سورة البقرة - 09: شرح الآيات 38-46
سورة البقرة - 09: شرح الآيات 38-46
| بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
| اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً وعملاً مُتقبَّلاً يا ربَّ العالمين. |
| وبعد أيُّها الكرام: فهذا مجلسنا الثامن في تدبُّر سورة البقرة، ونحن مع الآية الثامنة والثلاثين من السورة وهي قوله تعالى: |
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)(سورة البقرة)
معنى (اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا):
| الهبوط يعني الانتقال من مكانٍ عليٍّ إلى مكانٍ أدنى منه، الجنَّة مكانٌ عليّ والدنيا مكانٌ دنيّ، الجنَّة طبيعتها أنها حياةٌ تكريمية، ففيها علوّ الشأن والمنزلة والمكان والمكانة، والدنيا حياةٌ دُنيا، وهي أدنى بكثيرٍ من الحياة التكريمية، لأنها مكان الامتحان، ومكان الابتلاء، أنت عندما تذهب إلى الامتحان، تجلس على طاولةٍ رُبما بسيطةٍ وكرسيٍ غير مريح وتُمتحَن، لكن عندما تأتي إلى مجلسٍ لتُكرَّم فيه على إنجازك، فتوضَع لك الأرائك وتُكرَّم فيه، فالهبوط هو انتقالٌ من الأعلى إلى الأدنى (اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) أي نزلوا من المكان الذي كانوا فيه، مَن هُم جميعاً؟ جميعاً أي آدم وزوجه وإبليس اللعين، وقيل جميعاً أي آدم وزوجه وذريتهم والثقلان من الإنس والجن، لأنَّ آدم لمّا هبط من بعده كلنا هبطنا، لأننا ذُرية آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا). |
الإنسان من غير منهجٍ يُفسِد في الأرض:
| (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى) الهُدى يا كرام هو الدلالة، فأنت تهدي الإنسان إذا دللته، فلمّا أصبحوا في الأرض صار لا بُدَّ من المنهج، لأنَّ الإنسان والجان بغير منهجٍ يُفسِدون في الأرض، وهذا سبب قول الملائكة في البداية: |
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)(سورة البقرة)
| فالإنسان إذا كان مُسيَّراً، لو افترضنا جدلاً أنه مُسيَّرٌ، سيُسيّره الله إلى ما يُحقِّق مصالحه، فلن يُفسِد في الأرض، فليس هناك انتهاك أعراضٍ، ليس هناك قتلٌ، ليس هناك جريمةٌ، ليس هناك اعتداءٌ على أموال الناس، التزامٌ كامل، فلن يحصُل فسادٌ في الأرض، والفساد من أين يأتي؟ من شخصٍ مُكلَّفٍ يستطيع أن يفعل الخير أو الشرّ، فيفعل الشرّ فيحصُل الفساد، هذا أصل الفساد في الأرض، فلمّا صاروا في الأرض كان لا بُدَّ من المنهج، لأنَّ الإنسان من غير منهجٍ يُفسِد في الأرض. |
الهُدى من الله وحده:
| قال: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ) فأولاً قال: منّي، إذاً الهُدى من الله وحده، فلا ينبغي أن تأخُذ منهجاً في الأرض من قوانين البشر، ولا مِمَّا تواضع عليه البشر، يجب أن تأخُذ الهُدى من الله، (مِّنِّي) الله تعالى هو الجهة الوحيدة التي تملِك على أن تدُلكَ على ما يُصلحك، فلا تلتفِت إلى غيرها (مِّنِّي). |
| ثم قال: ( فَمَن تَبِعَ هُدَايَ) فأضاف الهداية إلى ذاته العليَّة تعظيماً لها، أنت عندما تقول: بيت فُلانٍ من عامة الناس، غير ما تقول: بيت المَلِك، فالمُضاف إليه يُعطي قيمةً للمُضاف، فأنت تقول: هدى الله فما أعظمه، قال: (هُدَايَ) نَسَبَ الهُدى إليه، وقال: (مِّنِّي) إذاً هو ربّاني المصدر وهو عظيمٌ لأنه هُدى المولى جلَّ جلاله. |
| (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). |
| وفي آيةٍ أُخرى قال: |
قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ(123)(سورة طه)
مُتَّبِع الهُدى يتمتَّع بأربع صفات:
| فصار مُتَّبِع الهُدى مُتمتِّعاً بأربع صفاتٍ: لا خوفٌ، لا حزنٌ، لا ضلالٌ، لا شقاء، هذا مُتَّبِع الهُدى، الخوف يكون من مكروهٍ سيأتي، والحزن يكون من مكروهٍ مضى، فأنت تحزن لماذا؟ يقول لك: والله صار معي مُشكلة، فأنت تحزن على ما فاتك، والخوف يكون مما هو آتٍ، فمَن يتَّبِع هُدى الله، لا يحزن على ما فات ولا يخاف مِمَّا هو آتٍ، استغرق الزمن كله، المؤمن إن أصابه سراءٌ شَكَر وإن أصابته ضراءٌ صَبَر. |
{ عَجِبْتُ لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خيرٌ، إن أصابَهُ ما يحبُّ حمدَ اللَّهَ وَكانَ لَهُ خيرٌ، وإن أصابَهُ ما يَكْرَهُ فصبرَ كانَ لَهُ خيرٌ، وليسَ كلُّ أحدٍ أمرُهُ كلُّهُ خيرٌ إلَّا المؤمنُ }
(أخرجه مسلم وأحمد)
| (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من المُستقبل (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) على الماضي الذي فاتهم، فماذا بقيَ من السعادة؟ |
| ثم قال في آيةٍ أُخرى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ) ماذا يُقابل الضلال والشقاء؟ السعادة، إن لم يكن هناك ضلالٌ ولا شقاء فهناك سعادة، أي هُدىً وسعادة، فصار المُتَّبِع لهُدى الله عزَّ وجل لا يحزن على ما فاته، ولا يخشى مِمَّا هو آتٍ، ولا يضِلُّ الطريق، ولا يشقى في دنياه ولا في أُخراه، فماذا بقيَ من سعادة الدنيا والآخرة؟ (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). |
| ثم قال: |
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(39)(سورة البقرة)
| لمّا يقول ربُّنا جلَّ جلاله: (أَصْحَابُ النَّارِ) فهذا لطول مُلازمتهم لها، فالإنسان إذا أتى إلى مكانٍ ودخله وخرَج ما يُقال هو صاحبه، يعني أنت ذهبت إلى دُكَّانٍ واشتريت منها وخرجت، لم تُصبِح صاحب الدُكَّان، لكن بيتك لكثرة ملازمتك له يقال له: صاحب الدار، لكثرة المُلازمة، فأيضاً عندنا أصحاب الجنَّة وأصحاب النار، صاروا أصحابها لأنَّ المشوار طويل، أي جالسين لوقتٍ طويل، فربُّنا جلَّ جلاله قال: (أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي ماكثون. |
| (كَفَرُوا وَكَذَّبُوا) الكُفر قُلنا سابقاً هو التغطية، هناك كفَر الجوال هو الغطاء، فالكُفر هو الغطاء. |
الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا(101)(سورة الكهف)
الجنَّة التي خرج منها آدم ليست جنَّة الخُلد:
| فالكُفَّار أعموا أعينهم عن الحقيقة، غطّوا أعينهم عن رؤية الحقّ، والتكذيب هو الجحود والإنكار، فهو غطّى عينه عن الحقيقة وإن رآها أنكرها، قال: (كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي ماكثون فيها لا يخرجون منها، والخلود في النار هو لكل كافرٍ ليس في قلبه ذرةٌ من إيمانٍ لا يخرُج منها، والخلود في الجنَّة للمؤمنين لكل من دخلها، قال تعالى: |
لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ(48)(سورة الحجر)
| فقد يدخُل إلى النار مؤمنٌ عاصٍ مُرتكبٍ للكبائر، استحق النار ولكن يخرُج منها، فإذا دخل الجنَّة (وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ). |
| لذلك أكثر أهل العِلم وأنا أتَّفِق مع هذا المبدأ، أنَّ هذه الجنَّة التي خرج منها آدم عليه السلام ليست جنَّة الخُلد، لكن هي الجنَّة بالمعنى اللغوي، البستان الذي فيه ما لذَّ وطاب، وفيه كل شيءٍ، فكأنها جنَّةٌ مُصغَّرة من أجل هذا الامتحان، فإذا أردتم أن تدخلوا الجنَّة الحقيقية التي أُعدَّت للمُتَّقين، والتي لا تخرجون منها أبداً، وليس فيها من يوسوس لكم، وليس فيها من يُخرِجكم منها، فاعملوا لها عملها والتزِموا شرع الله عزَّ وجل، والله أعلم (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). |
معنى "إسرائيل":
| ثم يُخاطِب المولى جلَّ جلاله بني إسرائيل، أي أبناء يعقوب، إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وبالعبرانية إسرا هو عبدٌ أو هو صفوةٌ، وئيل هو الإله في لغتهم، فإسرائيل التي تَسمَّى بها هذا الكيان المُجرِم هي اسم يعقوب عليه السلام، فإسرائيل هو نبينا يعقوب، لكن هُم نسبوه زوراً إلى كيانهم المزعوم الظالم، المُتجبِّر، الطاغي، فأصبحنا إذا قيل الاسم ننفُر منه، إسرائيل نبيٌ من أنبياء الله، هو عبد الله أو صفوة الله، إسرائيل، فالله تعالى هُنا يُخاطِب ذُريته: |
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ(40)(سورة البقرة)
| كل مَن هو من ذريته، يخاطبهم في عهد النبوَّة: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) والإنسان عندما يذكُر النِعمة يتذكَّر المُنعِم، والمؤمن لا يبقى مع النِعمة، بينما الكافر يبقى مع النِعمة، الكافر يتمتَّع بالنِعمة، لكن المؤمن تنقله النِعمة إلى المُنعِم جلَّ جلاله، الكافر يشرب الماء والمؤمن يشرب الماء، والله تعالى لمّا قال إبراهيم: |
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)(سورة البقرة)
المؤمن لا يبقى مع النِعمة بينما الكافر يبقى مع النِعمة:
| قال الله له: (قَالَ وَمَن كَفَرَ) أي الكل (فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا) فالكل ينتفِع بالنِعمة، لكن مَن ذا الذي تنقله النِعمة إلى المُنعِم؟ هذا هو المؤمن، الذي ينتقل من النِعمة إلى المُنعِم، النعمة فانية والمُنعِم باقٍ جلَّ جلاله، فالمُنعِم إذا ذَكَرَ الإنسان نِعمة الله فشكر الله عليها، صار الحمد أفضل من النِعمة التي هو فيها، لأنَّ النِعمة فانية، أنت شربت الماء انتهى، الماء كم سيبقى في الجسم؟ ساعة، ساعتين، ثلاث؟ ثم ستمتلئ المثانة ثم سيخرُج، هذه حقيقةٌ، والطعام كذلك، واللباس كذلك، كل نِعمةٍ ستأتي عليك ستفنى، لكن إذا قلت: الحمد لله، ذكرت نِعمة الله فيها، وجدت الحمد يوم القيامة كجبل أُحد، فأيهما أفضل النِعمة أم الشُكر؟ الشُكر على النِعمة، لذلك: |
{ ما أنْعَمَ اللهُ على عبدٍ نِعْمَةً، فقال: الحمدُ للهِ، إِلَّا كان الذي أعطَى أفضلَ مِمَّا أَخَذَ }
(أخرجه ابن ماجه والطبراني والبيهقي)
| الحمد أفضل من النِعمة لأنه يبقى، فالمؤمن يذكُر نِعمة الله، وهؤلاء أنعَم الله عليهم بنِعمٍ عديدة سيُعدِّدُها في الصفحة التالية: |
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ(51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(52)(سورة البقرة)
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(56)(سورة البقرة)
| سيُعدِّد الله نعماءه عليهم، نِعمٌ كثيرة لكنهم لا يذكرون نِعمة الله عليهم، يتناسونها فقال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) بالمناسبة ربُّنا عزَّ وجل يتلطَّف بهم، أي اذكروا النِعمة حتى تذكروا المُنعِم، لكن نحن قال الله تعالى لنا: |
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)(سورة الأحزاب)
على الإنسان أن يذكُر نعمة الله عليه حتى توصله إلى المُنعِم:
| فوراً إلى المُنعِم، أكثِر من ذِكر الله، نحن المُسلمين يجب أن نكون قد تجاوزنا النِعمة إلى المُنعِم، فالأوامر في القرآن لنا أن نذكُر الله، أن نذكُر المُنعِم جلَّ جلاله، لكن هُنا يتلطَّف بهم، تذكَّروا النِعمة لعلَّها توصلكم إلى المُنعِم، فلمّا يذكُر الإنسان نِعمة الله عليه، فإنه يحمَد الله عليها في القلب اعترافاً، وباللسان شُكراً، وبعمل الجوارح عملاً وامتناناً، بثلاثة أمورٍ يذكُر النِعمة. |
| القلب يعترف بأنَّ النِعمة من الله، واللسان ينطلق الحمد لله، والجوارح تعمل في مرضاة الله، فقد أنعَم الله عليّ بنِعمة البصر فلا أنظُر في الحرام، وأنعَم عليّ بنِعمة الأُذن فلا أسمع بها حراماً، وأنعَم عليّ بنِعمة الرِجل فلا أمشي بها إلى مكانٍ فيه معصية الله، وإنما أمشي بها إلى بيوت الله، إلى الإصلاح بين الناس، وأنعَم الله عليّ بالمال فلا أُنفقه إلا بما يُرضي الله عزَّ وجل، وأنعَم علَيّ بالزوجة فلا أُعاملها إلا بما يُرضي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، هذا أعظم شُكرٍ، قال: |
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(13)(سورة سبأ)
| اجعَل جوارحك تشكُر الله بالعمل. |
| إذاً بالقلب اعترافاً، وباللسان ثناءً، وبالجوارح عملاً هذا ذِكر النِعمة (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ). |
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ(152)(سورة البقرة)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(7)(سورة محمد)
الجزاء من جنس العمل:
| الجزاء من جنس العمل، ربُّنا جلَّ جلاله يُكافئك من جنس عملك، فإن كنت وفياً معه كان وفياً معك، أوفَيت بعهده أوفى بعهدك، هذا من باب المُشاكلة حتى تطمئن، ربُّنا غنيٌّ عنّا، نحن الذين نحتاج أن نوفي بعهدنا، العبد لا يُقاضي سيِّده السيِّد يُقاضي عبده، لكن الله تعالى يقول لك: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) هذه مجزومة، لا نقول: أوفي، (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) لأنها جواب الشرط، لأنَّ الله تعالى يقول: إن توفوا بعهدي أوفِ بعهدكم، هذا سُمّيَ جواب الطلب (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ). |
| ما عهد الله تعالى عليهم؟ عهد الله عليهم أن يؤمنوا بنبي الله صلى الله عليه وسلم، إذا جاءكم هذا النبي العظيم أن تؤمنوا به، هذا العهد الذي أُخِذ على بني إسرائيل. |
| لكن: |
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ(89)(سورة البقرة)
| وهُم يعرفونه، وعهد الله لنا أن نؤمن به. |
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)(سورة الأحزاب)
| فنحن عَهدُنا مع الله أن نُزكّي أنفسنا وأن نحملها على طاعته، وعهده معنا أن يُكافئنا ويُجازينا على ذلك جنَّةً عرضها السماوات والأرض، ربُّنا يُكلِّمك بمنطقٍ تجاري، أنا لي عهدٌ عندك، لك عهدٌ عندي ولي عهدٌ عندك، فأنت أوفِ بعهدي حتى أوفي بعهدك، والله لا يوجد أعظم من هذا الكلام، لمّا أردف النبي صلى الله عليه وسلم معه معاذاً قال: |
{ كنتُ رَدِيفَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على حمارٍ، فقال لي: يا مُعاذُ، أتدري ما حَقُّ اللهِ على العِبادِ، وما حَقُّ العِبادِ على اللهِ؟ قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: حَقُّ اللهِ على العِبادِ أن يَعبُدوه ولا يُشرِكوا به شَيئًا، وحَقُّ العِبادِ على اللهِ ألَّا يُعَذِّبَ مَن لا يُشرِكُ به شيئًا }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| هو أنشأ لك حقَّاً عليه، لكَ حقٌّ عليّ يا عبدي إن أطعتني ألّا أُعذبك، أن أُنعِّمك بجنةٍ فيها: |
{ قال اللهُ: أعدَدتُ لعِبادي الصَّالِحينَ ما لا عَينٌ رَأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| انظروا إلى دوائر الجنة، قال: (ما لا عَينٌ رَأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ). |
| (ما لا عَينٌ رَأت) تقول لي: ماذا رأت عينك من بلاد الدنيا؟ أقول لك: أُعدِّد لك أربع أو خمس دولٍ ثم أقف، أمريكا لم أذهب إليها، القطب الجنوبي لم أره، كندا لم أذهب إليها. |
| ماذا سَمِعَت؟ أقول لك: سمعنا عن كندا وعن أمريكا وعن البرازيل وعن الصين لكن ما زِرناهم. |
| ماذا خطر على بالك؟ أقول لك: خطر على بالي تفاحةٌ بحجم البطيخة خمسة عشر كيلو، الخواطر ليس لها حدود، فقال: (أعدَدتُ لعِبادي الصَّالِحينَ ما لا عَينٌ رَأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ). |
لا تخاف إلا من الله:
| (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) لو قال: فارهبوني لاحتملت أن نَرهَب غيره، لكن لمّا قال: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) صارت وإيّاي وحدي فارهبون، لا تخاف إلا من الله، مثل: |
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)(سورة الفاتحة)
| أي لا نعبُد إلا الله، فلمّا قدَّم المفعول به على الفعل والفاعل، صار عندنا حصرٌ وقصر نُسمّيه هذا في اللغة (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) أي لا تخافوا إلا منّي. |
| ما الفرق بين الرَهَب والخوف؟ |
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ(90)(سورة الأنبياء)
| وهُنا (فَارْهَبُونِ) الرَهَب كل رَهَبٍ خوف، وليس كل خوفٍ رَهَباً، فالخوف أحياناً تخاف من عقربٍ، لكن هل هناك هيبةٌ في صدرك له وتعظيمٌ وإجلال؟ لا، خوفٌ فقط، أمّا الرَهَب فيه مع الخوف تعظيمٌ وإجلال، قال: (رَغَبًا وَرَهَبًا)، (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) فالرَهَب فيه تعظيمٌ وإجلالٌ مع الخوف، أي معنىً زائد عن الخوف، معنىً إيجابي، نحن نخاف الله: |
إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(175)(سورة آل عمران)
| بمعنى أننا نخاف عذابه، ونَرهبه بمعنى أننا نُعظِّمه ونُجِلُّه، أحياناً تقول: والله أنا عندي رهبةٌ عندما أرى أبي، ليس خوفاً بمعنى الخوف لكن هو له مكانةٌ عظيمةٌ عندي (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ). |
| قال: |
وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ(41)(سورة البقرة)
| (مُصَدِّقًا) أي موافقاً، يُصدِّقه أي يوافقه ( لِّمَا مَعَكُمْ) أي من صحيح التوراة، لأنه جاء في التوراة أنه سيأتي هذا النبي في آخر الزمان. |
معنى (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ):
| (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) أي أول فريقٍ كافرٍ به، بهذا التقدير، أي لا تكونوا أول مجموعةٍ تكفُر به، هل نكون الثانية إذاً؟ لا، بالتأكيد ليس هذا هو المقصود، لكن المقصود (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) بمعنى أنَّ الذي يكفُر أولاً سيحمِل إثم مَن يكفُر بعده، فلا تُحمِّلوا نفسكم أوزاراً، لأنه أنتم الآن بعهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن آمَنتُم آمَنَت ذُريتكم من بعدكم، أمّا إذا كفرتم سيكفُر الناس من بعدكم، فستحملون إثمهم وإثمكم، لذلك هذا فيه معنىً، لأنَّ ربُّنا عزَّ وجل بالقرآن الكريم يقول: |
لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)(سورة الأنعام)
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ(143)(سورة الأعراف)
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ(12)(سورة الزمر)
المؤمن يُسابق إلى أن يكون الأول في الخير ويبتعِد عن أن يكون الأول في الشر:
| هناك أوَّلية، وهناك: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) فالمؤمن دائماً يُسابق إلى أن يكون الأول في الخير، ويبتعِد عن أن يكون الأول في الشر، فإذا كان أولاً في الخير: |
{ مَن سَنَّ سُنَّةً حَسنةً فعمِلَ بِها، كانَ لَهُ أجرُها وَمِثْلُ أجرِ مَن عملَ بِها، لا يَنقُصُ مِن أجورِهِم شيئًا ومن سنَّ سنَّةً سيِّئةً فعملَ بِها، كانَ عليهِ وزرُها وَوِزْرُ مَن عملَ بِها من بعده لا ينقصُ من أوزارِهِم شيء }
(أخرجه ابن ماجه ومسلم والترمذي)
| إلى يوم القيامة، لكن إن كان أولاً في الشر: (كانَ عليهِ وزرُها وَوِزْرُ مَن عملَ بِها) إلى يوم القيامة، فقال: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) لأنكم ستحمِلون آثام مَن يأتي بعدكم، فتريَّثوا واقرؤوا وآمنوا. |
| (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) هذه استعارة، الشراء والبيع في اللغة هُنا نُسمّيها استعارةً، بمعنى أنك لا تأخُذ مناصباً وأموالاً في الدنيا، مناصبٌ زائلة من أجل تكذيبك بنبي الله صلى الله عليه وسلم (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) فهُم كانوا يعرفون أنه سيأتي هذا النبي الكريم، ولكن كانوا يُخفون ذلك لمصالحهم، لشهواتهم، لتبعية الناس لهم. |
| (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) وأيضاً هُنا للحصر والقصر، أي لا تتقوا، أي لا تأتمروا ولا تجتنبوا إلا ما أمرتُ ونَهيتُ عنه وحدي، جلَّ جلاله. |
وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(42)(سورة البقرة)
خلط الحقّ بالباطل فِعل بني إسرائيل:
| لَبَسَ يَلبِسُ غير لَبِسَ، لَبِسَ الثياب، أمّا لَبَسَ يَلبِسُ بمعنى خلط شيئين مع بعض، بهذا المعنى. |
| (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) بمعنى لا تخلطوا الحقَّ بالباطل. |
| (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) كل أهل الضلال في الأرض، من أجل إغواء الناس يتَّبعون أحد هذين المسارين على مدار التاريخ، إذا استطاع أن يُخفي الحقيقة ويكتمها فَعَل، إذا لم يستطع لأنَّ الحقيقة ظاهرةٌ ناصعة يخلطها بباطله، فتاوى باطلة، تأويلات، هذا يُسمّونه بالعُرف الحديث تفجير الدين من الداخل. |
| اليوم أعداء الدين أيقنوا أنَّ إلغاء الدين غير ممكنٍ، كتم الحقّ لم يعُد ممكناً، وسائل إعلام، المساجد موجودة، المُسلمون يزدادون تمسُّكاً بدينهم، يعني إلغاء الدين غير ممكنٍ فماذا نفعل؟ أتوا بشيوخٍ يلبسون ثياب العِلم بطريقةٍ أو بأُخرى، أو يتكلمون بالقرآن والسُنَّة، تارةً بدعوى التجديد في الدين، تارةً بدعوى الفهم المُعاصر، تارةً بدعوى قراءاتٍ مُعاصرة في القرآن الكريم، دعواتٌ باطلة يخلطون فيها الحقَّ بالباطل. |
| يتكلم كلاماً فتقول: والله كلامه جميل! لكن الشخص غير مُختصّ، فيدُس له السُمَّ بالعسل فيخلِط الحقَّ بالباطل، فأنت تصلك صورةٌ فتقول: والله كلامه جميل، يتكلم كلاماً طيِّباً، يُريد الأخوّة والمحبَّة، لكن ألم تسمع ماذا قال أثناء الكلام؟ ألم تنتبه؟ ألم تفطَن لخلطه بين الحقِّ والباطل؟ فقال: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) هذا فِعل بني إسرائيل، لكن الله يُعلِّمنا بهم كما قُلنا عندما بدأنا سورة البقرة، قُلنا سورة البقرة تعليمٌ لأُمة الإسلام والوسائل التوضيحية هُم بنو إسرائيل، الوسيلة التعليمة انظروا ماذا فعلوا ولا تكونوا مثلهم، "الحكي لكِ يا جارة واسمعي يا كنّة". |
| (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) ما استطاعوا كتم الحق، فإذا عجزوا عن كتمه خلطوا الحقَّ بالباطل، فصرت أمام باطلٍ، الحقّ يا إخوانّا الكرام لا يحتمِل باطلاً، أنت أحضِر قصعة لبنٍ وضع معها نقطةٌ واحدة من البنزين، قصعة اللبن ستُلقى ولن تستطيع أن تشربها، ممكن أن تضع لها ماءً حقٌّ آخر، تفسيرٌ آخر ممكن، فهم، لكن أن تُضيف لها البنزين سيُفسدها انتهت. |
الحقّ لا يقبَل باطلاً:
| فالحقّ لا يقبَل باطلاً، إذا نزل به باطلٌ صار باطلاً، وصلَ إلى الناس باطلاً، لأنَّ الفكرة إمّا أن تأخُذها حقّاً أو أن تأخُذها باطلاً، فالخلط بين الحقِّ والباطل يجعل هذا المُتكلم يتكلم بباطلٍ، كثيرٌ من الناس يقول لك: نحن نسمع منه الأشياء الجيدة، لا، لا تسمع منه الأشياء الجيدة لأنَّ هذا متى يدُس السُمَّ بالعسل لا نعرف، إذا كنت مُختصٍّ تقول: والله هناك فكرةٌ مقبولةٌ قالها، لكن إذا كنت غير مُختصٍّ لا تعرف متى يدخُل إلى العُمق ويعبَث بدينك، الشباب والنساء اليوم بعض الدعوات النسوية وغيرها، فيجب الانتباه إلى هذا الفن من فنون إبليس، وهو خلط الحقِّ بالباطل. |
| (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) تعلمون أنَّ هذا النبي المُرسل سيأتي في آخر الزمان، ثم تُلبِّسون على الناس. |
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)(سورة البقرة)
| إقامة الصلاة لا تعني أن يؤدّيها الإنسان، ولكن تعني كما قُلنا سابقاً، أن يؤدّيها على النحو الذي يُريده الله منها، وهي أن تنهى عن الفحشاء والمُنكَر. |
معنى (وَآتُوا الزَّكَاةَ):
| (وَآتُوا الزَّكَاةَ) والزكاة من زكى الزرع إذا نما، ومن التزكية بمعنى الطهارة، والزكاة تحمل المعنَيَين معاً، تحمل النماء لأنَّ الله يُبارك في مالك عندما تدفع زكاته، المال إذا دفعت زكاته ينمو بطريقتين: طريقةٌ مُستنبطةٌ من حركة الحياة، لأنَّ الفقير إذا أخذ الزكاة سيعود ليشتري حاجاته من الغني، فستدور دورة المال فينتفِع بها الجميع. |
| وينمو بطريقةٍ ثانية علمُها عند ربّي لكن ينمو، يقول لك: دفعت ليرةً وأتاني عشرة لا أعرف كيف لكن الله رزقني، فينمو المال ويطهُر، أنت معك مليون هناك خمسةٌ وعشرون ألفاً ليست لك، فالمال صار غير طاهرٍ حتى تُخرِج منه الخمسة وعشرون ألفاً، فتُصبِح التسعمائة وخمسٌ وسبعون طاهرةً، أمّا إذا أبقيت الخمسة وعشرين، فأنت لم تُطهِّر مالك ولم تُطهِّر نفسك (وَآتُوا الزَّكَاةَ). |
| (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) الركوع هو جزءٌ من الصلاة وعبَّر بالجزء عن الكُل، وقيل إنما عبَّر هُنا بذلك لأنَّ صلاة اليهود لا ركوع فيها، فكأنه يُلزمهم أن كونوا مع النبي، مع الصحابة الكرام واركعوا معهم، أدّوا الصلاة التي افترضها الله عليهم. |
مُعاتبة الله عزَّ وجل بني إسرائيل ومن بعدهم الذين على شاكلتهم:
| ثم يُعاتِب الله تعالى بني إسرائيل، ويُعاتبنا من بعدهم لمَن كان على شاكلتهم: |
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(44)(سورة البقرة)
| والبِرّ هو اسمٌ جامعٌ لكل خيرٍ، وهُنا ينصرِف إلى معنىً مُخصَّص دون أن نفقِد المعنى العام، فهُم كانوا أحياناً يأمرون بعض أتباعهم أو بعض مَن يأتيهم، بأنَّ هذا النبي حقٌّ اتبعوه، لكن هو لا يفعل ذلك (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) أنتم كنتم تقولون للناس سيأتي نبيٌ واتَّبعوه، ثم أنت لا تَّتبِعه! |
| (وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) التوراة بين أيديكم، وفيها ما يدل على صدق محمدٍ صلى الله عليه وسلم، قال: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) عِقال الدابة هو الرِباط الذي تُربَط به الدابة، فالعِقال كما أنه يمنَع الدابة من الحركة يعقِلُها، فو يمنَع الإنسان من الشرور والمهالك، ويمنعه إذا تفكَّر بعقله، أن يقول شيئاً ثم هو لا يفعله. |
| أنت إذا قُلت لأحدهم: ضروريٌ جداً أن تأخُذ دواء السُكَّر، وأنت معك مرض السُكَّر ولم تأخُذ الدواء، هل هذا ممكنٌ بالعقل؟! |
| قُلت له: ضروريٌ جداً أن تترُك التدخين لأنَّ التدخين مُضِرٌ بصحتك يعمل كذا وكذا، هناك أطباء قلبية يتكلموا مع المريض يقول له: التدخين مُضِرٌ جداً، ثم يقولوا لك: هذا الطبيب مُدخِنٌ منذ عشرين سنةً (وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ). |
| (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) العقل يقتضي أنك إذا أمرتَ غيرك بشيءٍ فيه خيرٌ، أن تكون أنت أول من يُبادِر إليه، وإذا نَهيته عن شرٍّ أن تكون أنت أول من يُبادِر إلى تركه، فقال: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) يُعاتبهم، أين عقلكم؟ أين العقل الذي يربطكم ويمنعكم من أن توردوا أنفسكم المهالك؟ |
في رحلتك إلى الله استعِن بشيئين: بالصبر والصلاة
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ(45)(سورة البقرة)
| في رحلتكم إلى الله استعِن بشيئين: بالصبر والصلاة، والصبر أعمّ من الصلاة، الصلاة جزءٌ من الصبر. |
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ(132)(سورة طه)
الصلاة نوعٌ من أنواع الصبر:
| الإنسان عندما يقف في الصلاة عشر دقائقٍ، هو حبس نفسه عن كل الدنيا، لا يستطيع أن يتحرك، لا يستطيع أن يأكُل، لا يستطيع إذا ناداه أحدهم أن يقول له: حاضر، لا يستطيع أن يفتح الجوال، إذاً الصلاة صبرٌ، فقال: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ) هذه عامة ثم عَطَف الخاص على العام، قال: (وَالصَّلَاةِ) لأنَّ الصلاة نوعٌ من أنواع الصبر، قال بعض المُفسّرين الصبر هُنا هو الصيام، أي استعينوا بالصيام والصلاة، لأنه أيضاً الصيام صبرٌ، والزكاة صبرٌ، والحج صبرٌ، والدين كله صبرٌ، لأنه كله إمّا أن تصبِر على طاعةٍ، أو أن تصبِر عن معصيةٍ، أو أن تصبِر على قضاء الله وقدره، فالدين صبرٌ. |
| (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا) ما هي؟ الصلاة (لَكَبِيرَةٌ) صعبةٌ شاقَّةٌ (إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) الخاشع لا يُحسّ بالصلاة. |
| كان أحد السلف يقول: "تعذبت بالصلاة عشرين سنةً ثم تنعَّمتُ بها عشرين سنة، والله إني لأدخُل في الصلاة فأحمِل همَّ خروجي منها" يدخُل بالصلاة فيكون همُّه أنها ستنتهي - أعاننا الله على الخروج - وهو مسرورٌ لأنه خاشعٌ، ساكن، الخشوع في الأصل هو السكون. |
على الإنسان أن يحاول جهده الخشوع في الصلاة:
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(39)(سورة فصلت)
| تكون ساكنةً فتتحرك عند نزول الماء، فالخشوع هو السكون، والسكون هو سكون القلب، ويعقله سكون الجوارح بقدر الإمكان، لكن هو في الأصل سكون القلب، أن يسكُن القلب عن التعلُّق بغير ما هو فيه. |
{ قال سعد بن معاذٍ: ثلاثٌ أنا فيهنّ رجلٌ وفيما سوى ذلكَ فأنا واحدٌ من الناسِ، ما سمعتُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حديثًا قط إلا علمتُ أنه حقٌّ من اللهِ، ولا كنتُ في صلاةٍ قط فشغلتُ نفسي بغيرِهَا حتى أقضيها، ولا كنتُ في جنازةٍ قط فحدثتُ نفسي بغيرِ ما يقولُ أو يقالُ - الجنازة بماذا تُحدِّث؟ تقول لك: أنتم السابقون ونحن اللاحقون - حتى أنصرِفَ عنها، فقال: إن هذهِ الخصالُ ما كنتُ أحسبُها إلا في نبيّ وإن سعدا لمأمونٌ }
(أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء واللفظ له، والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان)
| قال: أنا هُنا رجُلٌ بطل، بطولةٌ عظيمة والله أن يدخُل الإنسان في صلاته فلا يُحدِّث نفسه بشيءٍ حتى يفرُغ منها، خشوعٌ كامل، لذلك ربُّنا عزَّ وجل قال: |
فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ(4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5)(سورة الماعون)
| قال أهل العِلم: والله لو قال في صلاتهم ساهون لهلكنا جميعاً، إنما قال: عنها، أي لا يؤدّونها في أوقاتها، أمّا لو قال: فيها فمُصيبة. |
| العوام يقولون لك: إذا أضعت شيئاً قُم فصلِّ، ليس من أجل أن تدعو الله فتجد ما أضعته، لا، لأنك إذا صلّيت ستتذكَّر أين وضعتها، فلم تعُد مشغولاً بشيءٍ فيخشَع القلب بتذكُّر أين فقدتها، مُصيبةٌ نسأل الله أن يعفو عنّا، كلنا نقَع بهذا الأمر، لكن على الإنسان أن يحاول جهده أنه أذا دخل في الصلاة خشوعٌ تام، أن يسكُن قلبه فيها، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: |
{ لا صلاةَ بحَضْرَةِ طعامٍ، ولا وهو يُدافِعُه الأَخْبَثانِ }
(أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود)
| الطعام أمام الإنسان وهو يُريد أن يُصلّي وعقله بالطعام، شهوة الطعام. |
| (ولا وهو يُدافِعُه الأَخْبَثانِ) أي مشغولٌ يريد الدخول إلى الحمَّام، سواءً البول أو الغائط - أعزَّكم الله - فهو في كلا الحالتين الأخبثان يدافعهم فلا يستطيع أن يُصلّي، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُصلّي وأمامه قِرامٌ أي حِرام للسيدة عائشة عليه بعض التصاوير فقال: |
{ أَزِيلِي عنّي قِرامَكِ هذا فإنه لا تَزَالُ تَصاويرُهُ تَعْرِضُ لي في صلاتي }
(أخرجه البخاري)
على الإنسان أن يختار المكان المُناسب لصلاته بخشوع:
| أي يشغلني عن صلاتي، اليوم أحدهم يُصلّي والشاشة مفتوحة، أو يسمع ما بقي من المُسلسل وهو يُصلّي، ما هذه الصلاة؟! لن يخشَع القلب، لذلك الإنسان دائماً في الصلاة يختار مكاناً مُناسباً. |
| أنا أقول: إذا كان البيت واسعاً - نسأل الله أن يوسِّع على الجميع - أن تكون الصلاة بمكانٍ آخر غير غرفة الجلوس، طبعاً إذا كان هناك أولادٌ في البيت، أو شاشةٌ مفتوحة، أن يذهب إلى غُرفةٍ خاصة، وأن يضَع دائماً هذه السجادة بمكانٍ حيث لا يوجد مُلهيات، لا يوجد شاشةٌ مفتوحة، لا يوجد أولادٌ يلعبون، فأُصلّي لوحدي في غرفة الضيوف أو في غرفة النوم، أي أن يُصلّي في مكانٍ يستدعي فيه الخشوع، وأن يقرأ ما استطاع من غير السوَر القصيرة التي حفظها، فأصبح يُردِّدُها من غير أن يشعُر بمعانيها، كلها سوَرٌ عظيمة، لكن أن يقرأ دائماً في الصلاة: |
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)(سورة الإخلاص)
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ(1)(سورة الفلق)
تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)(سورة المسد)
التجديد بالقراءة في الصلاة يجعل الإنسان أكثر تدبُّراً للآيات المقروءة:
| بعد حينٍ يألفُها، أمّا مثلاً عندما يقرأ من سورة البقرة، يقرأ من الأنعام، يقرأ من الكهف، ولو أنه فتح المُصحف أمامه ووضعه بحيث يراه إذا كان لا يحفظ، فهذا جائزٌ عند أهل العِلم في النفل، وعند كثيرٍ من أهل العِلم في الفرض، وأنا لا أجد دليلاً يمنَع منه لا في فرضٍ ولا في نفل، أي في الفرض أو النفل، طبعاً الفرض الأَولى في المسجد، لكن لو صلّى في بيته الفرض لسببٍ أو لآخر، المغرب أو الفجر أو العشاء، فيقرأ من المُصحف صفحةً صفحة، فهذا التجديد في القراءة يجعله أكثر تدبُّراً للآيات المقروءة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلّى بأصحابه قال: |
{ صلِّ صلاةَ مُودِّعٍ كأنَّكَ تَراهُ، فإنْ كُنتَ لا تَراهُ فإنَّه يَراكَ، و ايْأَسْ مِمَّا في أيْدِي الناسِ تَعِشْ غنيًّا، و إيَّاكَ وما يُعتَذَرُ مِنهُ }
(أخرجه الطبراني والبيهقي وابن عساكر)
| وقال: |
{ اذكرِ الموتَ في صلاتِك، فإنَّ الرجلَ إذا ذكر الموتَ في صلاتِه لحريٌّ أن يُحسنَ صلاتَه، وصَلِّ صلاةَ رجلٍ لا يظنُّ أن يُصلِّيَ صلاةً غيرَها، و إياك و كلُّ أمرٍ يُعتذرُ منه }
(أخرجه الديلمي والبيهقي)
| أن يتخيَّل الإنسان أنَّ هذه آخر صلاةٍ. |
صلِّ صلاةَ مُودِّعٍ:
| بالله عليكم لو أنَّ أي واحدٍ منّا قيل له وأنا كذلك، أنَّ الموت الأن بعد العشاء ومَلك الموت على الطريق، كيف يُصلّي العشاء؟ فلو أنَّ كل صلاةٍ نُصلّيها وكأنها آخر واحدة، فيخشَع، ينصرِف عن الدنيا، يتأمَّل في الآيات، يقرأ بهدوءٍ وخشوع: |
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ(2) ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ(3) مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ(4)(سورة الفاتحة)
| يتوجَّه من قلبه: |
إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ(5)(سورة الفاتحة)
| كيف يكون ركوعه وهو يُسبِّح العظيم؟ كيف يكون سجوده وهو يُسبِّح الأعلى؟ تختلف كل صلاته، فقال: (اذكرِ الموتَ في صلاتِك، فإنَّ الرجلَ إذا ذكر الموتَ في صلاتِه لحريٌّ أن يُحسنَ صلاتَه)، (صلِّ صلاةَ مُودِّعٍ) أي هذه آخر صلاة. |
| هذه كلها أسبابٌ سريعة تُعين الإنسان على الخشوع في صلاته، لأنَّ الله تعالى يقول: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ) لكبيرةٌ صعبة، الصلاة شاقَّة، وقوفٌ ووضوءٌ وصلاة أربع ركعٍ: |
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ(45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(46)(سورة البقرة)
| والظن هُنا بمعنى اليقين، الظن في الأصل كما قُلنا وضِع لِما يكون فوق الشك، أي سبعين أو ثمانين بالمئة، لكن يُستخدَم في اللغة لليقين، وهُنا المعنى اليقيني: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ) هذا يُصلّي صلاة مودعٍ (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) هذا والله تعالى أعلم، والحمد لله ربِّ العالمين. |
الدعاء:
| اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافِنا واعفُ عنّا وإلى غيرك لا تكلنا، ومن شرور أنفسنا نجِّنا وسلِّمنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم اجعل هذا الجمع جمعاً مُباركاً مرحوماً، واجعل التفرُّق من بعده معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منّا ولا معنا شقيَّاً ولا محروماً، والحمد لله ربِّ العالمين. |

