّ العظيم الذي يُربّيني ويُحبُّني يبتليني، فأنا راضٍ بابتلائه، صابرٌ عليه، واقفٌ منه الموقف الأكمل والأمثل. |
وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(50)(سورة البقرة)
| نِعمةٌ أُخرى، لمّا وصل موسى إلى البحر وقال أصحابه: |
فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)(سورة الشعراء)
| والعدو من خلفهم والبحر من أمامهم، ففرق الله البحر، أي جعله فِرقين: |
الله عزَّ وجل أحياناً يجعل الكافر يرتكِب حماقاتٍ لا يتصورها عقل:
فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ(63)(سورة الشعراء)
| ومشى موسى في داخله، فلمّا وصل فرعون، الله عزَّ وجل أحياناً يجعل الكافر يرتكِب حماقاتٍ لا يتصورها عقلٌ، دخل وقال: الطريق من أجلي، فعاد البحر فوقه وأغرقه وأغرق جنده (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) أمام أعينكم تم الأمر وأنتم تنظرون إلى هلاكهم. |
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ(51)(سورة البقرة)
| هذه المواعدة من أجل تلقّي التوراة، المنهج. |
وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ(142)(سورة الأعراف)
| كان أحدهم يقرأ القرآن وهذه قصةٌ واقعية فقال: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلةً ثم أتممناها بعشرٍ فتمَّ ميقات ربِّه خمسين ليلة، فقال له أحدهم: لا تحفظ القرآن فهمناها لكن أيضاً لا تعرف أن تحسب؟ |
| فهذه أربعون من أجل تلقّي المنهج، الوحي من السماء، ففي غيابه انتهزوا الفرصة، والسامري: |
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ(88)(سورة طه)
وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ(92)(سورة البقرة)
| أي اتخذتُم العجل إلهاً، حدث المفعول به الثاني لأنَّ الآية تدل عليه، والبلاغةُ في الإيجاز (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ) أي اتخذتموه إلهاً. |
| (وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ) أي وأنتم ظالمون لأنفسكم كما سيأتي بعد قليلٍ. |
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(52)(سورة البقرة)
العفو لا يقتضي دائماً عدم العقوبة:
| يُقال عَفَت الريح الأثر أي أزالته، أي عندك أثرٌ على الرمل جاءت ريحٌ فأزالت الأثر، فالعفو هو الإزالة يُنبئ عن الإزالة، فيعفو الله تعالى عن الذنب أي يُزيله من صحيفتك (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم) لكن العفو لا يقتضي دائماً عدم العقوبة، يعني ربُّنا عزَّ وجل قد يعفو ويُعاقِب، العفو أنه أزاله من صحيفتك يوم القيامة، لكن قد يكون هناك عقوبةٌ عليه في الدنيا، كما سيأتي بعد قليلٍ. |
| (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي لعلكم تشكرون نعمة الله عليكم في أنه عفا عنكم بعد هذا الفعل العظيم، وهو أنكم اتخذتم العجل إلهاً. |
وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(53)(سورة البقرة)
| (الْكِتَابَ) هو التوراة (وَالْفُرْقَانَ) هي التوراة، قال بعض المُفسّرين: عَطَفَ عطفٌ تفسيري، أي كأنَّ سائلاً سأل ما هو الكتاب؟ فقال له الله تعالى هو الفُرقان الذي يُفرِّق الله تعالى به بين الحقِّ والباطل، وبين الحلال والحرام، هذه مهمة الكتاب، نحن هذا القرآن نقرأه من أجل أن نُحلَّ حلاله ونُحرِّم حرامه، من أجل أن نعرف الحقَّ من الباطل. |
| قال تعالى: |
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا(1)(سورة الفرقان)
كل كتابٍ أنزله الله تعالى هو فُرقان:
| فقرآننا فُرقان، والتوراة فُرقان، والإنجيل فُرقان، وكل كتابٍ أنزله الله هو فُرقانٌ، فقالوا: هذا عطفٌ تفسيري، وقال بعضهم: الواو زائدة في اللغة، طبعاً زائدة للتوكيد (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) الفُرقان، أي الكتاب الذي صِفته أنه يُفرِّق بين الحقِّ والباطل، فيوضِّح لك الحقّ من الباطل، قال تعالى: |
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(28)(سورة النور)
| فالقرآن يُنير لك الطريق، فترى الحقَّ حقَّاً والباطل باطلاً، أمّا الناس الذين يسيرون بغير منهجٍ، ممكن أن يفعل المُنكرات وهو يرى أنَّ لا شيء فيها، وكأنه لم يفعل شيئاً. |
| (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي لعلكم تستدلون على الحقِّ والباطل من خلال الكتاب. |
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(54)(سورة البقرة)
سيدنا موسى عنده طبيعةٌ انفعالية:
| (يَا قَوْمِ) تحبُّبٌ وتودُّد، أي لم يتخلَّ عنهم رغم هذه المعصية الكبيرة، سيدنا موسى عنده طبيعةٌ انفعالية، يعني لمّا رجع ورآهم قد اتخذوا العجل: |
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(150)(سورة الأعراف)
قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي(94)(سورة طه)
| تمهَّل عليّ (وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) لم تسمَع منّي، اسمع حُجَّتي، سيدنا موسى واضح بكل قصصه أنه عنده طبيعةٌ انفعالية. |
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ(15)(سورة القصص)
| قال له: |
قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا(69)(سورة الكهف)
الطبائع يجب أن تُسخَّر في طاعة الله:
| ثلاث مراتٍ ثم يسأل، فعنده طبيعةٌ انفعالية، الناس طبائع لكن ليست المُشكلة أن تكون ذا طبيعةٍ مُعيَّنة، المُهم في طبيعتك أن تستخدمها في طاعة الله، نحن كلنا عندنا إيمانٌ بالله يمنعنا من الوقوع في المعاصي والآثام، عن قصدٍ وعن عمدٍ وعن الإصرار على الذنب إن شاء الله، لكن هناك طبائعٌ بالبشر، هذه الطبائع يجب أن تُسخَّر في طاعة الله، فالانفعالي ينفعِل إذا انتُهِكَت حُرمات الله، والهادئ يستخدم هدوءه وحكمته في الدعوة إلى الله وهكذا، فالطبائع نستخدمها في طاعة الله. |
| (يَا قَوْمِ) يعني رغم أن طبيعته انفعالية ما ترك قومه، بعد أن هدأ: |
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ(154)(سورة الأعراف)
| قال: (يَا قَوْمِ) نَسَبهُم إليه أنتم قومي، لم أتخلَّ عنكم رغم فعلتكم، أحياناً يقول أحدنا: ابني لم أعُد أُريده سأتبرأ منه، نقول له: هوِّن عليك، مهما فعل قُل له يا بُنَي، لأنه يبقى ابنك من لحمك ودمك، فيه بذرة خير، حاول أن تُنمّيها مهما أخطأ، الطالب قُل له: يا أخي، يا حبيبي، شريكك في العمل، دائماً اترُك شعرة معاوية بينك وبين الناس. |
| (يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم) هُنا وضَّح الظلم، الله تعالى قال: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ) وموسى هُنا قال لهم: (إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم). |
أعظم ظُلمٍ أن يُشرَك بالله عزَّ وجل:
| أحبابنا الكرام: الذي يُشرِك بالله هذا أعظم ظُلمٍ. |
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13)(سورة لقمان)
| وبعد ذلك دونه كل ظُلمٍ، والظُلم أن تضَع الشيء في غير موضِعه، فالعبادة لمَن؟ لله وحده، فلمّا عبدوا العجل ظلموا أنفسهم، لأنَّ الله تعالى خلقهم ليعبدوه فوضعوا أنفسهم في خدمة عجله، الظُلم أن تضَع الشيء في غير موضِعه، والعدل أن تضَع الشيء في موضِعه، القاطع الكهربائي يجب أن يوضَع في مكانٍ مُناسب، إذا فتحت الباب تجده مقابل فتحة الباب بارتفاعٍ موازٍ ليدك، لكن إذا جاء كهربائيٌ ووضَعه أسفل الحائط فهذا ظُلمٌ، هذا ليس هُنا مكانه، وإذا وضَعه خلف الباب، فتحت الباب ودخلت فيجب أن أُغلِق الباب لأصِل إلى القاطع هذا ظُلمٌ، فقالوا: الظُلم أن تضَع الشيء في غير موضِعه، فنفسُك خلقها الله لعبادته، فلمّا تضَع العبادة في غير الله فقد ظلمت نفسك ما ظلمت ربَّك. |
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57)(سورة البقرة)
| كما قال تعالى في ختام هذه الصفحة. |
| (إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ) هذه باء السبب، أي بسبب اتخاذكم العجل إلهاً (فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ) ارجعوا إليه، التوبة هي الرجوع، والثوبة هي الرجوع، والأوبة هي الرجوع. |
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(125)(سورة البقرة)
معنى: " مَثَابَةً لِّلنَّاسِ":
| ما معنى مثابةً؟ الناس يذهبون ويعودون، يقول لك: والله اشتقنا، تقول له: لم يمضِ شهران، يقول لك: والله أشعُر بالشوق إلى العودة (مَثَابَةً لِّلنَّاسِ) يثوبون إليه، والتوبة رجوعٌ إلى الله عزَّ وجل، والأوبة يؤوب إلى بيته يرجع إلى بيته، فكلها بمعنىً واحد. |
| فقال: (فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ) أحبابنا الكرام: ربُّنا خالق، بارئ، مُصوِّر، الخالق من عدم على غير مثالٍ سابق، البشر يخلقون، هل يجوز أن يُطلَق على البشر الخلق؟ ممكن لأنَّ الله قال: |
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14)(سورة المؤمنون)
الإنسان لا يخلُق بمعنى الخلق لكن الله يخلُق من العَدَم:
| فالإنسان ممكن أن يُطلَق عليه أنه خَلَقَ شيئاً، ولكن على المجاز وليس على الحقيقة، لأنه هو يُنشئ شيء على مثالٍ سابق، ويُنشئه ليس من العَدَم وإنما من مجموعة أشياء، تقول مثلاً: الإنسان اخترع الطائرة، لكن كلمة اختراع بالأصل فيها خطأ، الأصل اكتشف، لأنَّ القوانين موجودة لكنها كانت مُغطاة وهو اكتشفها، أرخميدس لم يخترع دافعة أرخميدس بل اكتشفها، اكتشف أنَّ هناك شيءٌ عندما تضغط شيئاً داخل الماء هناك قوةٌ معاكسة تدفعه للأعلى، هو كشف شيءٍ موجود لكن ما أوجده من العَدَم، فالطائرة على مثالٍ سابق، لولا أنَّ الإنسان رأى الطائر يطير في الهواء، لما تخيَّل أنه ممكن لشيءٍ أن يطير في الهواء، هل هي خَلقٌ من عدم؟ لا، هي تركيب أشياء موجودة، الوقود موجود في باطن الأرض، والحديد موجود، والبلاستيك موجود، فجمعهم، فالإنسان لا يخلُق بمعنى الخلق، لكن الله يخلُق من العَدَم، على غير مثالٍ سابق. |
معنى البارئ والمُصوِّر:
| البارئ: برئ السهم أي سوَّاها، قال: |
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ(2)(سورة الأعلى)
| فالبرء هو التسوية، لو أنَّ الله عزَّ وجل خلقه ولم يجعل له أنفاً يشمُّ فيه، هذا لم يبرأه أوجده من عدمٍ، لكن البارئ جلَّ جلاله هو الذي هدى الإنسان إلى سُبل حياته. |
| المُصوِّر: هو الديكور الأخير، الصورة الحَسَنة التي نحن عليها (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). |
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4)(سورة التين)
| هذا المُصوِّر جلَّ جلاله، جَعَلَ عينان وليست عيناً واحدة، الأنف فوق الفم، إذا كنت ستأكل طعاماً فاسداً وأنت تضعه على فمك فتشمَّ رائحته، لأنَّ الأنف في موضِعه المناسب، التقط الرائحة الكريهة فكان حاجزاً لك، الدماغ ضمن الجمجمة لأنه جهازٌ مُهم، القلب ضمن القفص الصدري، العين ضمن المحجر، الأجهزة المُهمة جعل لها حمايةً جلَّ جلاله. |
| فربُّنا جلَّ جلاله، خَلَقَ، بَرَئ، صوَّر، فقال: (فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ) وكأنه يحثُّهم على التوبة، مزيداً من الحَث لأنَّ الله هو الذي بَرأكُم، وصوَّركُم، وأحسَن صوركُم. |
| (فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) قال المُفسِّرون: (فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) أي ليقتُل بعضكم بعضاً، يعني ليقتُل مَن لم يعبُد العجل من عَبَد العجل، لذلك قُلت لكم: إنَّ العفو لا يقتضي ترك العقوبة، تمامه أن يقوموا بذلك، وهي في شريعتهم وهي عقوبةٌ لهم، لأنهم لمّا جعلوا أنفسهم في عبادة غير الله تعالى وعبدوا العجل، كان لا بُدَّ أن تذوق هذه النفس العقوبة، لأنه لا قيمة لها إن لم تتوجَّه إلى الله تعالى فقال: (فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ). |
| (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ) أي أنَّ هذا أفضل لك من أن تستحق الجحيم إلى أبد الآبدين، إذا ذاقَ الإنسان بعض العذاب في الدنيا، أليس ذلك خيراً له من عذابٍ أبديٍ مُقيم؟ قال تعالى: |
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21)(سورة السجدة)
التوبة تخلية والرحمة تحلية:
| قال: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) أي قَبِلَ توبتكم (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة تخلية والرحمة تحلية، التواب كثير التوبة على عباده يغفر الذنوب جميعاً (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ) لم يعُد هناك ذنوب (الرَّحِيمُ) يُلقي في قلبك هذه الرحمة التي يمتلئ بها قلبك، حُبّاً، ودّاً، قُرباً، إحساناً، الرحمة اسمٌ جامعٌ لكل خير (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). |
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(55)(سورة البقرة)
مشكلة بني إسرائيل أنَّ إيمانهم لا يكون إلا بالمحسوس:
| أحبابنا الكرام: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) هؤلاء بنو إسرائيل كما قلت لكم في بداية سورة البقرة، عندهم مشكلة أنَّ إيمانهم لا يكون إلا بالمحسوس، ما عندهم إيمانٌ بالغيب، سورة البقرة كلها موضوعها أن تُعلِّمنا الإيمان بالغيب، قال تعالى في مُفتتحِها: |
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)(سورة البقرة)
| تُريد سورة البقرة أن تصل بالمؤمن إلى الإيمان بالغيب، لا تكن كبني إسرائيل، بنو إسرائيل عندهم مُشكلة أنهم لا يؤمنون إلا بالمحسوسات، فقالوا: (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) بعد كل هذا نُريد أن نرى الله جهرةً! والله تعالى: |
لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(103)(سورة الأنعام)
| جلَّ جلاله. |
من رحمة الله بنا أن جعل لنا أشياءً لا تدركها الأبصار ولكننا نؤمن بوجودها:
| وربُّنا عزَّ وجل من رحمته بنا جعل لنا أشياءً في الدنيا لا تدركها الأبصار ولكننا نؤمن بوجودها حتى تطمئن نفسك. |
| يعني مثلاً: نحن جسدٌ وروح، والبعض قال: جسدٌ وروحٌ ونفس، على كُلٍّ، الروح هل رأى أحدٌ الروح التي في جسده؟ لا، هل رآها وهي تخرُج؟ لا، لكن استدلَّ أنَّ هذا الجسد عندما تخرُج منه الروح، إذا إنسان رأى ميِّتاً أمامه، يكون الميِّت يتحرك فجأةً يُصبِح جُثةً هامدة، وإذا تُرِكَ ولم يُدفَن يتعفَّن، ما الذي كان فيه؟ روح، هل رأيتها؟ لا، هل أدركها بصرُك؟ لا، فإذا كانت الروح التي خلقها الله تعالى في الإنسان لا تُرى بالعين، ولا تُدرَك بالأبصار لكنك تؤمن بوجودها، لأنها هي التي تجعل الحيّ حيَّاً، فما بالك بالخالق؟ ولو أنهم قالوا: أرِنا الروح لما أخذتهم الصاعقة، لكن قالوا: |
يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا(153)(سورة النساء)
| الروح نفسها: |
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(85)(سورة الإسراء)
| فكيف برؤية الله عزَّ وجل؟! |
| موسى عليه السلام أيضاً: |
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ(143)(سورة الأعراف)
| لكن ما الفرق بينه وبينهم؟ هُم قالوا: (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ) أمّا هو ما ربط إيمانه برؤية الله، معاذ الله الأنبياء لا يفعلون ذلك، هو قالها اشتياقاً وحُبَّاً، ولمّا كلَّمه ربُّه امتلأ قلبه شوقاً وحُبّاً له، فطلب طلباً غير صحيح، لكن الدافع له هو دافع حُبٍّ وليس دافع أنني أُريد الرؤية حتى أزداد إيماناً، فقال: (أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) ورغم ذلك ربُّنا عزَّ وجل علَّمه درساً، قال: (فَلَمَّا أَفَاقَ) أي كانت غشيته بسيطةً أفاق منها استفاقةً (فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) مُجرَّد أني طلبت هذا الطلب ولو كان حُبّاً واشتياقاً فقد كان ظُلماً، أمّا هُم طلبوه من أجل الإيمان: (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) ثم قال: |
ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(56)(سورة البقرة)
| وليس أفقتُم، أي صاعقةٌ شديدة، موتٌ شديدٌ عظيم، نارٌ من السماء، صيّحة، على اختلافٍ بين المُفسِّرين، لكن هو بالنتيجة الموت، الصاعقة هُنا موتٌ عظيمٌ أخذكم (وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ) انظروا إلى نِعَم الله المُتتالية عليهم، أي رغم كل هذا الطلب، ورغم أنَّ الله أماتهم ثم أحياهُم (ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نِعمة الله عليكم على هذه البعثة بعد الإماتة. |
| هذا والله تعالى أجلُّ وأعلم، والحمد لله ربِّ العالمين. |

