ما حُكم قول مَدَد يا فُلان؟
ما حُكم قول مَدَد يا فُلان؟
| هذا السؤال تكرر كثيراً، فلا بُدَّ من الإجابة المُفصَّلة حوله، فسامحوني لو أطلت قليلاً. |
| إن شاء الله سأُجيب غير مُنتصرٍ لرأيٍ ولا لهوى، ولا لجماعةٍ، ولا لحزبٍ، وإنما أُجيب مُنتصراً لما أراه الحق إن شاء الله، وأسأل الله أن يُجري الحق على لساني. |
| عندما يقول إنسانٌ مَدَد يا فُلان، ففُلان إمّا أن يكون حيَّاً أو أن يكون ميِّتاً، ما معنى مَدَد؟ أي أمدَّني، أغثني، أعطني، ففُلان الذي تقول أمدني أعطني، إمّا أن يكون حيَّاً أو أن يكون ميِّتاً، فإذا كان حيَّاً فإمّا أنك تطلب منه ما يقدر عليه، وإمّا ما لا يقدر عليه إلا الله، فإن كنت تطلب منه ما يقدر عليه فلا حَرَج، مثلاً: يا أبي أمدَّني بالمال، يا صديقي أمدَّني بقوةٍ من عندك كي أقوم أو لأقف، وهو يستطيع، أمدَّني بالماء، أغثني بالماء فقد عطشت. |
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ(15)(سورة القصص)
| ساعدني لأنتصر، وهو يستطيع وهو حيّ، هذا لا خلاف فيه، جميعنا نحتاجه مع الاعتقاد بأنَّ مُسبِّب الأسباب هو الله، أي لا أعتقِد أنني أقول له أمدَّني فهو يقدر بقدرةٍ ذاتية وإنما بتيسير الله، يعني أعتقِد أن الله هو الفاعل الحقيقي، وأنَّ فُلان ربُّنا يسره لي من باب الأسباب هذه الأولى. |
| فإن كنت أطلُب من الحي شيئاً لا يقدِر عليه إلا الله، فهذا لا يجوز قطعاً، كأن أقول يا أبي ارزقنِ بالولد، هل يستطيع والدك أن يرزقك بالولد؟! لا هو ولا أهل الأرض إن لم يشأ الله. |
{ كنتُ رديفَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ يا غلَّامُ أو يا بنيَّ ألا أعلِّمكَ كلماتٍ ينفعكَ اللَّهُ بهنَّ؟ فقلتُ: بلى فقالَ: احفظِ اللَّهَ يحفظكَ، احفظِ اللَّهَ تجدهُ أمامَكَ تعرَّف إليهِ في الرَّخاءِ يعرفُكَ في الشِّدَّةِ إذا سألتَ فاسألِ اللَّهَ وإذا استعنتَ فاستعن باللَّهِ قد جفَّ القلمُ بما هوَ كائنٌ فلو أنَّ الخلقَ كلَّهم جميعًا أرادوا أن ينفعوكَ بشيءٍ لم يقضهِ اللَّهُ لكَ لم يقدروا عليهِ وإن أرادوا أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يقضهِ اللَّهُ عليكَ لم يقدروا عليهِ فاعمل للَّهِ بالشُّكرِ واليقينِ واعلم أنَّ الصَّبرَ على ما تكرهُ خيرٌ كثيرٌ وأنَّ النَّصرَ معَ الصَّبرِ وأنَّ الفرجَ معَ الكربِ وأنَّ معَ العسرِ يسرًا }
(أخرجه الترمذي والبيهقي)
| فلا يجوز أن أقول: يا أيُّها الطبيب اشفِ لي ابني، يقول لك: والله غير قادر، قُل لي عالِج ابني أُعالجه أمِدُّك بالعلاج أمّا أن أمِدُّك بالشفاء فالشافي هو الله. |
| إذاً إذا كان من نسأل المَدَد منه حيَّاً، فإن كنّا نسأل شيئاً يقدِر عليه المسؤول فلا حَرَج، وإن كان لا يقدِر عليه إلا الله، فلا يجوز أن نسأل أحداً شيئاً لا يقدر عليه إلا الله. |
| إذا كان من أسأله ميتاً توفاه الله تعالى، أحد الصالحين مثلاً: مَدَد يا رفاعي، مَدَد يا جيلاني، أسأل إنساناً أعتقِد بصلاحه وقد مات، فأسأله أن يُمدَّني بشيءٍ، فإن قصدت بذلك المَدَد بمعنى أنه يستطيع الآن أن يُمدَّني الآن وهو في قبره فهذا لا يجوز قطعاً، لا يقول به أحد، أنا ما أعلم أنَّ أحداً قال بأنه يجوز أن أقول: مَدَد يا فُلانٍ من الناس، وأنا أعتقِد أنَّ فُلاناً وهو في قبره يستطيع أن يُعينُني، وهو قد مات كيف يُعينُني؟! مَن يقول هذه الكلمة يقول لك أنا لا أقصد الاستعانة به، إذاً ماذا تقصد؟ قال أقصد التوسُّل به، أي أنا أقول مَدَد يا فُلان من الصالحين الذين توفَّاهم الله، أقصد أن أمدَّني يا الله متوسِّلاً بفُلانٍ من الناس، ما دُمت تقصد ذلك فقُلها بهذه العبارة وانهِ الخلاف، إذا كنت تقصد أمدَّني يا فُلان، بمعنى أتوسَّل إليك يا الله أن تُمدَّني من عندك بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو بالصالحين من عباده فقلها هكذا. |
| هل يجوز التوسُّل بهذه الطريقة؟ هناك قَولان لأهل العِلم: |
| الإمام أبو حنيفة رحمه الله قال: يُكرَه، وأحياناً الإمام أبو حنيفة يقول يُكرَه على ما يقترب من الحرام عنده. |
| والإمام أحمد بن حنبل قال: يجوز بالنبي دون غيره، أي أن تتوسَّل بالنبي يا ربّ بجاه النبي عندك. |
| والمتأخِّرون اختلفوا: ذهب بعضهم إلى الجواز وبعضهم إلى عدم الجواز. |
| إذا أردت أن تخرُج من الخلاف فقُل يا ربّ أسألك بحُبّي لنبيّك وانتهت المُشكلة كلها، والتوسُّل مشروعٌ بلا خلاف، والخروج من الخلاف مُستَّحب. |
| يا ربّ أسألك بحُبّي لنبيّك، باتِّباعي لنبيّك، أن تُفرِّج عنّي، أن ترزقني، انتهت المشكلة كلها. |
| أسألك بمحبتي للصالحين ومحبتي لعبادك المؤمنين، أن تُعطيني من عطائك، انتهت المشكلة وانتهى الخلاف. |
| ومع ذلك إذا وجدت إنساناً يقول: اللهم إني أسألك بفلانٍ من الصالحين أن تُفرِّج عنّي، وأنت ترى أنه لا يجوز، فهذه المسألة مما يسوغ فيه الخلاف، كما قال ابن تيمية رحمه الله، بعد أن ذكر مذهبه بأنه لا يجوز التوسُّل بالذوات من الأموات، قال: وهذه المسألة مما يسوغ فيه الخلاف، أي لا تُنكِر عليه فتقول له: مُشرِكٌ وأشركت بالله. |
أُلخِّص المسألة بشكلٍ سريع:
| مَدَد يا فُلان، إذا كان حيّاً يقدِر لا حَرَج، مع الاعتقاد بأنَّ الفاعل هو الله، إذا كان الذي تطلبه لا يقدِر عليه إلا الله لا يجوز، ارزقنِ، اشفنِ، اعطنِ ولداً يا شيخ عبد الغني! ربّنا الذي يُعطي الولد فقط، حتى لو كان حيّاً، والدي اعطنِ ولداً، لن يُعطيك ولداً، الله الذي يُعطي فقط. |
| الآن مَدَد يا فُلان، إذا كانت لمتوفَّى ميت، فهذه المسألة إن كان قصدت أن يُعطيني هو بذاته، فهذا لا يجوز بلا خلاف، وإذا قصدت بها التوسُّل فالتوسُّل فيه قَولان لأهل العِلم: منهم من يُجيزه بهذا المعنى بالذوات، ومنهم من لا يُجيزه، وأنا أدعو كل شخصٍ يقول: مَدَد يا فُلان، أن يُريحنا من المسألة، ويُعفينا من المُشكلات وأن يقول: يا ربّ أتوسَّل إليك بحُبّي للصالحين أن تُعطينا وانتهت المشكلة، وانتهت المُناحرات والمُناكفات في قضيةٍ ينبغي أن ننتبه إليها لا شك، لكن لا ينبغي أن نتقاتل من أجلها، والحمد لله ربِّ العالمين. |

